أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

أي شرعية يبحث عنها السيسي؟

الجمعة 14 آب , 2015 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,305 زائر

أي شرعية يبحث عنها السيسي؟

إن موقع القناة الاستراتيجي، وتمركزها كحجر أساس في خطط التنمية المرصودة من قبل النظام المصري يجعل من العسير عزلها عن اعتبارات الاقتصاد والسياسة، وحتى الأمن. من هنا ربما، كان ملفتا أن يشارك في "الفعاليات الكرنفالية" يخت "المحروسة" العائد إلى الحقبة الملكية، والذي شارك في افتتاح القناة قبل حوالي 150 عاماً جنبا إلى جنب مع أحدث القطع الحربية التي تسلمها الجيش المصري حديثا من الولايات المتحدة وفرنسا. فقناة السويس، فضلا عن اعتبارها من الممرات التي تشهد أكبر حجم من الملاحة في العالم قارب الـ 7.5 في المئة من حركة الملاحة التجارية العالمية في العام 2007 وفقا لإحصاءات مجلس الملاحة العالمي، تبقى ذات مدلولات تاريخية بالغة تعود إلى العهدين الملكي والجمهوري في تاريخ مصر الحديث، مع العلم أن "التفريعة الجديدة" للقناة ستؤدي إلى زيادة ايراداتها السنوية من 5.3 مليارات دولار إلى 13.2 مليار دولار بحلول العام 2023. وإذا تمثلت في بداياتها على شكل هيئة تديرها قوى امبريالية إبان عهد أصحاب الجلالة، فإنها سرعان ما تحولت إلى رمز وطني في فترة حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. يحلو لكثيرين إسقاط "الحالة الناصرية" على عهد "المشير". وبرأي هؤلاء، فمن قناة السويس أطلق "الزعيم العروبي" شرارة مشروعه الكبير، ومن المكان نفسه اليوم، يقدم "المشير" نظامه للعالم بلسان حال يتوسل عبارات عبد الناصر، ويقول: " مصر تستطيع ..".

تظاهرة دولية يحشد من خلالها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دعما سياسيا من بوابة مشروع اقتصادي يلعب من خلاله على وتر شعور المواطنين والنخب وثيق الصلة بـ "هالة القناة" وموقعها في التاريخ و"الوجدان القومي" للمصريين إلى ما يتعدى ذلك في السياسة والاقتصاد. من خلال الحدث الذي أريد له أن يكون "أسطوريا" يحاول فيه السيسي أن يزاوج فيه بين الاعتبارات الداخلية والخارجية لتدعيم شرعية حكم ما زال يخوض غمار تثبيتها، لا سيما مع استمرار وجود "نواقص" في تنفيذ ما سمي بـ "خريطة الطريق" التي ظهرت في المشهد السياسي المصري عقب عزل الرئيس السابق محمد مرسي عام 2013. خلال الفترة السابقة لموعد الافتتاح، بدا إيقاع استحقاقات سياسية وقضائية مختلفة وكأنه يتحرك بشكل لا يخلو من تأثر بمفاعيل الموعد المضروب لـ "الحفل الكبير". فإلى جانب التأجيل المزمن للانتخابات التشريعية هناك، جرى إبطاء أو تأجيل بعض الإجراءات القضائية والمحاكمات لبعض المتهمين الأمنيين والسياسيين بالتزامن مع إقرار خطط وإجراءات أمنية أعقبت اجتماع مجلس الدفاع الوطني برئاسة السيسي حرصا على عدم توتير الأوضاع وتعكير مزاج الضيوف الذي كان من بينهم كبار قادة ورؤساء دول أبرزهم، رئيس فرنسا، وملك الاردن، وأمير الكويت، وحاكم دبي، ورؤساء السودان وفلسطين وأنغولا، ورئيس الوزراء اليوناني والروسي وآخرين.

وعلى ما يبدو، فإن الرئيس الحالي، المشير السابق، على أتم المعرفة بنقاط ضعف مصر في الوقت الراهن، وهي ثغرات تشكل أبرز ملامح الصورتين المتلازمتين حول الهشاشة الاقتصادية والأمنية للبلاد. وهو من خلال تأكيده على المضي قدما في مساري التنمية ومكافحة الإرهاب، إذ يدرك حاجة الداخل المصري، إلى التنمية، وحاجة الخارج إلى الانفتاح السياسي في مصر ومعها، وصولا إلى حاجتهما معا إلى الأمن والاستقرار على ربوعها، كما لم يغفل "الريّس" عن تقديم الرسائل بشأنها في "بوتقة" حفل افتتاح مشروع توسعة قناة السويس من خلال إطلاقه الحفل بالزي العسكري كبطاقة تعريف لشخصية "القائد الملهم" لـ "الجمهورية المصرية الثالثة"، ومن خلال إلقائه خطابه بالزي المدني للإيحاء أن "خيمة الحكم" لا تتسع للعسكر.

 

إلى جانب الأجواء الاحتفالية التي عمّت مختلف أرجاء المحافظات المصرية تحت عنوان: "مصر بتفرح"، فإن "الطابع الإعجازي" في المشروع حظي بالتفاتة هامة أيضا في كلام الرئيس المصري الذي قال: " لقد قام الشعب المصري بإنجاز مشروع القناة الجديدة في ظروف صعبة على الصعيدين الاقتصادي والأمني، حيث كانت قوى الإرهاب والتطرف تحارب مصر والمصريين، إلا أننا استطعنا بفضل الله عز وجل ثم بجهد المصريين التغلب على تلك الظروف وتحقيق الحلم". كما أن تعليمات الأخير بإنجاز المشروع في فترة عام واحد بدلا من ثلاثة، وإن حظيت بشق واسع من النقد، فهي تجيء لتؤكد نظرة القاهرة إلى الموضوع، قبل أي شيء آخر، على أنه تحد وامتحان "عزائمي" لما تعتبره نموذج "مصر المستقبل"، ومحاولتها تغيير الانطباع السائد عن أنماط الممارسة السياسية والمجتمعية في مصر على النحو الذي يقلل من هواجس "رأس المال" المحلي والعالمي، المتخوف دائما. ترسيخ صورة الترابط بين الشعب المصري ودولته تكفلت بها مساهمات قطاعات شعبية واسعة في تمويل مشروع "القناة الجديدة"، وفي "الترويج الافتراضي" له على شبكات التواصل الاجتماعي. يشار إلى أن المشروع المذكور هو جزء من خطة اقتصادية طموحة بقيمة 15 مليار دولار لتطوير منطقة قناة السويس لتجعل منها مركزا لوجيستيا وصناعيا وتجاريا، من خلال بناء موانئ عدة لتقديم خدمات للأساطيل التجارية التي تعبر القناة. ومن المتوقع أن يوفر هذا المشروع أكثر من مليون وظيفة خلال السنوات الـ 15المقبلة في بلد تلامس فيه نسب البطالة حاجز الـ 13 في المئة.

ولأن "هدية مصر للعالم" كانت محط الأنظار والتعليقات والتراشقات الجدلية، ثمة من لم يقتنع بالجدوى الاقتصادية للقناة الجديدة التي تؤكد تقارير صحفية أنه لم تقدم دراسات بشأنها. وفي مقال بعنوان "هدية مصر للعالم بكلفة 8 مليارات دولار .. وعلى الأغلب ليست ضرورية"، إنتقدت صحيفة "واشنطن بوست" المشروع من زاوية الفقر الشديد الذي يعاني منه السواد الأعظم من المصريين، وعلى أساس أن حركة الملاحة الدولية ليست في أحسن أحوالها حتى تكون في حاجة ماسة له، معتبرة أنه مشروع سياسي بحت. وقد جارتها في ذلك أيضا صحيفة "وول ستريت جورنال" التي رأت أن توقعات المسؤولين المصريين لقناة السويس الجديدة بمضاعفة حركة النقل والإيرادات خلال السنوات الثمانية المقبلة غير واقعية. على هذا الأساس، يتضح أن "تدشين القناة" يقع، سواء شئنا أم أبينا، في صلب "المناخ السجالي" حول شخص الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورؤيته السياسية لمشروع الدولة بين مؤيد ومعارض.

قد يبدو أن ما تحقق بالأمس ليس نهاية المطاف، بل هو خطوة البدء في رحلة "الألف خطوة" التي أعلنها السيسي، وهي تشمل مشروعات إنشاء شبكة قومية للطرق العملاقة، والبدء بحملة تنمية زراعية "مليونية"، بالإضافة إلى إنشاء عدد من الموانىء والمدن الجديدة إلى جانب مشاريع التوسع العمراني والتنمية الصناعية لدعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة. من الواضح أن خلوّ كلام الرئيس القادم من المؤسسة الأقوى في مصر من الإعلان عن خطوات جديدة على مستوى "الواقع الحرياتي في الداخل" في وقت أعلنت فيه السلطات المصرية عن "تصفية" أربعة مشتبه فيهم في محاولة اغتيال ضابط شرطة، يعني بلا غضاضة أن "جمهورية السيسي" تعطي الأولوية لـ "التصلّب الأمني" و"التنموي"، أما بخصوص ما يتعلق بالحقوق والحريات ففي المسألة نقاش.

خضر سعاده خروبي 
مجلّة النور الجديد

Script executed in 0.041929960250854