أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

عرقُ الجبين الأجعد

الخميس 03 أيلول , 2015 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,666 زائر

عرقُ الجبين الأجعد

أحد هؤلاء يضبط وقته مع طلوع الشمس، و لا ينهي عمله قبل الغروب. "سحب...سحب"، يجوب شوارع منطقة بنت جبيل و ينادي علّ المارّة يشترون منه أوراق "اليانصيب". يبيعهم لربما حظاً، قانعُ هو بدونه. ساعات طوال يقضيها تحت أشعة الشمس، غير آبهٍ بتقلّبات الفصول و لا فاصل بينه و بين الشمس سوى قبعة. و في مختلف المناطق اللبنانية نلتقي الكثير من باعة "اليانصيب" كبار السن الذين يختارون المهنة السهلة الصعبة، لأنهم لا يعترفون "بالتقاعد"، و كما يقول أحدهم "شو بدي اقعد اعمل بالبيت!".

و في منطقة صور، إمرأة عاملة، حاجّة فلسطينية طاعنة في السن. تصرعلى معاندة جسدها النحيل، تكابر على هرم عمرها الذي جاز الثمانين، و تزاول مهنة أوجدتها لنفسها منذ زمن و هي "شطف الدرج". تكره أن يعيلها أولادها، و تفضّل تأمين قوتها من تعبها. تنظّف أدراج بناية تلو الأخرى، أربعة طوابق، ثم ثمانية طوابق... تكابر على أوجاعها و همّها ألّا تسمح للتعب أن يوقفها. تحضر إلى المبنى الذي آن وقت تنظيفه، مرة كل شهر في الغالب، تدق الأبواب، تسأل عن الجيران، تشاطرهم أحاديثها، ثم تلبس جزمتها و تباشر عملها مدة ساعة أو ساعتين. لتمر بعدها على البيوت لتأخذ أجرتها.

 لا تخفي الحاجة استيائها من بعض "الميسورين" الذين يحاولون التملص من دفع أجرتها التي لا تتعدى 3000 ليرة. تقول أنهم أحياناً لا يفتحون لها الباب، و أحياناً يقولون "ما في فراطة"!

لكن يطيب وجعها حين تسرد كيف حجّت هي و زوجها، إضافةً إلى حجها عن روح ابنها الشهيد، و ذلك مما جنته طوال سنوات من "شطف الدرج". تنهي حديثها في كل مرة تقصد فيها بيت بقولها "سامحوني يمّه".

كذلك معلومٌ أن المزارعين ينغمسون في أرضهم تماهياً بترابها و يتمسكون بالزراعة حتى آخر نفس. و منهم رجل سبعينيّ اتخذ من سوق الخميس في بنت جبيل مكاناً له. يتلقّى حرارة الشمس دون عازل، و يعكسها ابتسامات للمارّة، ففي كل أسبوع يبسُط أرضاً ما تيسّر من منتوجات أرضه، و يبيعها متفاخراً بالانتاج البلدي. 

كبار في السن، بخطوات متثاقلة يشقّون طريقهم، يلهثون، يتعبون، و ينكرون تعبهم...يرفضون تحويل ما يعرف بسنّ التقاعد إلى سن تقاعس. يسمونهم عجائز و التسمية لا تليق بهمتهم. تختلف تقديرات المجتمع لهم، فمنهم من يعتبر أنهم يُنهكون أجسادهم، و الحري بهم المكوث في المنازل لمراقبة أحفادهم. و منهم من يعارض قائلاً "الشغل مش عيب". و الرأيان، و ان اختلفا، يتفقان على تقدير عرق جبينهم الأجعد.

داليا بوصي - بنت جبيل.أورغ


Script executed in 0.039450168609619