من هذا المنطلق، ارتأت "جامعة المعارف"، التي تم الاعلان عنها مؤخراً في العاصمة اللبنانية بيروت، المُضي قُدماً تحت شعار "صناعة الحياة بالعلم والمعرفة."
لكل جامعة رسالتها، وفيما يلي رسالة "جامعة المعارف":
هي مؤسسة تعليمية وتربوية للتعليم العالي تنطلق من اعتبار العلم رسالة وفضيلة وواجب، تستلهم القيم الدينية والانسانية السامية، وتساهم في إنتاج العلم والمعرفة وفي صناعة الإنسان الصالح الخلوق والفعال والمبدع، وتشارك في نهوض وإقتدار المجتمع والوطن، وتسعى لدور جاد وفاعل في الحياة الجامعية الوطنية والعالمية، وتُعنى بالإختصاصات المتنوعة وفق أرقى النظم الأكاديمية والتقنيات التعليمية، وتلتزم بيئة "مكارم الاخلاق" في الحراك الثقافي والعلمي وتؤدي رسالتها بالإعتماد على فريق رسالي ووطني مندفع وكفوء.
الموقع الجغرافي لـ "جامعة المعارف" هادئ نسبياً، حيث تقع في منطقة (بئر حسن) التي تضم العديد من الثانويات العريقة. ومن المتوقع أن يتم بناء جامعات أخرى في محيطها. كما أن الجامعة تخطط لإنشاء فروع أخرى في كل من الجنوب والبقاع.
ومن جهة ثانية، تضم "جامعة المعارف" الكليّات الثلاث التالية:
1: كلية الأديان والعلوم الانسانية:
اختصاصاتها:
العلوم الاسلامية – الفلسفة وعلم الكلام – علوم القرآن الحديث – التاريخ والحضارة المقارنة – الترجمة واللغات – الاديان المقارنة.
2: كلية إدارة الأعمال:
اختصاصاتها:
الموارد البشرية – العلوم المالية والمصرفية – المحاسبة – الاقتصاد – الادارة – نظم المعلومات والأعمال – إدارة الأعمال الدولية – التسويق.
3: كلية الإعلام والفنون:
اختصاصاتها:
الإذاعة والتلفزيون – الصحافة (المكتوبة والإلكترونية) – العلاقات العامة والإعلان – علوم الاتصال.
تساؤلات كثيرة تُطرح حول هوية "جامعة المعارف"، قيمها، أهدافها، ومدى قدرتها على منافسة بقية الجامعات في لبنان.
وفي حوار خاص مع رئيس الجامعة الدكتور محسن صالح، أوضح لنا العديد من النقاط. وعن فكرة إنشاء الجامعة قال: "الفكرة قائمة منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وكان هناك عمل حثيث على تشكيل فرق عمل للمناهج التعليمية والبحث عن مكان ملائم للجامعة، إلا ان مواقف سياسية للسلطة اللبنانية آنذاك أعاقت الترخيص للجامعة وتحويلها من جمعية (المعارف) الى جامعة، إلى أن تم الترخيص لها بتاريخ 22-12-2011 ، عندما كان الاستاذ حسان دياب وزيراً للتربية والتعليم العالي."
ويضيف: "هذه الجامعة هي لبيئة حُرمت من التوازن العلمي في الفترة الماضية خاصةً أنها كانت بأمس الحاجة لهكذا مؤسسة نظراً لتخرُّج عدد كبير من أبناء الضاحية وجوارها كل عام."
"الكثير من العقبات يواجهها الطلاب من ناحية إيجاد جامعات تطبيقية او حتى في مناهج العلوم الانسانية التي يتصف بعضها بتقليد الغرب حيث لا يهوى عدد من الطلاب هذا النمط من المناهج التعليمية. وبالتالي، إحدى غايات "جامعة المعارف" هي تلبية حاجة اجتماعية وثقافية وعلمية لأولئك الطلاب،" يقول الدكتور صالح.
أما عن هوية "جامعة المعارف" يشرح رئيسها قائلاً: " رسالتنا الأساسية هي "الإنسانية". نحن نسعى إلى بناء علاقات الناس على أساس الحوار والتفاهم والاحترام المتبادل، والإطاحة بلغة العنف التي تعصف بمجتمعاتنا." مؤكداً أن الجامعة للجميع وأبوابها مفتوحة لكل الطلاب من كافة الطوائف والمذاهب والأديان.
وكان لا بد من معرفة سبب اختيار "المعارف" كإسم رسمي للجامعة، الذي "قررته المؤسسة المالكة، أي المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم. ويقع على عاتقها تقديم أعلى المستويات العلمية والقيم الأخلاقية على حد سواء." حسب ما أوضح رئيس الجامعة.
إحدى أهم النقاط التي تطرقنا إليها خلال حديثنا مع الدكتور صالح تدور حول المعايير التي اعتمدتها الجامعة في انتقاء الكادر التعليمي خصوصاً في ظل المنافسة الكبيرة بين الجامعات في لبنان، وكان واضحا بالتأكيد على أن "جامعة المعارف لا تنافس أحدا، كونها تتفرد بأولوية القيم الأخلاقية على توخي الربح. وتهدف الى المنافسة المعنوية فقط وتخريج طلاب يفتخرون بالانتماء إلى جامعة تحقق إنجازات أخلاقية وعلمية في آنٍ معاً. فالكادر التعليمي كفوءٌ وحائزٌ على الشهادة المطلوبة، وكلما تقدمنا في السنوات التعليمية كلما وقع الاختيار على معلمين ذات درجة علمية أرفع." تجدر الاشارة الى أن "جامعة المعارف" تمنح شهادة الاجازة الجامعية، وتعتمد اللغتين العربية والإنكليزية في التدريس. إضافةً إلى أنّها تعتمد نظام الفصول والوحدات الدراسية، حيث يتوزع نظام الدراسة على ثلاثة فصول(خريف، ربيع وصيف) ونظام التعليم هو نظام الوحدات حيث يسمح للطلاب بالتسجيل بعدد محدد من الوحدات سنوياً.
وفي ظل الوضع الاجتماعي والاقتصادي الصعب الذي يمر به لبنان، أفاد رئيس "جامعة المعارف" بأن مؤسستهم تسعى إلى إثبات نفسها كصرح تعليمي وليس كمؤسسة إنتاج تتوخى الربح، مبيناً أن الأسعار مدروسة. لذا "نعمل على تخفيف العبء المادي على المواطنين قدر الإمكان، وتقديم المنح للمتفوقين لحفظ العنصر النوعي والوصول الى الغاية في التقدم بالمستويات العلمية."
واختتمنا حوارنا مع الدكتور محسن صالح بالحديث عن ردود الافعال بعد الاعلان عن افتتاح الجامعة في الخامس عشر من ايلول 2015، حيث أشار إلى ان المواقف تتفاوت، غير أن التشجيع والتضامن كانا كبيرين.
بالنسبة لكلية الإعلام والفنون، افادنا عميدها الدكتور علي الطقش بأن اختيار الاختصاصات الاربعة التي تضمها الكلية تم نسبةً لاحتياجات السوق الحالية والمستقبلية.، مبيناً أنها تسعى لتقديم مواد تطبيقية وليس نظرية فقط، إذ تحتوي الكلية على تجهيزات ضخمة من استديوهات تلفزيونية واذاعية وغيرها.. الامر الذي يساعد الطلاب في تطبيق العمل الاعلامي خلال مرحلة التعلم.
ولفت الدكتور الطقش إلى أن الجامعة تفرض على الطالب مادة "التموضع المهني" (خلال الفصل الرابع) والتي تؤمن الكلية خلالها فرصاً لجميع طلابها للتدرب في مؤسسات خارجية، تتماهى مع ميول وقدرات كل طالب على حِدى. وبالتالي هذا من شأنه اختصار الكثير من الوقت والجهد في مرحلة البحث عن العمل المناسب بعد التخرّج.
وما يميز هذه الكلية عن مثيلاتها في الجامعات الاخرى هو مواكبتها للتطور التكنولوجي بإضفاء تخصصين جديدين على عالم الإعلام، ألا وهما الصحافة الالكترونية والصحافة الرقمية، الذي تتطلع جامعة المعارف من خلاله إلى دمج مهارات الصحافة المكتوبة مع الإعلام الرقمي.
وطمأن الدكتور علي الطقش الطلاب الذين يرغبون بالانتساب الى كلية الاعلام والفنون أن امتحان الدخول (في مادة اللغة العربية – اللغة الانكليزية والرياضيات) هو أشبه بامتحان "أهلية" لمعرفة المستويات، وليس هناك إمكانية لرفض أي من الطلاب. فهذا الاختبار "يُمكّننا من تقييم مستوى كل منتسب لتقويته في المادة التي يُعدّ ضعيفاً فيها."
إضافة إلى ذلك، أشار عميد كلية الاعلام والفنون إلى أن الكادر التعليمي للسنة الأولى قد اكتمل، والجامعة لاتزال ترحب بتقديم طلبات العمل للمؤهلين للتعليم، الذين من المفترض أن يكونوا اصحاب خبرة عملية في المجال الإعلامي إلى جانب شهادتهم العلمية.
وإلى كلية الأديان والعلوم الإنسانية، التي تضم ستة أقسام، وهدفها، حسب ما أفادنا عميدها الدكتور هادي فضل الله، "هو توجيه الاجيال بشكل عام الى تربية سليمة تقود المجتمع نحو النجاح والرقيّ والتقدم، لما تحتويه دراسة الاديان من قيم وأخلاق فاضلة."
مضيفاً أن اهمية دراسة الأديان تكمن في أن الإنسان، بفطرته، يحتاج للإيمان ولو بمسائل غيبية كما حصل في العصور القديمة حيث تدرج المرء في عبادته من الأشياء الماثلة أمامه، فالغيبيات، ومن ثم جاءت الأديان السماوية لفك "شيفرة" الغموض وتفسير تلك الأمور.
وشدّد الدكتور فضل الله على أن الجامعة تتسم بالانفتاح وترحب بالطلاب من كافة الأديان.
وحول تَفَرُّد "جامعة المعارف" بإنشاء كلية "الأديان والعلوم الإنسانية" على عكس الجامعات الاخرى التي تضم كلية "الآداب والعلوم الانسانية" أوضح الدكتور فضل الله أن المُراد هو تَعَرُّف الاجيال الصاعدة على كافة الاديان السماوية واللغة الاجتماعية الحسنة وتثقيف هذا الجيل فرداً وجماعةً لبناء مجتمع متماسك يسوده الخُلق الحسن.
لا شك أن "إدارة الأعمال" هي إحدى أكثر الكليات رواجاً في مختلف الجامعات. جامعة "المعارف" وزعت كلية إدارة الاعمال فيها على ثمانية أقسام، وذلك "تبعاً لحاجات السوق والمؤسسات في القطاعين العام والخاص ، فالمؤسسة عبارة عن وحدة مترابطة ما بين عدة أقسام." على حد تعبير عميد الكلية الدكتور حسين حجازي.
قسم جديد طرحته الجامعة هو "الإدارة العالمية". وقد عزا الدكتور حجازي إنشاءه كون لبنان جزء من العالم المحيط به، وبالتالي إن "جامعة المعارف" هي جزء من الجامعات الموجودة في لبنان والعالم.
ولفت عميد كلية ادارة الاعمال الى إعطاء الطلاب فرصة تطبيق العمل في مؤسسات خارجية (خلال الفصل الرابع) ، تتكفل الجامعة بتأمينها. كما ارتأت الكلية تشكيل مجلس استشاري ( يضم خبراء ومتخصصين من خارج الجامعة) لتقييم الطلاب واعطائهم النصائح والارشادات اللازمة. وأشار الدكتور حجازي إلى أن الكلية تسعى الى استقطاب الطاقات الشبابية لتدريس طلاب السنة الأولى، لما في ذلك من تأثيرات إيجابية على العلاقة بينهما.
تتميز "جامعة المعارف" بوسائل التدريس التي تعتمدها وذلك من خلال عدة أمور أحاطنا بها المدير الإداري للجامعة الدكتور حسين حجازي. بدءأً بالتكنولوجيا ، وصولاً الى استخدام اسلوب العمل الجماعي، ومروراً بفتح مجال للمناقشة بين الطلاب والمدرسين وإبداء الطالب لرأيه بطريقة علمية.
وفي الخلاصة، لا علم دون أخلاق والعكس صحيح. رسالةٌ تحملها "جامعة المعارف" التي تُشرّع أبوابها لكل من يحب العلم ويرغب ببناء شخصية متكاملة. وكما يقول الإمام علي(ع): "كلُّ وعاءٍ يَضيق بما جُعل فيه إلاّ وعاء العلم فإنَّه يَتَّسع."
تحقيق: بتول عبدالله











