أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

حنان وأولادها نموذج عن معاناة الآلاف/ متفوّقون لا يملكون كتباً وقرطاسية... إلا بالدَّين

السبت 05 أيلول , 2015 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,626 زائر

حنان وأولادها نموذج عن معاناة الآلاف/ متفوّقون لا يملكون كتباً وقرطاسية... إلا بالدَّين

يصرّ ابن السبع سنوات على معرفة القرار النهائي في شأن خياره: «أوكي، منشتريها أو أوكي سعرها غالي؟»، لكن الوالدة لا تعطيه جواباً، وتتوجه إلى موظفة المكتبة طالبة منها احتساب كلفة لوائح الكتب لابنيها الكبيرين من جديد. تحملها الأخيرة وتبدأ بالنقر على الآلة الحاسبة بسرعة، منبّهة: «السعر الذي سيظهر هو سعر الكتب مستعملة وليست جديدة»، ثم تدير شاشة الآلة الحاسبة نحو حنان. تقول: «945 ألف ليرة مدام. وكما أشرت سابقاً، إن أردت شراء القرطاسية يصبح المجموع نحو مليون ومئتي ألف ليرة». لا تعلّق حنان على جواب الموظفة ولا تكترث للحسم الذي وعدتها به، والذي يطال القرطاسية فقط بنسبة 15 في المئة. تنادي أبناءها وتومئ إليهم بالمغادرة. تخبر الموظفة أنها ستعود.

يسأل الأولاد أمهم عن السبب الذي منعها من شراء ما يلزم. «يمكن تكون الكتب أرخص بمكتبة تانية» يعلّق ابنها الثاني، لكنّها لا تجيب.

تروي حنان لـ «السفير» أن أولادها الثلاثة متفوّقون، مؤكدة أنها ليست مثل غيرها من الامّهات ممن يدّعون ذلك: «هم فعلياً الأوائل في صفوفهم ولذلك ارتأت إدارة المدرسة تقديم منح إليهم، فلا ندفع من أقساطهم الا قيمة التسجيل». وتقول إنها تعمد إلى مراقبتهم حين يدرسون، «لكنّهم فعلياً لا يحتاجون للمساعدة، فهم متفوّقون بمعنى أنه لديهم سهولة في استيعاب المواد وبالتالي الخضوع للامتحانات فيها».

تؤكد الأم أن ابنها البكر مجد (في الثاني متوسط) متفوّق بالمواد العلمية، بينما يمتلك ابنها الثاني جاد (الخامس ابتدائي) سهولة في التعبير والكتابة باللغتين العربية والفرنسية، «وهو يكتب الشعر ويهوى القراءة». أما ابنها الثالث جود (الثاني ابتدائي)، فيحب الرياضيات من دون أن يهمل المواد الأخرى.

استدانة.. وهجرة

يمكن لحنان، لو كانت تعيش في بلد آخر، أن تتباهى بتفوّق أولادها، وأن ترسم لكلّ منهم مستقبلاً واعداً كلّ في المجال الذي يحبّه، الّا أنها تعيش في لبنان، «ولبنان، على ما يبدو، لا يقدّر التفوّق، أو ربما هو الفقر الذي يقضي على أي طموح وعلى أي حلم، حتى ولو كان فقط أن يكمل أولادي تعليمهم».

تضيف: «يؤلمني أنه لا يمكنني أن أكافئهم مقابل نتائجهم حتى بما هو من حقّهم، أي كتبهم المدرسية وقرطاسيّة بنوعية متوسطة. ولكن من أين لي مليون ومئتي ألف ليرة، وأنا أعمل لوحدي بعدما صرفوا زوجي من العمل واستبدلوه بموظف أقلّ أجراً».

تشرح حنان أنه تمّ صرف زوجها منذ أيار الماضي، وهو لغاية اليوم من دون عمل، بينما تستمر هي في عملها بشكّ الخرز لحساب أحد المصممين. فعلياً، لا يتجاوز مدخول العائلة أكثر من ستمئة دولار في الشهر، بينما كان قبل عملية الصرف يبلغ نحو 1400 دولار. وبالطبع، فإن المدخول الحالي لا يكفي حتى للحصول على المتطلبات الأساسية، من أكل وشرب، فـ «كيف إذاً بالمستلزمات المدرسية التي يفوق سعرها راتبي الحالي!؟».

لا تريد حنان، شأنها شأن أي أم أخرى، أن يشعر أولادها بنقص، إذا تمت مقارنتهم برفاق الصفّ. تدمع عيناها لأن المطلوب منها ليس أكثر من الأساسي، «فهم لا يرغبون بلعبة أو بحذاء من طراز جديد. هم فقط يطلبون كتباً بحالة جيّدة، والضروري من القرطاسية».

ليس تعليم مجد وجاد وجود وحده مهدّد في هذا البلد، فهناك الآلاف غيرهم لن يحملوا المقلمة والكتب إلى مدارسهم، الا بعد قهر وذلّ يختبرهما الأهل. هؤلاء لهم الحق بالتعليم وبالفرص التي تتاح للطفولة في البلدان التي وقّعت على اتفاقيات ترعاه، شأنها شأن لبنان. حنان واحدة من الأمّهات التي ستوصل أولادها إلى مقاعد الدراسة هذا العام بالقهر والذلّ، كيف لا وهي التي صمّمت على بيع المتوفّر لديها من حليّ والاستدانة من أخيها لتأمين مليون ومئتي ألف ليرة للمكتبة المجاورة. وتسأل: «نحن معفيون من الأقساط ونجد العودة إلى المدرسة همّاً، كيف بالأهل غير المعفيين والذين يصرّون على تأمين تعليم جيّد لأولادهم. العلم في لبنان أصبح ترفاً!».

تقسم حنان أنها لن تعيش التجربة نفسها في العام المقبل: «سأحاول، بجهد وجدّية، أن أهاجر، فلا بدّ في البلاد الأخرى أن يجد أبنائي من يقدّر تفوّقهم، ويحترم طفولتهم».

مادونا سمعان

السفير بتاريخ 2015-09-05 على الصفحة رقم 4 – محليّات

Script executed in 0.18127417564392