أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

غزالة لبنانية في مزرعة بسطرة المحررة

الأحد 12 نيسان , 2009 09:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,183 زائر

غزالة لبنانية في مزرعة بسطرة المحررة

خمس عشرة إلا واحدة ... عدد مزارعنا المسلوبة، والتي يرفض الاحتلال إعادتها الى ربوع الوطن لتكون سلوى لمزرعة بسطرة التي تعاني الوحدة كما سكان اخر بيت في لبنان على ارضها عند حدود جنوبي الوطن.

انها مزرعة بسطرة المحررة .. المزرعة الوحيدة من مزارع شبعا التي نالت حريتها في العام 2000.

تقع مزرعة بسطرة على المثلث الحدودي بين سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة، وتبعد خمسة كلم جنوب بلدة كفر شوبا، وهي جارة لمزارع خلة غزالة وزبدين وقفوة المحتلة، وتطل على سهل الماري والخيام والغجر وسهل الحولي في شمال فلسطين المحتلة .

لمزرعة بسطرة طريقان وعرتان الاولى عن طريق كفر شوبا والثانية عن طريق المجيدية عند حدود الجولان السوري المحتل. المواقع الاسرائيلية المتربصة في تلال المنطقة تحيط بالمزرعة من معظم جوانبها وعلى الرغم من ذلك فإن بعضا من حياة يكرسه سكان آخر بيت في لبنان الذين بقوا شوكة تحبط اهداف الاحتلال بتفريغ المنطقة ولم يغادروها منذ ثلاثين عاما ..

انها عائلة قاسم زهرة المواطن اللبناني الذي يسكن وعائلته في اخر نقطة محررة من لبنان .. "الانتقاد " قامت بزيارة نادرة لمزرعة بسطرة والتقت عائلة زهرة التي افرحها قدومنا لندرة الزوار الى هذا المكان.

المنطقة خالية من السكان عدا عن موقع للجيش اللبناني ودوريات لقوات اليونيفل بين الحين والاخر .. المنزل لا يشبه منازل هذا العصر فحجارته غير حجارة منازل اليوم، وسقفه ليس عبارة الا عن الواح معدنية قديمة، وحتى اثاثه البسيط المتواضع الذي يحكي حكاية الماضي البعيد يشعرك بانس اللحظات التي خلت .. وسيلة الطبخ وتسخين المياه والتدفئة هي الحطب .. فالغاز ليس موجودا في قاموس يومياتهم ، اما امدادات المياه والكهرباء ما زالت غريبة عن المنطقة والبديل سبعة آبار قديمة لا تنضب صيفا وشتاء، والجيش اللبناني انعم عليهم برؤية النور ليلا من خلال مولد كهربائي اتاح لهم استخدام التلفاز والصحن اللاقط .. ولكن ورغم الظروف القاسية التي تعيشها العائلة الا انها راضية بقسمتها ومصرة على البقاء والصمود وهذا ما جاء على لسان ام محمد التي لم تخف وحدتها ورغبتها لأن يكون لها جيران كباقي البشر.

ابو محمد يغيب عن الدار طوال النهار لعمله في رعي الماشية في الاحراج المحيطة .. وكما لم نحظ بفرصة لقائه، فإن غيابه أكثر ما يزعج ام محمد فهي تشتاق لجلسات المحادثة والمسامرة وكذا ابنتها باسمة التي اعربت عن رضوخها للواقع الذي تعيشه، فليس هناك رفاق يأتون لزيارتها بل هي تذهب الى صخور بجانب الدار وبعض الشجيرات برفقة صغار الماعز .. اما اسماعيل الذي يرافق والده فحظينا بلقائه مع انه لا يعود الا مع غياب الشمس لكن ثمة امرا حدث اعاد اسماعيل الى الدار وهو ينادي على امه "امي تعي شوفي كمشت غزالة ".. الخبر لم يفرح ام محمد بالقدر الذي افرحنا نحن فقد حظينا بالتعرف على الانسة "غزالة" ولاول مرة في حياتنا لاننا لم نكن نعلم ان في بلادنا غزلان ..

احضرت ام محمد القهوة فجلسنا سوية لنرتشف منها فنجاناً وراحت ام محمد تشكو لنا عن تقصير الدولة معهم فقد تعرضت حظائر الماعز للدمار اكثر من مرة وجرفت حقول الزيتون على ايدي الاحتلال ولم يأت احد لسؤال او لمد يد المساعدة، وكانوا في كل مرة يعيدون بناءها اصراراً منهم على البقاء بأرضهم رغم امكانياتهم الضعيفة حيث انهم لا يوجد لديهم اي مردود مادي سوى حليب الماعز الذي يجمعونه طوال الاسبوع ثم يتوجهون به الى بلدة كفر شوبا يبيعونه ويشترون بثمنه مؤنة الدار لتعينهم على البقاء والصمود ..

صمتت ام محمد عن الكلام لكنها لم تستطع ان تخفي شوقها وحنينها لابنائها وبناتها البعيدين عنها بسبب العمل او طلب العلم هم يأتون لزيارتها مرة كل شهر لكن سرعان ما يغادرون وتبقى ام محمد تعد لحظات عودتهم مرة اخرى .

لم نشعر بمرور الوقت ففي ظل تلك الشجيرات تتمنى ان تتوقف عقارب الساعة عن الدوران، لان جمال المنطقة وهدوئها يشعرك بأنك تسكن في جنة الا ان "الجنة بدون ناس ما بتنداس " شكرنا ام محمد لاستضافتنا وهي بدورها اعربت عن شكرها لزيارتنا لها، ولم تقبل ان نذهب بدون ذكرى اوهدية منها فوقع الاختيار على الانسة "غزالة" لتكون هدية بسطرة لنا .. غادرنا وبقيت المزرعة المحررة الوحيدة كما قاطنيها حكاية خطت بين سطورها احرف الصمود والتحدي على امل عودة الوطن اليها.

 

Script executed in 0.19249510765076