أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

العلاقات الإيرانية المغربية: خطوة إلى الأمام ... وخطوات إلى الوراء

الخميس 03 أيلول , 2015 10:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,176 زائر

العلاقات الإيرانية المغربية: خطوة إلى الأمام ... وخطوات إلى الوراء

وبين المساعي الباباوية التي "أينعت ثمارها" على مستوى العلاقات الأميركية الكوبية، وتحسن حظوظ التوصل إلى اتفاق نهائي بين المجموعة السداسية الدولية وإيران على خلفية برنامجها النووي، كانت الكويت تسجل أولى خطواتها على صعيد استعادة الحرارة مع سوريا، فيما مضى الحليف المغربي الأوثق للمنظومة الخليجية، المغرب تحديدا، في جهده الخاص لـ "كسر الجليد" في العلاقة بإيران، والذي يحبو خطواته الاولى.

مع انتخاب الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني، ظهرت بارقة أمل من جديد على صعيد العلاقات المغربية الإيرانية. وكان الملفت في هذا الصدد هو ما جاء على لسان نائب وزير الخارجية حسين امير عبد اللهيان في السادس من شباط /فبراير2014 أن "سفارتي البلدين سيعاد فتحهما قريبا"، بعد سلسلة محادثات واتصالات عبر قنوات مختلفة جرت بين مسؤولين إيرانيين ومغاربة على مدى عام مضى، تم خلالها التمهيد لإمكانية استئناف العلاقات يتردد أنها جاءت بشروط وشروط مضادة.

يذكر أن دعوة الرباط لطهران للمشاركة في اجتماع لجنة القدس (يرأسها المغرب) المنبثقة عن منظمة التعاون الإسلامي في مدينة مراكش في العام 2014، وذهاب وزير الاتصال والناطق باسم الحكومة المغربية، مصطفى الخلفي، إلى العاصمة الإيرانية في العام نفسه من أجل المشاركة فى اجتماعات وزراء إعلام دول منظمة التعاون الإسلامي جاءت ثمينة في طي صفحة من صفحات الخلاف بين الجانبين. وكما هو معلوم فقد انفجرت أزمة ديبلوماسية بين إيران والمغرب على خلفية اتهام الأخير للبعثة الديبلوماسية الإيرانية العاملة على أراضيه بالتدخل في الشؤون الداخلية لمملكة البحرين، وفي الأوضاع الدينية بالمغرب.

في هذا السياق، من المتفق عليه أن الشيعة في البلاد العربية هم جزء أساسي من النسيج العربي المتميز بتنوعه من مختلف الأقليات ومختلف الأديان. والمصلحة العربية، على حد ما ينادي به بعض النخب، تقتضي إصلاح هذا الخلل، وليس تصويره على أنه تهديد سياسي أو اجتماعي ثقافي تقف خلفه إيران. وبين من يلقي الاتهامات ويكيلها لإيران ممن يعتبرون أن العرب في حالة "صراع قومي" معها، وآخرون يصنفونه "مذهبيا خالصا"، يتحدث أستاذ العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في جامعة المحمدية في المغرب محمد زين الدين خلال أحد المنتديات الذي نظمته "مؤسسة الفكر العربي" في قصر المؤتمرات في مدينة الصخيرات المغربية، عما يمكن تسميته "لعبة أمم" تقودها الولايات المتحدة و"إسرائيل" ضد العرب في الشرق الأوسط معتبرا أن تركيا وإيران، رغم خلافهما في الظاهر، متفقتان في الجوهر على مصالحهما بعكس الدول العربية، وأنهما تحاربان في الخارج، وحين تتعارض مصالحهما تلجآن إلى تسعير الخلاف المذهبي. ويُحسب لرئيس الحكومة المغربية عبد الإله بن كيران خلفيته "الاسلاموية" لا سيما وأنه قادم من حزب إسلامي معتدل يتبنى الوفاق ويدافع عن حوار المذاهب والحضارات. ويتضح ذلك أكثر من خلال ما أجاب به بن كيران على سؤال وجه إليه على هامش إحدى القمم الإسلامية، وذلك عقب لقاء جمعه بمسؤول إيراني، حين اعتبر إن الإسلام يحض على الإخاء والتفاهم مع الآخر، فبالأحرى مع دولة إسلامية!

وفي مطلق الأحوال، لكل أسبابه لإعطاء دفعة للنهوض بالعلاقات، وإن كان المغرب لم يبادل إيران "التحية" بتعيين سفير له في طهران، الأمر الذي يثير تساؤلات بقدر مشابه لتلك الناجمة عن مغزى الانفتاح المغربي على إيران في هذا التوقيت وفي هذه اللحظة السياسية الدقيقة التي تمر بها المنطقة. ويمكن اعتبار المغرب جزءا من دائرة الاهتمام الإيراني بأفريقيا، مع لحظ خصوصية ثقافية للمغرب الذي ينظر إليه على أنه مركز تلاقح الأفكار والحضارات ومختلف المذاهب الفكرية والفلسفية في العالم الإسلامي، كما أنه معروف عن شعبه مدى تعلقه بأهل البيت (ع).

وفي وقت يتعين علينا الالتفات إلى استضافة إيران لمنتدى حول التقارب الفكري مع افريقيا في العام 2010 بحضور ممثلين عن أكثر من 30 دولة افريقية، تنشط المملكة المغربية في مهمة يطلق عليها من قبل البعض اسم "مهمة دعم الإسلام المعتدل" ما قد يجعلهما في منافسة على صعيد "تصدير نماذج إسلاموية" قد لا تقتصر عليهما. وفي وقت يرشح فيه الحديث عن اصطفاف مغربي خلف الرياض ضد إيران، فإن هناك ما يشير إلى "مثلث صراع" مغربي – سعودي - إيراني حول "الأشكال المثلى لنظام الحكم الإسلامي". وبحسب الدراسات الغربية، تربط المملكة العربية السعودية علاقات مع الرباط تمزج ما بين التوتر والتعاون على خلفية "رعاية" الرياض لـ "السلفية الجهادية" التي يتغلغل أتباعها في البيئة الأمنية والسياسية في المغرب العربي كأحد أبرز مصادر تهديد للحكومات القائمة هناك من جهة، ومن جهة أخرى بسبب ما تؤمنه "المملكة الخليجية" لنظيرتها المغاربية من النفط والاستثمارات وفرص العمل لحشد الدعم للاقتصاد المغربي. وفي المقابل هناك دعم عسكري وأمني وايديولوجي يحصل عليه السعوديون من الرباط، إذ يُعتبر التقارب بين "الدول السنية" والحفاظ على الأنظمة الملكية الصديقة محركيْن للدعم المتبادل، على وقع ما تروجه بعض دول الخليج حول "الخطر الإيراني" وضرورة مواجهة "النفوذ الشيعي" في المنطقة.

تجدر الإشارة إلى أنه سادت مخاوف على تقويض الجهود المبذولة من أجل "بناء الثقة" بين المغرب وإيران خلال شهر حزيران/ يونيو الماضي حينما استدعت الوزيرة المنتدبة لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون المغربي، السيدة مباركة بوعيدة ، القائم بأعمال السفارة الإيرانية بالرباط، وذلك في غياب السفير المتواجد حاليا خارج المملكة، وأبلغته احتجاج بلادها الشديد ورفضها المطلق لمضامين التقرير المغرض والمسيء لصورة المغرب، الذي نشره الموقع الإخباري “فارس نيوز”، المقرب حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية محذرة من مضامين خطيرة للتقرير المذكور وأبعاد غير مقبولة تنم عما أسمته "نية مبيتة للإساءة المقصودة لبلادنا”. وبحسب تقارير صحفية مغربية يؤكد البلاغ الذي تقدمت به بوعيدة حينذاك “استياء المملكة المغربية لهذا الأسلوب غير المسؤول الذي يقوض جهود البلدين الرامية إلى إعادة بناء الثقة، مشيرة إلى أنه بقدر تمسك المملكة بإقامة علاقات مع إيران على أسس قوية مبنية على الثقة والاحترام المتبادل بقدر ما ترفض أي استفزاز أو إساءة لصورتها وسمعتها”. من جهته، وفي معرض رده على تقرير وكالة "فارس" للأنباء، أشار وزير الإعلام المغربي والناطق باسم الحكومة إلى "محطات نضالية" في تاريخ بلاده لصالح "نصرة القضية الفلسطينية" مذكرا بإغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط منذ سنوات، وبمقترح قانون تقدم به البرلمان المغربي لـ "تجريم التطبيع مع "إسرائيل" التي ارتفع منسوب تجارتها مع المغرب خلال السنوات الأربع الماضية.

الجدير ذكره، أن العاهل المغربي وجه رسالة تهنئة في شباط/ فبراير الماضي، إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني، بمناسبة العيد الوطني لبلاده، كجزء من سلسلة خطوات "تطبيعية" نحت في اتجاهها العلاقات المغربية الإيرانية منذ أواخر العام الماضي كان آخرها تعيين الحكومة الإيرانية سفيرا لها في الرباط. يضاف إلى تلك الخطوات، "الاتصال الشهير" بين وزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار بنظيره الإيراني محمد جواد ظريف قبل أكثر من ستة أعوام، ولقاء رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بن كيران بمسؤول إيراني رفيع خلال العام الماضي قيل عن ضلوع دولة خليجية في الترتيب لها من أجل "ترطيب الأجواء" بين البلدين.

في قانون المصالح، تطغى اعتبارات المصلحة بين طهران والرباط كما هو واقع الحال في سائر العلاقات الدولية. اقتصاديا، تمثل إيران سوقا واعدة لكثير من الصادرات المغربية التي تشمل السيارات، والصناعات المتوسطة ومنتجات الفوسفات وغيرها، فضلا عما يمثله المغرب من فرص اقتصادية زاهرة لإيران أيضا. أما على المستوى السياسي، فتعتبر علاقة المغرب بدول الخليج من جهة، وعلاقة إيران بالجزائر من جهة أخرى، إحدى أهم متغيرات العلاقة بين طهران والرباط. من جانبها، جهدت الديبلوماسية الإيرانية في استغلال ما يسمى "انعزالية الجزائر" عن "الهمّ القومي العربي" وانهماكها "غربا"، لا سيما على جبهة" عمقها الافريقي كما رأينا في دخول الجزائر على خط الوساطة في لحل "تمرد الطوارق" على حدودها الجنوبية في مالي من بوابة "تحالف الضرورة الأمنية" مع فرنسا ومصالحها هناك. وفيما يتعلق بمستجدات العلاقة مع إيران، فإنه من الملاحظ تزامن زيارة نائب وزير الخارجية الإيراني مرتضى سرمدي للجزائر مع إعلان السعودية عن "عاصفة الحزم" في أواخر آذار/ مارس الماضي وتحالفها العشري بمشاركة المغرب، وما عبرت عنه الجزائر من خلال "نشاطها الدعوي" للوساطة بين اليمنيين المتحاربين بعد فشل الرياض في استمالتها لدعم "عاصفة الحزم"، الأمر الذي عزز انطباعات حول أن طهران تتمسك بالجزائر كـ "الصديق المفضل" في المغرب العربي. وفي هذا الإطار ينظر إلى الزيارة التي يقوم بها حاليا وزير الخارجية محمد جواد ظريف إلى العاصمة الجزائرية.

مجالات التعاون بين الجمهورية الإسلامية والجزائر لا يمكن حصرها في مجال واحد، وهي إذ نمت وفق ترتيب زمني يقدر بعقدين ارتقت عبره إلى مستويات عليا على سلم العلاقات بينهما. وبحسب محللين، فإن المغرب لم يستيقظ فجأة حتى أدرك أهمية التواصل الحذر مع الجمهورية الإسلامية. فمن اتفاق جنيف إلى اتفاق فيينا، ثمة استقراءات تفيد بأن المشهد الإقليمي هو في مرحلة "إعادة بناء" ويسابق الزمن نحو نظام شرق أوسط جديد تحاول الرباط استباقه بدغدغة أحلام "العهد القديم" للعب دور إقليمي طموح، وقف في وجهه الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر تارة، والإمام الخميني تارة أخرى. وعلى ما يبدو يطمح المغرب للعب أدوار على جبهات مختلفة سواء باستعادة القضية الفلسطينية كملف عربي من خلال إعادة إحياء "الرهان المديد" على "حل سلمي" لهذه القصية، ومن خلال التقرب من أطراف التصادم الإقليمي، إيران والسعودية، من أجل تدعيم صورتها كـ "وسيط فاعل" لشريط الأزمات الممتد من اليمن إلى سوريا.

"فوبيا المذهبية" لا تقتصر على الحكومة المغربية، فهي كذلك ليست بعيدة عن عقول بعض المسؤولين الجزائريين، غير أن العقل الاستراتيجي البارد المعروف عن حكومات الجزائر المتعاقبة لم يدعها تقف حجر عثرة على تمهيد "الطريق السياسي" بين الجزائر وطهران. المفارقة تتمحور، وفقا لمحللين مغاربة، وفي أوج "التصادم المذهبي" الذي تقف فيه كل من المغرب وإيران على طرفي نقيض، حول مسألة التشابه السياسي بين صيغة الحكم المستندة إلى "ولاية الفقيه" وفق

منظور الإمام الخميني وتلك المستندة إلى "إمارة المؤمنين" التي يمثلها عاهل المغرب على "ذمة النظام السياسي" هناك، إلا أن آخرين يضعونه في "خانة التوافق الشكلي" الخالي من أي مضامين يمكن التعويل عليها في تقريب وجهات النظر المتباعدة بين النظامين حول مسائل شتى. فإي اتجاهات تنحاز إليها العلاقات المغربية الإيرانية في قادم الأيام؟ الاقتصاد، أم السياسة؟ أم أن "الخلاف العقائدي سيبقى "قشرة الموز" على طريق كل ما عداه؟

خضر سعاده خروبي

مجلّة النور الجديد


Script executed in 0.045233964920044