أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

قادة 14 آذار هل يتأقلمون مع المتغيرات أم يستمرون حرّاس سجن المحكمة؟

الإثنين 09 آذار , 2009 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,157 زائر

قادة 14 آذار هل يتأقلمون مع المتغيرات أم يستمرون حرّاس سجن المحكمة؟
كان مساعد وزيرة الخارجيّة الاميركيّة لشؤون الشرق الاوسط بالوكالة السفير جيفري فيلتمان والمسؤول عن الشرق الاوسط في مجلس الامن القومي دانيال شابيرو في طريقهما الى قريطم، عندما كانت الاوساط السياسيّة والدبلوماسيّة والإعلاميّة منشغلة برغبة الحكومة البريطانية في إقامة اتصالات مع «حزب الله»، منهية بذلك قطيعة تعود الى ما قبل العام 2005، ومتجاوزة قرار «صيف 2008» الذي فرضت بموجبه حظرا على «الجناح العسكري» للحزب، بعدما وضعته في مصاف «التنظيمات الإرهابيّة».
قد يكون التزامن بين التوجهين مصادفة، ولكن برغم أوجه الاختلاف، هناك وحدة هدف، والدليل ان القرار الذي أعلنه وزير الشؤون الخارجية في الحكومة البريطانيّة بيل رامل حول «إقامة اتصالات مع حزب الله»، جاء قبل يومين فقط من الدعوة التي وجهتها وزيرة الخارجية الاميركيّة هيلاري كلينتون الى إيران للمشاركة في المؤتمر الدولي حول افغانستان، والمتوقع ان يعقد نهاية هذا الشهر في بروكسيل او هولندا. ولعل الظاهرة المثيرة للاهتمام، من المنظار الدبلوماسي، ان دعوة كلينتون جاءت في سياق بيان أميركي صدر في أعقاب اجتماع لوزراء خارجية دول حلف شمال الاطلسي في بروكسيل، والذي تمّ التوافق خلاله أيضا على استئناف العلاقات الرسميّة مع روسيا على مستوى عال.
وتأتي محطة فيلتمان البيروتية ما بين الدعوتين الاميركية والبريطانية، وقد نجح في إحداث «جلبة إعلاميّة» إلاّ ان زيارته كانت الأقل جاذبية من حيث القول والتأثير لاعتبارين: رسمي وسياسي.
على المستوى الرسمي، تبيّن للمسؤولين ان وجهة فيلتمان هي دمشق، وجاء ليكمل ما سبق ان بدأه من حوار مع سفير سوريا في واشنطن عماد مصطفى، وليتفاهم مع المسؤولين السوريين على الآلية، وجدول الأعمال، والمواضيع التي سيشملها الحوار، وبالتالي أن زيارته الى بيروت كانت «محطة كلام مع الأصدقاء والحلفاء»، لتوجيه رسائل تطمينيّة مباشرة، والوقوف على الملاحظات والهواجس بعدما تحررت العلاقات الاميركيّة ـ السورية من أدران الماضي، وتجاوزت «محور الشر» وتصنيفات «الدول المارقة»، وارتقت الى مصاف الحوار الهادف. فضلا عن ذلك لم يكن عنده ما يضيفه على الكلام الذي سمعه كلّ من رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، ووزير الخارجية والمغتربين فوزي صلوخ من وزيرة الخارجيّة هيلاري كلينتون مباشرة خلال الاجتماع الذي عقد ما بينهم على هامش مؤتمر شرم الشيخ، حيث كانت مكاشفة ومصارحة حول كلّ الشؤون والشجون، وقد عبّرت المسؤولة الأميركيّة عن سياسة إدارة الرئيس باراك اوباما تجاه لبنان والمنطقة، وبالتالي لم يعد عند فيلتمان من كلام يضيفه الى المسؤولين سوى ترداد المعزوفة المعروفة عن «دعم لبنان والحرص على استقلاله وسيادته».
أما على المستوى السياسي، فيقول قيادي في «قوى 14 آذار»: إن فيلتمان كان مرحّبا به، ولكن ليس بحرارة، على الرغم من أنه حاول أن يعطي زيارته طابعا احتفاليّا بعد انطلاقة المحكمة الدوليّة في لاهاي حيث جاء مهنئا، وربما ليوحي أيضا على أنها نتيجة للجهد الذي زرعه عندما كان سفيرا لبلاده في بيروت. أما الشعارات التي رفعها فقد خفّ بريقها، وبدت باهتة جدّا لسببين جوهرييّن، الأول: أن شعورا هو مزيج من القرف والإحباط يعتمر في صدور فريق واسع من «قوى 14 آذار»، على خلفيّة المتغيرات الحاصلة، وبعدما استغلت الإدارة الاميركيّة السابقة الساحة اللبنانيّة بالقدر الكافي والوافي للتضييق على سوريا ومهاجمتها ومواجهتها عندما كانت مصالحها تقضي بذلك، ونجحت الى حدّ بعيد في دفع «قوى 14 آذار» الى الواجهة ليكونوا خطّ الدفاع الأول عن خياراتها، مستفيدة من هول الصدمة التي فعلت فعلها في صفوف هذه القوى نتيجة الاغتيال المأساوي المروّع للرئيس رفيق الحريري.
والثاني: أن رسائل التطمينات التي جاء بها قد أصبحت «دقّة قديمة»، وكان قد استهلكها طويلا عندما كان سفيرا لبلاده لدى لبنان، وبقيت الشعارات حيث هي «وديعة» لدى فريق 14 آذار ، ومعظمها مع وقف التنفيذ. وبكلام أكثر وضوحا: «كانت بيروت قبلة الاميركيين لمواجهة دمشق، وعندما قضت مصالحهم بفتح أبوابها، أصبحت بيروت مجرد ممر، وقد يستغنى عنه لاحقا عندما تصبح الخطوط المباشرة ممكنة بينهما».
إلاّ ان الصدمة الأدهى المرتقبة يختزلها سؤال افتراضي: ماذا يمنع فيلتمان، او غيره، من ان يكون غدا او بعده، من «طلاّب الاتصال والحوار مع حزب الله»، كما هو حال الدبلوماسيّة البريطانيّة اليوم؟ بعدما أخذت إدارته السابقة فريقا واسعا من اللبنانيين الى حقل الاختبار لتغيير اتجاه البوصلة، والتأكيد منذ صدور القرار 1559 عن مجلس الأمن الدولي على ان سوريا هي العدو، وان «حزب الله هو تنظيم إرهابي» يفترض عزله ومقاطعته، فيما يشهد الواقع اليوم انقلابا بحدود 180 درجة على كل الاعتبارات السابقة، فهل يكون الأدهى ان يشهد لبنان وفريق عريض من اللبنانيين تطوّرا إيجابيّا ملموسا في العلاقات الأميركيّة ـ السوريّة تقتضيها لعبة المصالح، وعلى حساب بعض الشعارات وبعض الثوابت اللبنانية التي تؤكد الإدارة الاميركيّة حرصها عليها؟
وتأتي بوادر المصالحة السوريّة ـ السعوديّة لتضاعف من منسوب الأسئلة الافتراضيّة على مستوى كل لبنان واللبنانيين، وخصوصا على مستوى فريق 14 آذار، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: بعدما أصبح الأمير سعود الفيصل، والأمير مقرن بن عبد العزيز، والسفير فيلتمان من ندماء المجالس في دمشق، فمتى نرى رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري، او رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، او رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط، او غيرهم في صفوف 14 آذار، في ضيافة كبار المسؤولين في دمشق؟، أم أنه مكتوب على لبنان ان يبقى الساحة لتصفية الحسابات؟ ومكتوب على اللبنانيين ان يدفعوا الثمن دائما، أو يذهبوا «فرق عملة» التسويات والصفقات في المنطقة؟
ويأتي الجواب هذه المرّة على خلفيّة المحكمة، وعلى خلفيّة التناقضات المخيفة التي بدأت تساور انطلاقتها، بمعنى ان الغرب الأوروبي ـ الاميركي يتصرف على قاعدة أنه أدى قسطه للعلى، ووفّى بكامل وعوده والتزاماته على هذا الصعيد، وقد أبصرت النور، وأضحت حيّة ترزق، وراح في ضوء ذلك يستعيد علاقاته مع المحور السوري ـ الايراني بمعزل عن التحقيقات والنتائج التي قد تنتهي اليها، فيما بقي المعنيون بها مباشرة متشبثين بمواقعهم ومواقفهم حتى الساعة عند مستديرة التحولات الكبرى في المنطقة والعالم. فهل تأخذهم المصالحات العربيّة ـ العربيّة، إذا ما كانت جديّة ومسؤولة ومتبصّرة، الى واقع التحولات المتسارعة للتكيف معها من دون ان يكون ذلك على حساب الحقيقة؟ أم ان الحقيقة ستبقيهم أسرى في سجنها المرصود خلف بوابات الخبايا والأسرار الى حين تتوافر الظروف الدوليّة والإقليميّة المؤاتية للمحكمة كي تفرج عن خباياها ونواياها وحقائقها؟

Script executed in 0.19530892372131