أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

تظاهرة الشارع... فولكلور الشاشات

الإثنين 31 آب , 2015 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,994 زائر

تظاهرة الشارع... فولكلور الشاشات

 سألت القناة: «ماذا عن تحرّك اليوم؟ وماذا لو أفسده المندسّون؟». «أم تي في» مصرّة على حفظ الودّ بين المتظاهرين وقوى الأمن. يؤكّد العميد أنّ عناصره في صفّ المواطنين، ويبرّر احتجازها لبعض «المشاغبين». تثني مُحاوِرَتُه على تفانيه، وتطمئن الخائفين من «الاندساس» إلى أنّ «عناصر أمنيّة بملابس مدنيّة» ستكون حاضرةً في الساحة. مراسلة القناة من ساحة الشهداء ندى صليبا، تتحدّث قليلاً عن المتظاهرين، وكثيراً عن التدابير الأمنيّة. اطمئنوا، مشهد لبنان الحضاري لن يمسّه أحد اليوم، تؤكد قناة المرّ. وللمزيد من الطمأنة، تعرض تقريراً يعرّف بكلّ ناشط من ناشطي حملة «طلعت ريحتكم»، وما يحمله من شهادات وما حقّقه من إنجازات. لا مشاغبين بينهم، أفسحوا الطريق، أو كما قالت مراسلة القناة جويس عقيقي في رسالة من ساحة الشهداء: «ليس هناك أيّ مشبوه ممن كنا نراهم في الأيام الأولى».

قناة «أل بي سي آي»، متحمّسة، هَشتَغَت شاشتها، وبدأت ببثّ الأغاني الثوريّة. لكنّها محتارة بعض الشيء. أتعرض أغنية الفرسان الأربعة وأمامهم جاط الخسّ والبندورة، أم أغنية «كلّن يعني كلّن» لفرقة «الراحل الكبير»؟ أتبشّر بصيغة جديدة تُولَد بهمّة شباب متحرِّرين من العقليّات التقليديّة، أم تعرض إعلان برنامج التبصير مع ليلى عبد اللطيف؟ يحتار المراقب في تفسير أداء المحطّة، المعروفة بامتلاك مغناطيس لا يخطئ لنسب المشاهدة. ربما تحاول اجتذاب كلّ فئات المشاهدين: من يفضلون زجل الفرسان الأربعة، ومن قد تجذبهم السخرية العدميّة لفرقة «الراحل الكبير»؛ لا تناصب جمهور الأحزاب العداء، ولا تخسر في الوقت ذاته أيتام الطوائف؛ تقول للناس أنتم أحرار الفكر، لا أوصياء بعد اليوم على خياراتكم، ولكن في الوقت ذاته، أنتم حمقى، تثورون على المنظومة في النهار، وتنشغلون بكشف غيب التاريخ في الليل.

شاشات المظلومين

بين «الجديد» و «أل بي سي آي» و «أم تي في» إبداعٌ في مسرحة الحراك: حلقات دبكة، فرق تمثيل، فنانون، حفلات توديع عزوبيّة، قمصان على شكل جواز سفر. كلّ حركة محسوبة وعفويّة جدّاً في آن، كأنّنا في أحد برامج تلفزيون الواقع. بثّ مفتوح للجميع، وعلى كلّ شيء. مراسلة «أل بي سي آي» رنيم بو خزام تأخذ تصريحاً من الفنانة نورهان والملحن سمير صفير المشاركَين (أيضاً) في الثورة، زميلتها راشيل كرم على «الجديد» تحدّث أحد طلّاب كليّة الفنون في الجامعة اللبنانيّة حول أزمة منع حصّة الموديل العاري في صفوف الرسم. أحد المواطنين يخبر فتون رعد (lbci) بأنّ «الإثيوبيات والفيليبينيات» (عاملات الخدمة المنزليّة الأجنبيّات) يحملن هواتف بطرازات حديثة، بينما أولاده لا يجدون فرص عمل. رولا، زوجة جورج الريف تقف أيضاً أمام ميكروفون القناة، وتطالب بالاقتصاص من قاتل زوجها الذي ذبح بدم بارد بسبب خلاف على أحقيّة المرور. مراسلة «الجديد» نانسي السبع تسأل أحد المنظمين من حملة «طلعت ريحتكم» عن رأيه بانقطاع الكهرباء بعد ظهر أمس عن المناطق كافة، فيردّ: «نور الشعب أقوى من الكهرباء». مشهدٌ متنوّع وملوّن لخّصته مذيعة «المؤسسة اللبنانيّة للإرسال» ديما صادق بأنّ مَن في الشارع هم «أصحاب كلّ مظلوميّة، المظلوميّات كبيرة، الشعارات كثيرة، وكلّ يتحدّث عن مظلوميّته الخاصّة».

كان المشهد جامعاً بين القنوات، لدرجة تخال أنّك تشاهد شاشة واحدة لأكثر من خمس ساعات متتالية. ربما يعدّ ذلك «بروفا» لاقتراح بيار الضاهر باستخدام كاميرا واحدة توزّع صورها على القنوات كافة، لتغطية الأحداث المماثلة، بهدف التوفير، بحسب مقترحات الخطّة الإنقاذية التي طرحت قبل أشهر، لإخراج القنوات اللبنانيّة من أزمتها الماليّة الشرسة. الصورة واحدة تقريباً، لكنّ التفاصيل تختلف. العميد مشموشي يعلّق على فقرة «كونّكتد» حول أبرز «هاشتاغات» التحرّك على «أم تي في»، بينما تحاور دلال معوّض على «أل بي سي آي» الناشط أيمن مروة الذي اعتقل وضرب مساء الأحد الماضي في رياض الصلح. كانت مداخلة مروّة المداخلة الوحيدة تقريباً لممثّل عن حملة «بدنا نحاسب»، مع اهتمام «الجديد»، و «أل بي سي آي»، و «أم تي في» السبت، بإبراز «قيادات» حملة «طلعت ريحتكم» الذين تصدّروا المشهد طوال النهار، وفي البرامج المسائيّة التالية للتظاهرة إلى جانب النقابي حنّا غريب، والوزير السابق شربل نحّاس. «أو تي في» استضافت أيضاً نحّاس، والمحامي نزار صاغيّة في فقرة حواريّة صباح أمس، من ساحة الشهداء التي أصبحت استوديو جديداً للقنوات كافّة. أدارت جوزفين ديب الحوار على الشاشة البرتقاليّة أمس، وكذلك التغطية من ساحة الشهداء السبت، حيث حرصت على طرح أسئلة نقديّة على بعض المتظاهرين، إذ سألت أحدهم عن سبب اختلاف الشعارات، وعن سبب عدم اتفاق المنظّمين على خطّة واضحة مشتركة. وبخلاف العدّادات المرتبطة بالحراك الشعبي على شاشات أخرى، ثبّتت «أو تي في» عدّاداً لأحد سباقات السرعة الذي ينظّم بعد أيّام على الزاوية اليمنى من شاشتها. وأشارت «أو تي في» في مقدّمة نشرتها المسائيّة السبت، إلى ما قالت إنّه «تظاهرة «بالجملة»، ومطالب «بالمفرق».

«شبه إجماع»

نجحت التظاهرة بجمع الآلاف من دون أيّ إشكال أمنيّ يذكر، تحت شعارات توحّد جميع اللبنانيين، في مشهد نادر على الساحة المحليّة. لكنّ بعض القنوات أرادت الإمعان في التحذير من «مثيري الشغب». فبعدما أخّرت معظم الشاشات نشرات أخبارها المسائيّة لعدم تفويت أيّ لحظة من التظاهرة، عادت وقطعت برامجها المسائيّة للتحذير من أربعة أو خمسة شبّان أحرقوا كراتين وأكياس نايلون على السلك الشائك على زاوية شارع المصارف. ركّزت الكاميرا على شبّان عراة الصدور (ما أصبح دليلاً لبعض القنوات على أنّهم «مندسّون»). وبالرغم من أنّه كان واضحاً أنّ ما يفعلونه لن يهزّ السلم الأهلي، ولن «يشوّه» صورة التظاهرة، إلّا أنّ «أم تي في» و «أل بي سي آي» حرصتا على تكرار «الأسف» لتكرار المشهد «غير الحضاري».

على المقلب الآخر، دغدغ المشهد المهيب في الساحة مشاعر قنوات كانت الأسبوع الماضي متردّدة في إعلان دعمها للمطالب الشعبيّة. انضمّت «المستقبل» و «أن بي أن» و «تلفزيون لبنان»، إلى الإجماع التلفزيوني، وفتحت البثّ المباشر قبل التظاهرة وخلالها وبعدها. وكزميلاتها، نقلت أصوات المتظاهرين، صوّرت شعاراتهم، وأعلنت في مقدّمات نشرات أخبارها المسائيّة، دعمها لمطالبهم. قناة «أن بي أن» أشارت في نشرتها المسائيّة أمس الأوّل، إلى أنّ «العاصمة كانت متنفّساً للمواطنين الذين خرجوا يرفعون الصوت ضدّ الاستهتار الرسميّ بمصالح الناس، وجمعت أبناءها بسلام الوحدة الوطنيّة وحضارة التعبير اللبناني وأحقية المطالب الشعبية». في حين ذكّرت «المستقبل» بقرار مجلس الأمن المركزي ووزير الداخلية نهاد المشنوق «حفظ أمن التظاهرة ومنع الفوضى وسلامة الممتلكات العامة والخاصة». وبدأت مقدّمة أخبار «تلفزيون لبنان» كالتالي: «نجح الشعب اللبناني بالتعبير الديموقراطي وإبراز حضارته. نجحت القوى الأمنية في حماية المتظاهرين. نجحت الحكومة في إعطاء اللبنانيين الحقّ في التظاهر».

من جهتها، حافظت «المنار» على نمط التغطية ذاته الذي اعتمدته منذ بداية التحرّك قبل أسبوع: دعم كامل للشعارات، وأسئلة عن حسابات الحملات الشعبيّة ومستقبلها. لم تفتح القناة شاشاتها للبثّ المباشر طوال النهار، بل قبل ساعة من التظاهرة. وعوضاً عن فتح أربع كاميرات، فتحت اثنتين، تحدّث عبرهما المراسلان حسين حمزة وعلي عواضة مع المشاركين في التظاهرة، وأشادا بالمشهد الجامع. وفي مقدّمة نشرة أخبارها المسائيّة، ردّت القناة بشكل غير مباشر على السجال الدائر على مواقع التواصل، حول وسم «كلّن يعني كلّن» الذي يضع السيد حسن نصر الله في سلّة واحدة من سياسيين آخرين، فقالت: «نبض أقوى من كل الشعارات، حركته قسوة المعاناة، فجرته النفايات بعد أن أرهقته الكهرباء والماء ووعود السدود والجسور والطرقات، وجل مشاريع الفساد والسرقات. نبض لن يسرقه أحد مهما حرفت اللافتات، وصوبت الهتافات والهاشتاغات، نبض أعاد الحياة لساحة الشهداء ولشهدائها الشاهدين على زمن طويل من تزوير الهويات». استضافت القناة خلال تغطيتها النهاريّة عضو المجلس الوطني للإعلام غالب قنديل، وفي تغطيتها الليليّة نائب رئيس مجلس النواب السابق إيلي الفرزلي، اللذين أجمعا على أنّ مطالب الشارع محقّة، وأنّ أطياف الطبقة السياسيّة لا تتساوى في المسؤولية عن الفساد.

نشرة موحّدة

تصدّرت «أل بي سي آي» و «الجديد» المشهد الإعلامي السبت، فجمعتهما سرديّة واحدة تقريباً، ضمن منافستهما الشرسة لإثبات من منهما قناة اللبنانيين الجامعة، العابرة للطوائف، والانتماءات الحزبيّة. فازتا معاً بصناعة مشهد تلفزيونيّ نادر وتاريخيّ إن جاز التعبير، لناحية الحشد لتظاهرة يجتمع على شعاراتها جميع اللبنانيين. على مواقع التواصل، أسئلة كثيرة طرحت حول دور القناتين في إبراز شخصيّات بعينها من الحملات الداعية للتحرّك، وما إذا كان ذلك تكتيكاً غير بريء، لإظهار صورة محدّدة ومرسومة بدقّة عن التظاهرة الخالية من «الغوغاء»، أم محاولة لركوب الموجة، من خلال مقارنة (ساذجة بعض الشيء) بين مدوّني لبنان وناشطي ومدوّني تونس ومصر.

«أم تي في» كانت معنيّة بإظهار صورة أخرى، عن التعاون «الحضاري» بين قوى الأمن والمنظّمين، وكانت الأشرس بنبرتها الطاردة لطبقات أو فئات أو طوائف بعينها، من التحرّك. في الخلاصة، جاء المشهد التلفزيوني وحدويّاً، مع رشّة نفاق. لوحةٌ فولكلوريّة تعيد إلى الأذهان تجربة النشرة الإخباريّة الموحّدة، من خلال التركيز على شعارات غير خلافيّة، وجامعة، وغير جديدة (الكهرباء، الماء، الاستشفاء،... إلخ)، والتغاضي عن خلافات جوهريّة، وعن المساءلات النقديّة المشروعة لأيّ حراك شعبيّ بدأ مبشّراً بغد أفضل، واستطاع أن يكسر ركود المشهد السياسي، وإعطاء الأمل لشرائح اجتماعيّة كانت تعتصم بالصمت. لكنّ الشاشات تبدو غير معنيّة بإظهار إطار غير فولكلوري لأيّ تحرّك، لا بل إنّها تذهب أبعد بمحاولة ضبط المشهد، وتركيب عناصر الصورة من طبقة واحدة، أو فئة واحدة، ما يناقض الطموح المعلن عنه لانتفاضة عابرة للأحزاب والمناطق والطوائف والفئات.

سناء الخوري

السفير بتاريخ 2015-08-31 على الصفحة رقم 6 – صوت وصورة

Script executed in 0.041888952255249