أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

"باي باي".. حرية الصحافة في مصر

الأحد 03 أيار , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,347 زائر

"باي باي".. حرية الصحافة في مصر

هل نقرأ الفاتحة على روح حرية الصحافة في مصر؟ هذا التساؤل يدور في أذهان العامة قبل الخاصة..
والكل يحبس أنفاسه مترقبا للخطوة القادمة التي يصدرها النظام بعد "تطاول وتجروء" الصحف
على "مقام الرئاسة"!

وربما لأول مرة في العالم يحكم على 4 رؤوساء تحرير بالسجن والغرامة في يوم واحد! وبتهمة
ماذا؟ التطاول على رموز الحكم! أضف لذلك إحالة رئيس تحرير الدستور إبراهيم عيسى لمحكمة
الجنايات واتهامه بالتطاول على الرئيس وزعزعة استقرار البلاد.

وإن كانت الحملة الشرسة التي يشنها النظام على الصحافة في مصر هذه الأيام تنسجم مع قاطرة
دهس الحريات العامة التي دهست من قبل الأحزاب والنقابات والقضاة والجامعات، وكل مؤسسات
الدولة، بالرغم من ذلك فإن الحملة على الصحف تمثل أمراً خطيرا ومدهشا ومختلفا..

في الأسطر التالية، نجيب أولا لماذا هي مدهشة، ثم نتناول تحليل أبعاد تلك الهجمة.


الأمر يختلف

لماذا القضاء على حرية الصحافة أمر مختلف ومدهش؟ فكل مؤسسات البلد قيدت وكممت، ما الفارق؟
الإجابة ببساطة لأن مصر شهدت في السنوات الأخيرة حراكا سياسيا كبيراً .. لكن كان مؤكدا
ومعروفا أن الحرية الهامشية التي سنحت لبعض القوى المجتمعية بالظهور، هي حرية مؤقتة
كالرسم على الماء، لن تلبث أن تزول، وبالفعل لم يستغرق النظام الحاكم وقتا طويلا قبل أن ينقلب
عليها ويعرف كيف يعيدها إلى القفص، من خلال تعديلات دستورية أو قانونية أو إجراءات استثنائية
أمنية .. فيما عدا حرية الصحافة.

 

لقد استطاعت المعارضة في مصر خلال العقد الأخير أن تقطع شوطا جيدا في تثبيت حرية الصحافة،
حتى أنه قد استقر لدى العامة معادلة نضجت لسنوات طويلة هي أن "اللي عايز يكتب يكتب لكن
الحكومة بتعمل اللي هيا عايزاه" وتقبل النظام الحاكم بالفعل تلك المعادلة على مضض مع تمسكه
بتأميم و "تأمين" القنوات الفضائية منها والأرضية، بالإضافة لامتلاكه لعدد كبير من مؤسسات
الصحافة القومية تأمر فتطيع.

لهذا تبدو الهجمة الشرسة على حرية الصحافة هي في الواقع هجمة على مظهر الحرية الوحيد
في البلد.. حرية الكلام المكتوب.. وهي حرية مازالت صغيرة ومازالت تحبو.. لكنها على الأقل
المظهر الوحيد الذي استطاع تثبيت أقدامه.. واليوم نحن نعيش مراسم إعدامه ودفنه قبل أن
نحتفل بشبابه ونضجه.


بديهيات نسيها البعض

لقد بدا أن كل شيء مرتب ومعد سلفا، وكان النظام ينتظر طويلا أن تظهر قضية مثيرة وحساسة
مثل قضية صحة الرئيس مبارك.. ولن نخوض كثيرا في الجدل الذي دار ساعتها لكن ثمة نقاط لا بد
من إعادة التذكير بها، وهي:

 

أولا: الشائعة لم تخلقها الصحف المعارضة، وإنما راجت وانتشرت لأيام كثيرة في الشارع المصري
عبر التليفون المحمول والإنترنت ووسائل الإعلام الغير تقليدية، وحينما جاء تناول الصحف لهذه
الشائعة كان محاولة لإجابة أسئلة ملحة لدى الشارع..

ثانيا: إن الصحف القومية ووسائل الإعلام الحكومية التي تطبل وتزمر للرئيس، أخطأت حينما سكتت
وزادت من رواج الشائعة، وكان بإمكانها أن تقضي على الشائعة ببيان رسمي من مؤسسة الرئاسة،
خاصة وأن رؤوساء تحرير تلك الصحف يسافرون على الطائرة الخاصة للرئيس، ولهم علاقة مباشرة
به .. وهذا غير متوافر على الإطلاق لرؤوساء الصحف الخاصة والمعارضة.

ثالثا: إن صحة الرئيس مبارك كرجل بلغ الثمانين بالتأكيد ستكون محل تساؤل للمصريين على
الدوام خلال الفترة القادمة، ويمكنك أن تستشف ذلك من خلال وسائل الإعلام الحكومية ذاتها
التي أصبحت لا تستخدم صوراً حديثة للرئيس مبارك حيث تبدو على وجهه آمارات الهِرم ..

أضف إلى ذلك عدم تعيين نائب للرئيس، وعدم وضوح سيناريو محدد لتداول السلطة في بلد
حكمها العسكر لأكثر من 55 عاما.


رابعا: إن تناول الشائعات في إطار التساؤل أو التحليل أمر سليم مهنيا تماما، طالما لم توضع في شكل
خبر. لأن الخبر لابد أن يتسم بالصحة والدقة.. وهو ما أوضحه وأكده لي عدد من جهابذة الإعلام
الذين تحدثت معهم في هذا الشأن، وفي رأي الكثيرين فإن غالبية الصحف المعارضة اتبعت تلك
القاعدة.

الأمر المهم للغاية، هو أنه بفرض أن ثمة أخطاء فلماذا لا يتم محاسبتهم أمام نقابتهم؟ ولماذا يتم
استدعاء جهاز أمن الدولة وترسانة القوانين الاستثنائية والمقيدة للحريات؟ إلا إذا كانت النية
مبيتة لذبح حرية الصحافة بمصر.


لقد تقززت كثيرا حينما رأيت رئيس تحرير أقدم وأكبر مؤسسة صحفية مصرية يخاطب الذين تناولوا
الشائعة بوصفهم "سفهاء".. حتى إن كان هذا التناول بغرض التحليل والتساؤل، في حين شنت
صحيفته مع بقية الصحف القومية حملة تحريض لا معقولة على زملائهم في صحف المعارضة..
وكأن المطلوب هو إما السكوت عن أمر يهم كل مواطن على بر مصر، أو تناوله بالنفي والإشادة
بإنجازات السيد الرئيس وفقط!


المطلوب.. رأس إبراهيم عيسى

ثمة سيناريوهات متوقعة الآن بصدد حرية الصحافة، أولها هو الاستطراد في الإجراءات القمعية
لإخراج تلك الشوكة من حلق النظام، وهو ما يعني تثبيت الحكم بسجن بعض رؤوساء التحرير
وربما اتخاذ إجراءات قانونية موازية تضيق الخناق أكثر على الصحف.

أما السيناريو الثاني المستبعد فهو "العفو والتسامح" .. وإسقاط التهم عن جميع الصحفيين..
لكن ثمة سيناريو ثالث أراه الأكثر واقعية واحتمالا وهو أن يحصل رؤوساء التحرير الأربعة
على البراءة أو أحكامٍ مخففة حين استئناف الحكم، في حين يتم ذبح إبراهيم عيسى وصحيفة
الدستور، وإصدار أحكام قاسية بشأنه.

 


السيناريو الثالث يبدو الأوقع ليس لأن صحيفة الدستور هي مصدر الشائعة ولا سبب رواجها كما
يحاول النظام أن يوهم العامة، وإنما لأن الدستور صحيفة مشاغبة.. كان لها الفضل والسبق في
كسر الكثير من الخطوط الحمر، خاصة ما يتعلق بانتقاد مؤسسة الرئاسة وشخص الرئيس
والعائلة الحاكمة ..

يعلم كل مواطن مصري يجيد القراءة أن إبراهيم عيسى والدستور قادا بقية الصحف في كسر حاجز
الخوف، وخاضوا مناطق ممنوعة "الكتابة والانتقاد" .. وتمثل الدستور ما يمكن أن أطلق عليه
"صحافة الإثارة الجادة" .. فصحافة الإثارة هي مدرسة متواجدة في العالم كله، لكنها مدرسة يغلب
عليها الانحطاط الفكري ومخاطبة الغرائز والجزء السفلي من الإنسان، لكن الدستور دأبت على
كونها "إثارة جادة" .. تستخدم المبالغات لكن لا تخاطب الغرائز .. تستفز القارئ لكن لتدفعه للتفكير
لا ليبول على عقله ..

وإذا أضفنا لذلك أن الصحف القومية دأبت على مهاجمة صحيفة الدستور واتهامها بتلقي تمويلا
إخوانيا، وهي نفس التهمة المجهزة لكل صحف المعارضة والمستقلة لكن الدستور تلقت النصيب
الأكبر منها، فإننا ندرك مدى رغبة النظام في التخلص من تلك الصحيفة.


إن النظام المصري يريد أن يخرج من المعركة منتصرا، والانتصار الذي يريده برأيي هو الانتهاء
من "وجع الدماغ" الذي تسببه الدستور، وربما "قرصة ودن" لرئيس تحرير آخر أو اثنين، بما
يمثل أيضا "درسا وعبرة" لبقية الصحف حتى لا تحذو حذو الدستور أو تشرأب بعنقها.

وفي رأيي هي معركة فاشلة، مثلها مثل كل معارك النظام، لن يكسبها على المدى البعيد، وإنما
سيذهب إلى مزبلة التاريخ.

وإذا أغلقوا فماً ستخرج عشرات الأفواه الأخرى .. ولن يجني سوى العلقم.. إن الذين تباكو
ا وملأوا الدنيا ضجيجا من أجل شائعة طالت صحة الرئيس مبارك، عليهم أن يحسوا التراب إذن
بسبب سمعة رئيسهم التي باتت في الحضيض .. وإن لم يكن الرئيس مبارك قد مات جسديا حتى
الآن، فإنه يموت كل يوم في قلب الشعب والناس بسبب فشل نظامه وإجراءته القمعية التي طالت
كل طوائف المصريين

Script executed in 0.2059600353241