خلال أيام الأسبوع عموماً، وأيام العطل والإجازات خصوصاً، تكتظ الدالية، على شاطئ الروشة الصخري، بأولاد وشبان وعائلات... استعمالهم لهذا الحيّز العام، باعتباره من آخر ما بقي في هذه المدينة الاسمنتية البشعة، يدحض كل نقاش يهمّش الدور الاجتماعي للدالية، المهددة بالإقفال والعزل خدمة لمصالح شركات عقارية بدأت بتنفيذ مشاريع خاصة تقضي على هذا الحيز النادر وتمنع، حتماً، الولوج الحرّ والمجاني إليه!
كل شيء يوحي هنا، بـ»الحياة»، بخلاف كل ما يُثار حول «موت» الدالية (تقول القصّة المروَّجة إن الدالية لم تعد كما كانت، مكاناً يقصده معظم أهالي بيروت، بل باتت تستقطب الزعران والعمال الأجانب، وباتت «موبوءة»، وفقاً لمعاني الخطاب العنصري، وفزّاعة «المخدرات» على غرار «عبدة الشيطان»). هنا، لا يُسمع صوت البحر بوضوح، بل صراخ الصيادين الذين ينادون لـ»كزدورة» في البحر، وضجيج «الدبكة» التي يعمّرها عدد من الشبان عند معظم «زوايا» الصخور، وصخب الأطفال، وصخب الحماسة الذي يستدرجه «تفنّن» البعض بالشك عن الصخور، ونجاح البعض في العوم بلا مساعدة لأول مرّة.
لكن غالبية الرواد هنا لا يدركون أن هناك خطراً جدياً يهدد بإقفال هذا الحيز، الذي يصفونه بـ»الغير شكل». منهم من يسمع من «الإعلام» أن هناك مشاريع تخطّط للمنطقة دون أن يدرك تفاصيلها: «ما كثير بيفهمونا بالتلفزيون»، كما تقول أم عامر (40 عاماً)، في إشارة (غير واعية ربما) إلى تورط الإعلام أو تجاهله المخاطر التي تتهدد الدالية.
ومنهم من يُفاجأ بأن هذه المنطقة تعدّ، «وفق القوانين»، ملكاً خاصاً أصلاً، «أول مرة بعرف انو الواحد في يشتري الصخر!»، كما تقول شيرين (24 عاماً)، الفتاة التي ترتاد الدالية، نهار كل أحد.
المفارقة، أن ردود فعل الجميع عند معرفتهم ما يجري على الدالية، تصبح «استسلامية»، برأيهم إن «القضاء على المجالات العامة المجانية في المدينة هو أمر تنتهجه الدولة»، وبالتالي لا يستبعدون حصول ذلك في الدالية.
«الدالية تعني الكزدورة»
تعرّف عامر (10 أعوام) إلى القضية باكراً، عندما وجد مركب أبو محمّد محطّماً، وهو الذي اعتاد على مرّ سنتين أن «يطلع كزدورة بالبحر». «زعلت كتير لما شفتو مكسّر، حسّيت انو ما بقى في دالية». حين وقعت حادثة تكسير المركب، أدرك أن هناك خطراً يحدق بالمنطقة التي يأتي إليها «من آخر الدنيا»: الدكوانة. برأي عامر، تحطيم المركب يعني القضاء على الدالية. فـ»الدالية هي الكزدورة الحلوة بالبحر».
«هون بحسّ انو النا البحر اكثر»
استعمالهم لهذا الحيّز العام، يدحض كل نقاش يهمّش الدور الاجتماعي للدالية
الدالية بالنسبة إلى جنى (9 أعوام) يعني «المنظر الحلو»، لا تفضّل الطفلة السباحة في البحر: «بخاف» تقول بنبرة خجولة، إلا أنها تستمتع بمشاهدة الآخرين «هني وعم بيشكّوا من عن الصخر»، فضلاً عن رغبتها في «التقرّب» إلى البحر، «بخاف أسبح، بس بحب اقعد حدّ البحر». تجلس الصغيرة إلى جانب والدها في كل مرة على حافة ملاصقة للبحر، وتكتفي بمد قدميها لتتحسس المياه، «بمدّ إجري لبورد»، تقول ضاحكة. عندما تُسأل الصغيرة عن «سبب حبّها للمكان، تأخذ الإجابة معها وقتاً قبل ان تقول: «البحر هون النا اكثر، مش متل المسبح».
بدن يسكروها ليعطوها للخليجية»
يتفق علي خلف (14 عاماً) مع جنى على فكرة أن «البحر أحلى من المسبح» مهما ازداد ملحه، برأيه، إن البحر هنا في الدالية أجمل، فهو على طبيعته، «هنيك (في المسابح) مصطنع»، يصعب عليه التعبير عمّا يعنيه «المصطنع»، فيستطرد قائلا: «في أحلى من الصخور؟»، لا ينتظر منك إجابة ويكمل تساؤله: «شو بدن أحلى من هيك؟». تُخبر علي أن هناك مشاريع ستقام، «مول» وفندق وغيرها من المشاريع «الدارجة»، في محاولة لـ»ترغيبه» في البديل الذي يروج له أصحاب الأرض، يقاطعك بالقول: «ما إذا صار هيك ما بقى فينا نشوف البحر حتى من بعيد».
على مقربة من علي خلف، يقف صديقه سامر مستمعاً إلى الحديث. عند تطرقنا إلى خبريات «المول»، يقاطعنا منفعلاً: «أقّل شي بدنا نصير ندفع 20 ألف، هون مشوارنا بيكلف بزر وبنزين بـ 8 آلاف». للصبي البالغ من العمر 14 عاماً حضور لافت، وحماسة بارزة. يُخبرك أنه (بخلاف الجيل الجديد) تعلّم السباحة هنا، «متل بابا وبقية عمومتي». المسؤولية برأيه تقع على «الدولة»، وبكلمات بسيطة يشرح لك معادلته: «ما بيحبو نكون مبسوطين، نحنا مننبسط بس ما ندفع مصاري، ولأنو بدن ندفع مصاري ما رح يحبو ننبسط»، قبل أن ينهي حديثه متهيئاً للعودة إلى السباحة، ينظر إليك «الرجل الصغير» ويقول: «بتعرفي شو؟ بدون يسكروها ليعطوها للخليجية. معروفة».
«بجي لريّح نفسيتي»
لا تعلم سارة (9 سنوات) لماذا تحب المجيء إلى الدالية بالضبط. تقوم الصغيرة بحركة في شفتيها نفياً لمعرفتها السبب قبل أن تستطرد: «ما بعرف هون، البحر كثير واسع، وبس إطّلع بالبحر الواسع برتاح (تقصد المدى وتشير إلى الأفق بيديها النحيلتين). برأيها، إن تأمل المدى شيء مريح، فهي لا ترتاد الدالية للسباحة ولا للعب. «هيك مناظر بتريّح النفسيّة».
لا تعرف الصغيرة بقضية الاستيلاء على الدالية تمهيداً لسلبها للناس، تستغرب لفكرة إمكانية إقفالها وتقول باسمةً: «طب أنا لوين بدي روح بعدين لريّح نفسيتي؟».
اللافت في تعبير الصغار عمّا تعنيه الدالية لهم، أن شهاداتهم تؤكد أن هذا المجال العام لا يزال يشكل حاجة للناس، ولـ»الجيل الجديد» تحديداً، ذلك أن الصيت الذي وُصمت به المنطقة تمحور حول تغييب الوعي عمّا تشكله هذه المنطقة لأهل المدينة. وتأتي دليلاً على أن الدالية، هي حيّز عام، يريدها أهل المدينة كما هي بطبيعتها العفوية والمجانية.
هديل فرفور
الأخبار - مجتمع واقتصاد
العدد ٢٦٥٥ الاثنين ٣ آب ٢٠١٥
http://al-akhbar.com/node/239111
