أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

هكذا تروي المعارضة قصة «الخلاف الموضعي» مع سليمان

الثلاثاء 19 أيار , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,796 زائر

هكذا تروي المعارضة قصة «الخلاف الموضعي» مع سليمان
ماذا يجري بين رئيس الجمهورية والمعارضة؟
يكتسب السؤال مشروعيته من مجموعة وقائع تلاحقت مؤخرا، وأظهرت ان هناك حلقة مفقودة في مكان ما على مستوى العلاقة بين الرئيس ميشال سليمان والقوى الاساسية للمعارضة، وفي طليعتها العماد ميشال عون، الوزير سليمان فرنجية وتحالف حزب الله ـ الرئيس نبيه بري، وإن تكن هذه القوى مهتمة بالايضاح ان مآخذها على سليمان لا تندرج في سياق حملة منظمة، وإنما تعبر عن «اعتراضات موضعية» لها ما يبررها.
ويمكن التوقف في هذا الاطار عند المؤشرات الآتية:
ـ قول حزب الله صراحة عبر النائب حسن فضل الله انه ما كان يصح ان يقدم رئيس الجمهورية على خطوة ناقصة ومستعجلة في مجلس الوزراء من خلال طرح التعيينات مجتزأة على التصويت، مشيرا الى ان ذلك لا يتناسب مع دوره المفترض كرئيس توافقي.
ـ اتهام العماد عون للرئيس سليمان بالعمل على دعم بعض المرشحين عبر توظيف نفوذ وخدمات عدد من أجهزة الدولة لصالحهم.
ـ اتهام الوزير فرنجية للرئيس سليمان بالتدخل المباشر في الانتخابات وبالسعي الى الحصول على حصة نيابية في كسروان وجبيل والمتن، مؤكدا ان رئيس الجمهورية لا يستطيع ان يفرض علينا شيئا.
بطبيعة الحال، وجد فريق 14 آذار في هذا المناخ فرصة ذهبية للعزف على وتر التناقضات او الخلافات الطارئة بين سليمان والمعارضة، فاندفع الى احتضان الرئيس في مواجهة «الحملة التي يتعرض لها»، مقدما نفسه بصورة الحريص على موقع الرئاسة والمدافع عنها، الامر الذي ساهم بدوره في احتدام التجاذب حول سلوك سليمان، على حساب الاجماع الذي كان يحظى به هذا السلوك في بداية العهد.
وفي ظل هذه البيئة السياسية، دُفعت فجأة الى سوق التداول فكرة تقصير ولاية رئيس الجمهورية التي تكاد تبدو «لقيطة»، وإن تكن قوى 14 آذار تنسب أبوتها الى العماد عون، الامر الذي وضعته المعارضة في خانة سعي خصومها الى استثمار تمايزها عن بعض مواقف سليمان لإحداث «فتنة» سياسية بينها وبينه.
ولئن كانت المعارضة تعترف بأن علاقتها برئيس الجمهورية تمر هذه الايام في «مطبات هوائية»، إلا انها توحي بأن حالها تشبه حال الطائرات التي تعبر خلال رحلاتها الجوية في مثل هذه المطبات، فتهتز قليلا ثم سرعان ما تستعيد توازنها من دون ان تهوي، منبهة الى ان الخطر الحقيقي على موقع الرئيس يتأتى من قوى 14 آذار «التي تتلطى خلفه ساعية الى توريطه في اصطفافات من شأنها ان تحرفه عن دوره التوافقي المرسوم بريشة اتفاق الدوحة».
وتقول أوساط بارزة في المعارضة ومتابعة لملف العلاقة مع رئيس الجمهورية، ان انتخاب سليمان تم أصلا على قاعدة حياديته في المسائل الخلافية الداخلية، بحيث لا ينحاز الى جانب 8 او 14 آذار، بل يؤدي دور الحَكَم بينهما، وهو دور يصبح أشد حيوية وأكثر ضرورة في ظل الانقسام الداخلي الحاد القائم حاليا، من دون ان يعني ذلك انه لا يحق له ان يكون صاحب موقف، لكن هناك فارقا بين الرئيس صاحب الموقف في القضايا الوطنية والاساسية وبين الرئيس الطرف الذي يميل نحو طرف دون آخر في مسائل تحتاج الى توافق حتى تمر، كالتعيينات الادارية.
ولا تخفي هذه الاوساط استغرابها مبادرة سليمان الى طرح التعيينات على التصويت مجتزأة ومنقوصة في مجلس الوزراء، برغم معرفته المسبقة بأن المعارضة لن تدعها تتسرب بهذا الشكل، خارج إطار السلة المتكاملة التي تشمل الموزانة العامة والاعضاء الخمسة للمجلس الدستوري، وهو الموقف الذي كان الرئيس بري قد أبلغه إياه بوضوح مباشرة، صبيحة جلسة الحكومة، ما دفع الى إثارة علامات استفهام وتعجب حول مغزى قرار سليمان «حشر» المعارضة و«إحراجها» لصالح قوى الموالاة التي كانت من أنصار تمرير التعيينات بالمفرق، ولا سيما منها تعيين محافظي بيروت وجبل لبنان.
وتعتبر الاوساط البارزة في المعارضة ان مقتضيات الالتزام بالدور التوافقي كانت تستوجب إما طرح كل التعيينات على التصويت من دون انتقائية، وإما التمهل وقتا إضافيا حتى ينضج التوافق حولها، لكن الاستنسابية في اخضاع جزء منها للتصويت، وهو الجزء المتلائم مع مطالب الموالاة، أدت الى حصول الالتباس الذي كان ممكنا تفاديه.
ملف ساخن آخر، يحمل عنوان الانتخابات النيابية، أرخى بظلاله على سوء التفاهم الحاصل مع سليمان. هنا، يشعر عون بان رئيس الجمهورية يريد ان يقلص احتمالات نجاحه في الحصول على أكثرية مسيحية تكرسه رقما صعبا في الساحة المسيحية، وذلك من خلال إصراره على دعم خمسة مرشحين يفترض انهم سيشكلون ـ إذا فازوا ـ بيضة القبان في المجلس النيابي المقبل، بما يتيح للعهد ان يملك «القوة المرجحة» إذا تقارب عدد المقاعد النيابية لكل من المعارضة والموالاة.
ويعتقد العونيون ان طريق المرشحين المعلنين او الضمنيين لسليمان الى البرلمان يراد لها ان تمر في الرابية، والدليل على ذلك انهم يخوضون معاركهم في الدوائر التي يستعد فيها التيار الوطني الحر لمواجهات حاسمة مع خصومه، وثانيا لان خطابهم السياسي يستهدف الجنرال بالدرجة الاولى، ويتجاهل توجيه انتقادات جدية الى قوى 14 آذار على الرغم من ان هؤلاء المرشحين يقدمون انفسهم على أساس انهم مستقلون او وسطيون.
وترى المعارضة انه لا مصلحة لرئيس الجمهورية في اختزال موقعه ببضعة نواب، مهما بلغ عددهم، بينما متاح له ان يشكل مظلة لكل المجلس النيابي، على قاعدة الدور التوافقي الذي يقف على مسافة من الجميع ويمثل صمام الامان الحقيقي للبلد.
يملك المدافعون عن نهج الرئيس منطقا مغايرا لتفسير الاحداث. بالنسبة اليهم، توحي الهجمات المتتالية على سليمان، من محاور عدة، بان هناك خطة مبرمجة لاستهدافه، تنطلق من عملية توزيع للادوار بين بعض أطراف المعارضة. ويكشف هؤلاء عن انزعاج سليمان من هذه الحملة التي تطاله في بداية عهده، وهو المعروف عنه انه توافقي بامتياز، يحترم كل الآراء، ويعتمد الحكمة في كل خطواته، وبالتالي فليس هناك من تفسير للهجوم الذي يتعرض له إلا في قاموس الحسابات الانتخابية لبعض رموز المعارضة الذين يخشون نجاح المرشحين المستقلين في كسب ثقة الناخبين.
وإذ يشير مؤيدو الرئيس الى انه سبق لسليمان ان اعتبر انه من حق المستقلين ان يخوضوا الانتخابات، يلفتون الانتباه الى ان ذلك لا يعني انه هو الذي يحركهم لتشكيل كتلة بقيادته، بل ان كل شخصية من الشخصيات الخمس التي يُتهم سليمان بتحريضها على الترشح، تتمتع بالخصوصية وتتحرك وفق معايير المنطقة التي تنتمي اليها ولا يوجد رابط بينها، ولو ان رئيس الجمهورية يريد فعلا خوض معركة لايصال مرشحين الى مجلس النواب لكان من السهل عليه إيجاد التركيبات الانتخابية والتحالفية التي تتيح له تحقيق هذا الهدف.
أما لماذا يهاجم المستقلون العماد عون حصرا، بما يؤدي الى ضرب مصداقية «وسطيتهم»، فيرى داعمو الرئيس ان السبب يعود الى كون الجنرال هو الذي يبادر الى الهجوم عليهم فيتولى هؤلاء الرد عليه، «علما بأنهم مستقلون، لكنهم ليسوا حياديين، ووجودهم في مجلس النواب قد يشكل حاجة حيوية لتنفيس الاحتقان والاختناق في نظام الحكم، بفعل الاصطفاف الحاد المتمحور حول قوى 8 و14آذار».
وفي ما خص طرح التعيينات على التصويت، يرى أنصار الرئيس انه لم يعد بمقدوره الوقوف مكتوف اليدين والاكتفاء بالتفرج على مأزق العجز عن إقرارها، لا سيما انه أعطى كل الوقت والفرص لمحاولات التوافق حولها حتى ضاق هامش الانتظار نتيجة اقتراب موعد الانتخابات، فكان لا بد من ان يمارس حقه الدستوري باخضاع التعيينات للتصويت، ليس من أجل إحراج المعارضة وإنما بغية وضع الجميع على حد سواء امام مسؤولياتهم.

Script executed in 0.24690198898315