أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

من بنت جبيل إلى النجف الشيخ محسن شرارة

الأحد 21 حزيران , 2009 11:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 11,917 زائر

من بنت جبيل إلى النجف الشيخ محسن شرارة
انتقد جموح الشعائر فاتهموه بالرِّدة

- كتب ثلاث مقالات في السابعة والعشرين أحدثت ضجة كبرى في العالمين العربي والإسلامي

- انتقد تخلف المناهج في النجف والأزهر ورفض شعائر عاشوراء الجامحة فاتّهم بالارتداد

من بنت جبيل حيث ولد، إلى النجف حيث شبّ وترعرع استنشق الشيخ محسن عبد الكريم شرارة روح الثورة وعمل للتغيير، عمره القصير لم يُسعفه. لكنه نجم أضاء وهوى، وكان لحياته دوّي خاص.

45 عاماً فقط وتوفي الشيخ محسن عبد الكريم شرارة (1901 – 1946) لعب خلالها دوراً محورياً في ثقافة عصره في النجف الأشرف. وشكل عصب حركة الشباب من العلماء الذين التفّوا حوله يناقشون في الأدب والشعر والسياسة، فكانوا لا يترددون عن انتقاد التراث ويمضون في طرح البالي منه جانباً، كما عمدوا إلى الدفاع عن آراء الفكر الطليعي المتجدد القومي والوطني، أما من الناحية الأدبية فقد اعتمدوا نهج التصدي في العمق للمشكلات التي يعانيها مجتمعهم.

أسس هو ورفاقه الطلبة العامليون القاطنون في النجف جمعية "الشبيبة العاملية النجفية" وجلهم شباباً في مقتبل العمر شعراء وأدباء وعلماء يدعون إلى التجديد وكان منهم الشيخ حسين مروّة والسيد هاشم الأمين والشيخ علي الزين وغيرهم.

عاد إلى جبل عامل عام 1935 فأسهم في إنعاش الحياة الثقافية والسياسية فيه عموماً وفي بنت جبيل خصوصاً، وألقى المحاضرات والقصائد العذبة الجياشة في الأندية الأدبية والحسينيات، واهتم بالمجتمع ولا سيما بقطاع الشباب الذين كانوا يطالبونه بالفتاوى. وكان له دورٌ بارزٌ في انتفاضة أهالي بنت جبيل عام 1936 في وجه المستعمر الفرنسي، مع ما آلت إليه الأمور بعد ذلك من سجن العديد من وجهاء المدينة ومطاردة آخرين.

 

المقالات الثلاث

في صيف العام 1928 نشر الشيخ محسن شرارة في مجلة العرفان ثلاث مقالات متتالية ذاعت شهرتها وطبّقت الآفاق وأضحت تلك المقالات محطة ينبغي الوقوف عندها في مسيرة التجدّد والإصلاح الديني والفكري.

لقد تمكن هذا الشيخ الشاب ابن السابعة والعشرين من أسر القلوب التواقة إلى التغيير والتطوير ومجاراة العصر، وإثارة غضب المحافظين الذين طبعت شخوصهم على التعلّق بكل ما هو قديم في توهّم منهم أنه تأكيد للهوية وترسيخ للدين الحنيف.

وقد تضمنت هذه المقالات نقداً شديداً لمناهج الدراسة الدينية في النجف ودعت إلى تطبيق الإصلاح، ردات الفعل الشديدة هذه عرّضت حياته للخطر. غير أن شيخنا الشاب لم يلن، بل أنه انتصر للسيد محسن الأمين في إصلاحه لشعائر عاشوراء، التي أحدثت وقتها عندما طرحها السيد استنكاراً واسعاً شعبياً ودينياً بفعل الحملات التي شنّت عليه وصوّرته بمظهر من يريد أن يلغي شعائر عاشوراء وأنه أصبح خارج المذهب الشيعي. فانبرى الشيخ محسن وحيداً يومها في مواجهة الجميع وأعلن تأييده صراحة للمرجع الأمين. وأبرز ما جاء في تلك المقالات:

أن النجف الجعفري والأزهر السني يعيشان عصر انحطاط ناتج عن استئثار البعض بالأموال مما أورث كسلاً بفعل رغد العيش عند تلك الطبقة دون الطبقة المحرومة من العلماء والطلبة الذين أصبحوا في عوَز وفاقة".

ثم يشيد بعد ذلك بالمصلح الأزهري الشيخ محمد عبده الذي قال بيت الشعر المشهور:

ولكن ديناً قد أردت صلاحه                أحاذر أن تقضي عليه العمائم

وهو يستنتج بعد ذلك أن الأزهر يسير على ما يرام بفضل المناهج الدراسية التي استحدثت. ثم يقدم شيخنا بعد ذلك مرافعة حول الحياة الدينية والثقافية والأدبية في النجف فيرى أن من يحتضون الحركة الثقافية والإصلاح ليسوا سوى حفنة من المفكرين من بعض رجال الدين والأدباء والشعراء وهم لا يشكلون سوى أقلية تحت رعاية المرجعية الدينية، أما الباقون فهم صامتون خوفاً على مراكزهم من سطوة تلك الزعامات. وفي رأيه فإن الإصلاحيين العاجزين غير قادرين على إدخال العلوم الحديثة في تدريسهم الديني بقدر ما كان طلابهم عاجزين عن إتقان العلوم النقلية. أما إدارة الحوزات فهي تشكو فقدان التنظيم فيها، وأموال الخمس والزكاة مهدورة ولا بدّ من إقامة مؤسسة تكلّف إدارة الأموال وإرسال المبشرين.

 

العصرنة... والصدم

رأى الشيخ محسن أنه لا بدّ من إدخال العلوم العصرية إلى المنهاج الحوزوي: كالحساب والطب والجغرافيا والهندسة والتاريخ وكذلك الفلسفة وعلم الكلام. وكما أسلفنا فإن تلك الرسائل لاقت في وقتها ردود فعل عنيفة مستهجنة من قبل الشيعة بعامة والنجفيين بخاصة مراجع ومقلِّدين. إذ لم تألف آذانهم سماع تلك اللهجة الصادمة لواقع تعوَّد الركود مئات السنين.

غير أن تلك المقالات وغيرها من الأنشطة يدفعها مناخ من الحرية القادم وقتها مع الانتدابين البريطاني للعراق والفرنسي للبنان، جعل تلك الأفكار تأخذ مداها في وجدان الكثيرين، ولا سيّما أن مرجعاً دينياً ضخماً داعماً سوف يكون له أثر بارز في الفكر الإصلاحي الشيعي الجعفري وهو السيد محسن الأمين الذي كان يقطن دمشق في النصف الأول من القرن الفائت، والتي أصبحت كتبه الإصلاحية التنويرية إضافة إلى مؤلفاته المرجعية الموسوعية حاجزاً معرفياً لا يمكن تخطّيه في دنيا الفقه الشيعي والإسلامي.

 

نقد الفكر والتعبير

ثورة الشيخ محسن شرارة امتدت لتشمل أيضاً أساليب التعبير والتفكير القديمة. فالحرف في نظره ليس زخرفة وتزويقاً بل هو اعتناق اللفظ مع المعنى، والشّعر كائن حي متوثّب يصوّر الجمال والوحي والإلهام. فاسمعه يقول في الشباب:

حيِّ يا شعب بترحابك عزماً في الشباب

ومن التدجيل عوذه بآيات الكتاب

كل يوم يحدث الوحش ضجيجاً في الشعاب

لا تَرُعْ قومي بهذا الحي أصوات الذئاب

يتخطون إلى العليا على متن السحاب

كلما أوصد باب منه فكوا ألف باب

أين من يسعى لتعمير ويسعى لخراب

واسمعه يصف حال الغرب مع العرب فيقول:

مثّلوا في جزيرة العرب حتى     كسفوا من قبابها أي شمس

شغلونا ببعضنا ثم راحوا                   يعقدون العهود في طي طرس

ألمسونا على الخشونة لينا         والأفاعي تلين تحت المحبس

وطفونا ونحن نرسب جهلا       في بصيص من الحلى تحت الدمقس

لا تخل غرس ذي السياسة ينمو           سوف تقضي لهم على كل غرس

وإليك هذه الأبيات من قصيدته (الأمل) لتعرف غوره وتسبر مداه:

لاح فوق الخيال في أفق الأحلام  كالفجر في الظلام المديد

كالسراب البعيد يشرق في اللحظ ويغري الظما بقرب الورود

طائر في الأسى يغرد لكن                  في فضاء التعليل فوق الشهود

في رفات الرغاب يصدح للحن            فيحيي صداه ميت الجدود

فتجيش الأحلام والنفس تندى               ويعود الماضي ويهتز عودي

أي شيء هذا الذي يتلظى                   في كياني وفيه نار ركودي

موكب غص بالسنا وتجلى                 في فؤاد محطم مجهود

Script executed in 0.19622206687927