أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

زينب مكي: حرب تموز أفقدتني عائلتي

الجمعة 14 آب , 2015 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 6,120 زائر

زينب مكي: حرب تموز أفقدتني عائلتي

تستعيد زينب حسان مكي ليالي حرب تموز في العام 2006 الصعبة بهدوء، بعد اعلان وقف اطلاق النار في 14 آب من العام 2006. تروي كيف تنقلت العائلة بين المناطق هرباً من قصف الطائرات، إلى أن إلتقتهم أيادي الغدر في آخر ساعات الحرب.

تبدأ حديثها بتأنٍّ، وتنتقي كلماتها بحذر. بقينا في البيت في مجمع الامام الحسن في الرويس خلال الايام الأولى للحرب. لم يكن الخطر يتهدد الضاحية بعد، وعند اشتداد القصف مع مرور الأيام، تنقّلنا بين منطقة الشويفات وحي السلم وبقينا يومين على شاطئ البحر في سيارة أبي.

استقرينا في منزل عمتي في حي السلم في الأسبوع الأخير من الحرب، بعدما تركت منزلها ولجأت الى بيت جدي في منطقة زقاق البلاط حيث لا مكان لنا هناك لضيق المساحة.

تشرد زينب قليلاً قبل أن تبدأ بسرد أحداث اليوم المشؤوم. نهار الأحد في 13 آب أعلن مجلس الأمن الدولي هدنة إنسانية يليها وقف إطلاق النار نهائياً، عندها قرر والداي إرجاع الأثاث الذي كنّا قد نقلناه من بيتنا في الرويس إلى حي السلم.

وبعدما وضع أبي الأغراض في السيارة وجلس إخوتي الثلاث، لم يبق لي مكاناً بينهم، فطلب منّي أبي التوجه من حي السلم الى الرويس مشياً على الاقدام برفقة ابنة جارتنا دعاء. كانت الطريق طويلة من داخل حي السلم حيث منزل عمتي، فشعرنا بالتعب وقررنا اخذ قسطٍ من الراحة عند أحد اقارب دعاء على مشارف حي السلم.

"لا ازال أذكر تلك الدقائق تماماً" تضيف زينب. عند الواحدة ظهراً وبينما نحن نهم للصلاة قبل أن نكمل المسير دوّى انفجارٌ كبير في قلب الضاحية الجنوبية. ثلاث ضربات متتالية كانت كفيلة بتدمير مجمع الحسن فوق رؤوس سكانه، مع العلم أنّ هدنة وقف اطلاق النار كانت قد دخلت حيز التنفيذ.

إمتلكنا الرعب فلم ندرِ ماذا نفعل. هربنا جميعاً مع أقارب دعاء إلى طريق الجديدة حيث شاهدنا هناك على تلفاز صغير هول الدمار في المجمّع. لم أفقد الامل وحاولت الاتصال بأهلي مرات عدة. الهاتف يرن ولا من مجيب. امتلكني الخوف بعد ساعات من المحاولة، ولم استطع حينها أن أتذكر أي رقم هاتف لأعمامي وعماتي حتى اُطمئن عائلتي عنّي، وكنت أظن أنّ أبي لديه سيارة تساعده على الهروب من قصف الطائرات.

بقيت حتى اليوم التالي الإثنين في 14 آب عند أقارب دعاء أنتظر خبراً يثلج القلب. أصرّيت حينها أن تأخذني عمتها إلى المجمع حتى اطمئن على أهلي، نظراً لكون لا أحداً يعرف مكاني ايضا. وصلنا الى مجمع الامام الحسن من جهة المعمورة، فبدا المشهد مخيفاً للوهلة الاولى. ركام ابنية فوق بعضها واسطح بيوت لامست الارض. لم يأذن لي أحد عناصر الحواجز الامنية بالدخول فقررت دخول المجمع بالقوة بعدما امتلأت عيناي خوفاً من مشهد الدمار الهائل.

وبينما انا تائهة اشتم رائحة البارود والموت من داخل ابنية المجمع، نظرت حولي فإذا بي أرى خالي واقفا فوق ركام منزله ايضا، وما إن رآني حتى ضمني إلى صدره باكياً وكلما سألته عن أهلي بكى من دون أن يجيب.

اصطحبني خالي إلى مستشفى الزهراء في بئر حسن، حيث العائلة مجتمعة هناك وكلما سألت عن والدي وإخوتي بكوا جميعاً من دون جواب. لم يشأ أحدٌ من العائلة اخباري بحقيقة استشهاد أمي وأبي وأخوتي الثلاثة لكنّني رأيت الألم في عيونهم وعرفت حينها أنّ اهلي استشهدوا جميعا  وجثامينهم ترقد في براد الموت بسلام.

مررت بفترةٍ عصيبةٍ جداً. لا سند لي ولا معيل. وبعدما انتهت عطلة الصيف، دخلت الى ثانوية الكوثر في الصف السادس، حيث خضعت لعلاجٍ نفسيٍّ ثلاث مراتٍ في الأسبوع داخل المدرسة.

واجهت العديد من الصعاب خلال مرحلتي الدراسيّة، وأنا التلميذة التي لا يشاركها أهلها احتفالات آخر السنة، ولا أخوةٌ لها داخل المدرسة تستند بهم عند أيّ تقصير دراسي.

تابعت دراستي الأكاديمية حتى صف الأول ثانوي، ثم انتقلت لدراسة اختصاص التربية الحضانية في معهد مهني. وبعدها بعام، تعرفتُ إلى زوجي وبدأتُ مرحلةً جديدةً من حياتي معه، فهو النعمة التي بعثها الله لي لتعوّضني عن ما فقدته في صغري. كما رزقت بولدٍ زيّن عمري بعد أن تذوّقت طعم المرّ لسنوات.

"الحمد الله دائماً وأبداً". هي مرحلةٌ صعبةٌ  جداً من حياتي استطعت تخطيها بفضل الله وكرمه. بعد أن فقدت استقرار العائلة وعطف الأم وحنان الأب وبراءة طفولةٍ سُرقت بلمحة بصر.

بتول بزي - مختار 

http://www.mo5tar.com/manchetteid/634

Script executed in 0.040125131607056