أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

واشنطن تقود مجدّداً معركة إبعاد برّي عن رئاسة المجلس

الجمعة 20 شباط , 2009 07:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,607 زائر

واشنطن تقود مجدّداً معركة إبعاد برّي عن رئاسة المجلس

ابراهيم الامين


في مثل هذه الأيام قبل أربع سنوات، قاد الأميركيون والرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك حملة على رئيس المجلس النيابي نبيه بري. وتولى أركان قوى 14 آذار البحث في كيفية منع بقاء بري رئيساً للمجلس. ودارت مناقشات بصوت خافت وصلت في لحظة إلى قرار بإثارة الأمر مع قيادة حزب الله في سياق البحث في تفاصيل التحالف الرباعي الخاص بالانتخابات. وسمع السيد حسن نصر الله، ربما أكثر من مرة، من يسأله عن مرشح بديل للرئيس بري لهذا المنصب. لكن نصر الله كان سريعاً في حسم الأمر لناحية أنه إذا تقرر أن تُدار الأمور بالتوافق، فإن الغالبية العظمى من الشيعة تريد بقاء بري في منصبه. وهو أبلغ ذلك لموفدين زاروه من دون أن يعلّق سلباً أو إيجاباً على ما ذكر من أسماء بديلة يقترحها فريق 14 آذار.
لم يتأخر الوقت، حتى حُسم الأمر. يقال إن وليد جنبلاط كان الوحيد المعارض لإبعاد بري عن منصب رئاسة المجلس. لكن تكتل التغيير والإصلاح بقيادة العماد ميشال عون وحده مَن صوّت ضد عودة بري إلى رئاسة المجلس. لم يكن الموقف مبدئياً فحسب، بل كان انعكاساً منطقياً للتحالفات التي قامت يومها، والتي جعلت الثنائية الشيعية النافذة تتحالف مع الثنائية الدرزية ـــــ السنية النافذة في فريق 14 آذار في مواجهة عون الذي نجح أيضاً في تجاوزها بقوة.
الآن، عود على بدء. لكنّ المفارقة أن السفيرة الأميركية في لبنان، الضاحكة من دون سبب، ميشال سيسون، بادرت منذ أسابيع على ما يبدو إلى إثارة هذا الأمر، وهي طرحته في حلقات ضيقة من باب السؤال عن طريقة تصرف فريق 14 آذار إذا فاز بالأغلبية النيابية، وكانت دعوتها واضحة كتلك التي قالها سلفها جيفري فيلتمان لزوار الولايات المتحدة أخيراً، من أن الانتخابات فرصة ليست لتثبيت أكثرية 14 آذار داخل المجلس فقط، بل لتكريس واقع سياسي يقضي بإبعاد قوى المعارضة عن المؤسسات، بدءاً بترشيح منافس قوي للرئيس بري لرئاسة المجلس، إلا إذا غيّر الأخير تموضعه، مروراً بتأليف حكومة جديدة خالية من قوى المعارضة، والاستعانة بجموعة مستقلة لها حيثيتها، وصولاً إلى تولي إدارة المؤسسات الأمنية التابعة للحكومة. ولأن الأمر يحتاج إلى تحضيرات، فإن سيسون بادرت إلى توسيع دائرة التشاور في هذا الأمر، وأحد العناوين التي اختارتها لإثارة الأمر كان النائب ميشال المر الذي يتلقى الآن سلسلة من التهانئ الأميركية والسعودية والمصرية والفرنسية على موقفه «الشجاع» بمواجهة العماد عون في المتن الشمالي ودعم معارضيه في كسروان وجبيل وبعبدا، وسألت سيسون المر صراحة عن موقفه من انتخاب شخص غير بري لرئاسة المجلس.
لم يقل المر لمحدثيه تفاصيل النقاش في هذه النقطة، ولا طبيعة جوابه، علماً بأن سيسون قصدت أن تسأل الشخص المحسوب على برّي في آخر الألعاب السياسية الداخلية، إذ وجد المر أنه يحتاج إلى صلة وصل قوية بركن المعارضة الشيعي، ومن خلاله مع سوريا، وهو اختار بري عنواناً لما بين الرجلين من تواصل سابق.
وعلى قاعدة خذوا أسرارهم من صغارهم، فإن الحملة على رئيس المجلس مقررة منذ بعض الوقت، وكان يفترض أن تنطلق من خلال مواقع إلكترونية تابعة لفريق 14 آذار، وهي مموَّلة من صندوق خاص في وزارة الخارجية الأميركية وبعض الدعم السعودي. ثم جرى نقاش في إمكان أن تنشأ حلقة حول قائد التغيير الشيعي أحمد الأسعد بقصد التركيز على رفض هيمنة حزب الله ونزع الشرعية عن تمثيل بري، وتم صرف ما يجب صرفه من أموال لهذه الغاية، وجُمع عدد من الناشطين الشيعة في فريق 14 آذار لوضع خطط للعمل على هذا الأمر في الجنوب والبقاع وبيروت وفي الضاحية الجنوبية أيضاً. وحتى لا يقتصر الأمر على هذا النحو، كان الجانب الرسمي العربي والدولي قد باشر في شنّ حملة تهدف ضمناً إلى إبداء «عدم الرضى»، تمثّلت أولاً في حملة سعودية اتخذت شكل حصر الاتصال به عبر السفير السابق في بيروت وزير الإعلام الحالي عبد العزيز خوجة، وعدم استقباله في المملكة، ثم تندّر جماعة بندر بن سلطان في لبنان بأن بري لن يستقبل في السعودية ولا في القاهرة ولا في فرنسا وفي الولايات المتحدة الأميركية، ثم تقصّد بعض الضيوف الأميركيين عدم زيارته، كما فعل أمس رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، الذي بدا أنه كمن يعترف فقط برئاستي الجمهورية والحكومة وبرئيس الغالبية النيابية سعد الحريري واعتباره هو رئيس المجلس النيابي.
وبمعزل عن برامج هؤلاء في محاولة وضع بند ساخن على جدول أعمال المعركة الانتخابية، يتعلق برئاسة المجلس ليتلازم مع البند الآخر الذي يقول إنه في حال الفوز، لن تكون هناك معارضة في الحكومة، وفي حال الخسارة لن يشاركوا في السلطة، فإن المعركة الآن لا تتصل بشخص رئيس المجلس الذي يمكن مناقشته في أمور وأمور كثيرة، من بينها إصراره على علاقات وتفاهمات مع أقطاب من فريق 14 آذار الذين لا يقومون بالواجب تجاهه بين رفاقهم. بل إن المعركة تشير إلى أن في البلاد وفي الخارج القريب والبعيد من لا يزال مصراً على اعتبار الانتخابات المقبلة معركة فاصلة، وهذا يعني أن المصيرية هي تكريس الانقسام، بينما لا يبدو بين هؤلاء من يريد للانتخابات أن تكون مناسبة لتوسيع دائرة المشترك بين اللبنانيين.
عود إلى لغة التقسيم بمعناه السياسي الذي يقود إلى ترجمة على صعد مختلفة.


Script executed in 0.19081687927246