أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

لا خيارات عسكرية إسرائيلية واسعة.. تجاه لبنان وسوريا

الخميس 05 آذار , 2009 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,793 زائر

لا خيارات عسكرية إسرائيلية واسعة.. تجاه لبنان وسوريا

لم يعد بامكان "اسرائيل"، فيما يتعلق بتحقيق مصالحها واطماعها في المنطقة، ان تتجاهل الواقع الاستراتيجي المتشكل نتيجة لعوامل عدة، ابرزها: قصر اليد العملياتية للجيش الاسرائيلي، كما ظهر في الهزيمة التي مني بها في لبنان عام 2006، والفشل في تحقيق اهداف العدوان على قطاع غزة. يزيد على الازمة الاسرائيلية ثبات الموقف السوري في مواجهة الضغوط الاميركية ومحور "الاعتدال" العربي خلال المرحلة السابقة، بينما يسجل لايران نجاحها في الوقوف في وجه الضغوط الاميركية، وتحديدا ضغوط ادارة الرئيس الاميركي السابق جورج بوش، ما يبقي على التهديد "الوجودي" الايراني، بحسب التعريف الاسرائيلي، دون خيارات اسرائيلية ناجعة لمعالجته.
ويمكن النظر الى الحقائق التي افرزتها حرب "اسرائيل" على لبنان عام 2006، ونتائج العدوان الاخير على قطاع غزة، وفي ظل قصور "اسرائيل" عن مواجهة التهديد الايراني، تأكيدا على فقدان تل ابيب للخيارات العسكرية العملية الناجعة في تحقيق اهدافها، اذ اثبتت المقاربات الاسرائيلية العسكرية الاخيرة ان اعداء "اسرائيل" ليسوا اعداء الماضي، وان في مقدورهم افشال أي مخططات امنية او عسكرية تباشرها، هذا إن لم يتحقق على ايديهم الهزيمة ايضا.
في سياق المأزق الاسرائيلي، وبنتيجته، تبرز دعوات اسرائيلية انطلقت خلال فترة الحكومة السابقة، بضرورة التوجه نحو عقد تسوية سلمية مع سوريا، التي من شأنها بحسب "آمال" مطلقي هذه الدعوات، ان تسحب سوريا من "محور الشر"، وبالتالي اضعاف هذا المحور وما يرتبط به. الا ان ما يواجه هذا الطرح ان الحكومة الاسرائيلية المقبلة هي حكومة يمينية، يقدر ان تتسم مواقفها بالتطرف ورفض اية حلول وسطية مقبولة، حتى من قبل انصار التسوية من "المعتدلين العرب"، الذي ذهبوا بعيدا في تنازلاتهم.
لكن مع فقدان الخيارات العسكرية الناجعة، لن تكون يمينية الحكومة المقبلة كافية  لمنع مباشرة "الخيار التسووي مع سوريا"، سواء كخيار جدي او احتوائي، خاصة ان المؤسسة العسكرية الاسرائيلية توصي بضرورة السعي الحثيث نحو عقد اتفاقية سلام مع دمشق، بل اكثر من ذلك، يطالب رئيس اركان الجيش الاسرائيلي، "غابي اشكنازي"، بهذا الخيار، ويعتبر من المشجعين الاساسيين له. وبحسب بعض المعلقين الاسرائيليين فان "اشكنازي" يرى وجوب تجنيب "اسرائيل" حروبا قد تسبب بالكثير من الخسائر، فضلا عن امكانية الحاق الهزيمة بها، وما قد يترتب على ذلك من نتائج سلبية استراتيجية، فإعادة مشهد عام 2006 سيكون له تداعيات قاسية جدا على الكيان الاسرائيلي.
الى ذلك، يبرز عامل اضافي وضاغط على الحكومة الاسرائيلية المقبلة، اذ ان الادارة الاميركية الجديدة تتبنى استراتيجية الحوار مع سوريا كخيار لاحتوائها بهدف تفكيك تحالفها مع ايران وقوى المقاومة في المنطقة، وفي طليعتها حزب الله. ومن شأن هذه الاستراتيجية ان تعضد من الدعوات الاسرائيلية، والا فسيجري ترجمتها في مرحلة لاحقة مزيد من الضغوط الاميركية على حكومة بنيامين  نتنياهو.
ويبدو ان نتنياهو ومستشاريه يدركون هذه العوامل جيدا، الامر الذي يفسر تسريبات وسائل الاعلام الاسرائيلية مؤخرا، فيما يتعلق بتداول فكرة "تسوية انتقالية" بين سوريا و"اسرائيل"، بمعنى ان يقدم الطرفان على اعلان "حالة عدم القتال"، مقابل انسحاب إسرائيلي من منطقة صغيرة في هضبة الجولان. وبحسب مستشاري نتنياهو والمقربين منه، فان هذه التسوية ترمي الى تقليص خطر اشتعال الجبهة الشمالية، بشقيها اللبناني والسوري، والى اضعاف التهديد الإيراني والاظهار بان حكومة نتنياهو مستعدة للتقدم المدروس والحذر في المسيرة السلمية. بل ان نفس المستشارين يشيرون الى ان هذا "الطرح يتناسب مع نمط تفكير رئيس الحكومة المكلف".
بناء على ذلك، يمكن الاشارة الى الاتي:
ترث الحكومة الاسرائيلية المقبلة واقعا يفيض بسلبياته على كل ما يرتبط بالواقع الاسرائيلي، بدءا من قصر اليد العملياتية في مواجهة اعداء اسرائيل، وتحديدا "اعدائها الشماليين"، وهو ما ثبت بنتيجة حرب عام 2006 وفشل عدوانها على غزة في تحقيق اهدافه، مرورا بالقدرات المتنامية يوما بعد يوم لاعدائها، وصولا الى تقلص الخيارات البديلة الى حد التلاشي، في المرحلة المقبلة المنظورة على الاقل، والمرتبطة بالادارة الاميركية الجديدة التي اعلنت انها تنوي مباشرة استراتيجية مختلفة عن استراتيجية الادارة السابقة.
الامر الذي يعني، ان الحكومة الاسرائيلية المقبلة، رغم يمينيتها، ورغم لاءاتها المقدرة مسبقا لكل ما يتعلق بمسارات تسووية، ان تماشي الطروحات الاميركية الجديدة وتقبل بها كمسارات غير قابلة للنقض في ظل الاصرار الاميركي عليها. اذ لا قدرة لاي حكومة اسرائيلية ان تزعج الاميركيين، من خلال مقاربات عسكرية او امنية تفضي الى افشال مساعيهم قبل او خلال العمل عليها.
بناء على كل ما تقدم، لا يتوقع ان تعمد "اسرائيل" الى مباشرة أي مقاربة عسكرية واسعة في المنطقة، وتحديدا حيال لبنان وسوريا، واقله في المرحلة المقبلة المباشرة، الا بعد تبين نتائج المسارات التسووية الاميركية، وهو ما يتطلب وقتا قد يتجاوز فترة بقاء مقدرة للحكومة الاسرائيلية العتيدة.

Script executed in 0.16638994216919