أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

"الركبي" وحّدت اللبنانيين بأستراليا.. والد "صعب" هاجر بدولارين وهذه قصته

السبت 21 تشرين الأول , 2017 01:54 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 9,787 زائر

"الركبي" وحّدت اللبنانيين بأستراليا.. والد "صعب" هاجر بدولارين وهذه قصته

على مدار السنوات الماضية وفي كل موسم لرياضة الركبي، كان كريس صعب يعمل لساعات طوال في أعمال الردم والحفر أثناء النهار، ويخصص 3 ليالٍ أسبوعية للتمرين والتدريب، فيما يقضي عطل نهاية الأسبوع في لعب الركبي ضمن كأس (رون ماسي) الأسترالي.

يبلغ صعب 35 عاماً من العمر، وهو العمر البدني والنفسي للتقاعد والتوقف عن ممارسة هذه الرياضة؛ حتى أنه كان على استعداد لتقاعد مبكر عام 2015 بعد الإنجاز الذي حققه بمساعدته الفريق اللبناني الوطني على التأهل للمرة الثانية في تاريخه لبطولة كأس العالم للركبي، بيد أنه لم يقوَ على مقاومة إغراء متابعة اللعب بجانب صديقه روبي فرح، فعدل عن التقاعد، وفق صحيفة "الغارديان".

يقول فرح: "إنه يواصل مشواره الرياضي. أعرف أنه أحياناً يفكر بالاعتزال، لكنه في قرارة نفسه يريد أن يشارك في كأس العالم هذه. اللعب بجواره سيكون من ألمع لحظات مشواري الرياضي، فقد بدأت مشواري مع الفريق اللبناني عندما كنت في الـ18 مثله، ومنذ ذاك الوقت ونحن خير صديقين. افترقت طرقنا من وقتها وما عدنا نلعب سوياً في نفس الفريق منذ تلك المباراة الأولى لنا".

ساقت الرياح فرح ليربح بطولة الدوري الوطني الأسترالي للركبي ويلعب ضمن منافسات دوري State of Origin لأفضل الفرق الأسترالية ممثلاً عن مقاطعة نيو ساوث ويلز، أما صعب فقادته قدماه إلى التخلي عن حلمه في اللعب ضمن الدوري الوطني الأسترالي للركبي قبل سنوات ويلعب في سيدني في فرق ومستويات أدنى دون مستوى الاحتراف وعن هذا قال أنه واصل اللعب على أية حال "لأني أريد أن ألعب للبنان وأن أتأهل لكأس العالم".

قوانين البطولة بين الاستهجان والاستحسان

شروط وقواعد أهلية اللعب ضمن دوري الركبي أثارت جدلاً كثيراً ضمن فعاليات كأس العالم لعام 2017، ذلك أن القوانين تسمح للاعبين مثل فرح الذي سبق له تمثيل أستراليا أن ينضم إلى فريق دولة من الدرجة الثانية كلبنان.

أكثر الدول التي تأهلت لبطولة هذا العام للركبي تزدحم صفوف لاعبيها بلاعبين أستراليي الجنسية، فمثلاً في مباراة أستراليا ولبنان في سيدني، ستكون المباراة أشبه بلقاء بين تشكيلتين (أ) و (ب) من الفريق الأسترالي نفسه لأن وجوهاً لبنانية من الدوري الوطني الأسترالي –كفرح وميشيل موسى وتيم مناع مثلاً- ستخوض المباراة ضمن الفريق اللبناني لا الأسترالي.

يقول تاس بيتييري، مسؤول التطوير في اتحاد دوري الركبي الدولي: "لدى هؤلاء اللاعبين قدرٌ من الفخر والاعتزاز بتربيتهم وأهلهم وبالكفاح الذي خاضوه حين هاجروا إلى هذا البلد. كثيرون يلعبون بدافع الاحترام، وكما تعلمون فإن الشعور بالاحترام ليس شيئاً سيئاً بالنسبة لشباب اليوم".

قصة صعب هي مثال بسيط على ذلك، فأبوه (جو) هاجر إلى أستراليا دون أن يكون في جيبه سوى دولارين مع حقيبة من الملابس. لم يكن قط يريد لابنه أن يلعب في دوري الركبي.

يقول صعب: "بدأت اللعب في عمر السابعة. كانت مباراة لمن هم دون العشر سنوات أو الاثتني عشرة سنة، وأذكر أن أبي حضر لمشاهدتي، فأصبت يومها برضة وكدمة فظيعة في ساقي طرحتني أرضاً وأنا أتلوى وأبكي ألماً، فقفز والدي من فوق السياج -وكان أبي ضخماً طوله متران- فحملني على كتفه وأزاح المدرب عن طريقه وأخذني خارج الملعب، ومن يومها وهو لا يحبذ كرة القدم هذه".

مع ذلك وعندما لعب صعب لأول مرة مع لبنان في مباراة تجريبية ضد فرنسا عام 2002، سافر أبوه خصيصاً من طرابلس لمشاهدة ابنه يلعب، ويومها فاز لبنان بـ36 مقابل 6، فانقلب جو تماماً وتغيرت وجهة نظره بالأمر، وعن هذا يقول صعب "كانت تلك المرة الأولى التي يعود فيها ليرى أخته وعائلته لأول مرة منذ 33 سنة".

ولما توفي جو في الحادي والثلاثين منتشرين الأول 2010 وضع ابنه صعب سترته الرياضية التي ارتداها في مباراته الأولى تلك داخل كفن أبيه، ثم كان بعد 5 سنوات من ذلك التاريخ تماماً أن هزم لبنان فريق جنوب إفريقيا على أرضهم في بريتوريا متأهلاً بذلك إلى كأس العالم لأول مرة منذ عام 2000؛ وبعد الاحتفالات العارمة هدأ صعب الذي كان كابتن الفريق يومها واختلى بنفسه قليلاً ليتذكر المرحوم أباه هنيهة.

الآن بعد 3 محاولات فاشلة في التأهل إلى كأس العالم وبعد مشوار مهني في فرق الدرجات المتدنية، لا يعد اسم صعب اسماً مشهوراً بين المحترفين الأستراليين، إلا أنه عضو هام في الفريق اللبناني. يقول عنه زميله فرح إنه "قلب وروح" الفريق، أما ريموند صافي الرئيس التنفيذي لدوري الركبي اللبناني فيصفه بأنه "العمود الفقري"، وكذلك يناديه بـ"الريّس" زميله في الفريق عدنان الزبيدية الملقب بـ(إيدي).

عام 2015 وقبل أسابيع فقط من تصفيات كأس العالم أصيب زبيدية (25 عاماً) في كتفه وغرق في اكتئاب عميق، ورغم كونهما من دينين مختلفين إلا أن صداقة صعب الماروني وزبيدية المسلم كانت فاعلة في تماثله للشفاء، وبعدما تأهل فريق الأرز وسافر إلى لبنان لقضاء العطلة كان صعب دوماً يوقظ زبيدية ليؤدي صلاة الفجر مع بقية اللاعبين المسلمين في الفريق، وحتى رغم استبعاد اسم زبيدية مؤخراً من تشكيلة فريق كأس العالم نظراً لإصابة جدية، فإن اسمه مازال مدرجاً للمشاركة في جميع أنشطة الفريق.

يقول زبيدية: "لا نخوض في من منا مسلم ومن مسيحي ومن كاثوليكي ومن أرثوذكسي هنا، فكلنا لبنانيون وأهلنا من نفس الوطن، فكلهم جاؤوا هنا لنفس الهدف الذي هو تهيئة حياة أفضل لنا وتحقيق أحلامنا الكروية".

ودوري الركبي هو قوة دافعة لتوحيد الجالية اللبنانية من كل الأطياف الدينية، ومثل العديدين من سكان ضاحيته يشجع طنوس فريق Canterbury Bulldogs، غير أن ثمة لبنانيين أستراليين آخرين يفضلون تشجيع فرق أخرى كـParramatta Eels وSt George-Illawarra Dragons وWests Tigers وSouth Sydney Rabbitohs، فيما ستكون كأس العالم المقبلة أول فرصة للبنانيين الأستراليين كي يتحدوا خلف فريق وطني واحد في بطولة هامة كهذه.

والحقيقة أن معظم البنية التحتية للدوري اللبناني للركبي هي من تأسيس أستراليين، فريموند صافي الرئيس التنفيذي في دوري الركبي اللبناني -ومقره جونية- هو من مواليد سيدني وترعرع في ضاحية كانتربيري، ويقول إن الثقافة الأسترالية "مغروسة في دوري الركبي اللبناني".

في الـ29 من شهر تشرين الأول الجاري سوف ينطلق المنتخب اللبناني في مشوار البطولة العالمية بمواجهة الفريق الفرنسي بملعب كانبرا، قبل أن يخوض مباراتين كبيرتين مرتقبتين بعدها، واحدة ضد إنكلترا والثانية ضد أستراليا بمدينة سيدني، وسوف تكون مباراة المجموعة الأخيرة المزمع خوضها ضد أستراليا هي المرة الأولى منذ أحداث شغب كرونولا التي سيلعب فيها لبنان وأستراليا ضد بعضهما في مباراة تنافسية هامة بسيدني.

بالنسبة لصعب وفرح اللذين جمعتهما الصداقة منذ عام 2002 فإن هذه فرصة تاريخية لتمثيل بلد أهاليهما ووطنهما الأصلي، وبالطبع هي أيضاً فرصة أخيرة لهما كي يلعبا سوياً، حيث يصف فرح ذلك بأنه كدائرة رسمها القدر وعادت من جديد إلى حيث بدأت، فاللاعبان لعبا مباراة أولى ثم فرقتهما الأيام ليلعبا لعبتهما الأخيرة الآن.

(هاف بوست عربي)

Script executed in 0.19434809684753