أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

السنيورة لـ «الأخبار»: الثلث المعطّل عارٌ كبير

الثلاثاء 23 حزيران , 2009 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,712 زائر

السنيورة لـ «الأخبار»: الثلث المعطّل عارٌ كبير

■ 7 حزيران كان الردّ على التغيير بالعنف في 7 أيار
■ الدستور لا يعطي أيّ طائفة حق النقض في مجلس الوزراء

 

نقولا ناصيف - الاخبار
حقبة استثنائية لم يكن يخطر في بال الوزير فؤاد السنيورة، ذات يوم، أنه سيكون في صدارة قراراتها. خامس رئيس حكومة لبنانية وضعته ظروف استثنائية في طريقها خلال مرحلة مدوّية: أولهم الرئيس رياض الصلح عندما صنع والرئيس بشارة الخوري عام 1943 استقلال لبنان وميثاقه الوطني. وثانيهم الرئيس رشيد كرامي عندما عمل والرئيس فؤاد شهاب عام 1958 على إخراج لبنان من ثورة 1958 أول حرب أهلية بعد الاستقلال ضربت الطوائف والكيان. وثالثهم الرئيس سليم الحص الذي انضمّّ إلى الرئيس الياس سركيس عام 1976 لإعادة بناء نظام ودولة وشرعية ومؤسسات وجيش انهارت وانهار في حرب السنتين. ورابعهم الرئيس رفيق الحريري الذي ردّ مع الرئيس الياس الهراوي عام 1992 لبنان إلى خريطة المجتمع الدولي وأعاد إعماره.
لا يسع الرئيس فؤاد السنيورة تقدير المدة التي يستغرقها تصريف حكومته الثانية الأعمال، منذ الساعة الصفر ليل السبت ـــــ الأحد 20 حزيران، ريثما تخلفها حكومة جديدة. بعد أربع سنوات وحكومتين ترأّسهما، يجد الوقت مبكراً لتقويم التجربة، ويأمل أن يفعل ذلك ذات يوم فيتحدّث عن كل شيء. ولا يكتم في عجالة مع «الأخبار» شعوره بأنه يغادر الحكم مرتاح الضمير إلى مهمة استثنائية ناطها به اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فأنجزها تماماً. من بعد ذلك يرشّح لخلافته النائب سعد الحريري.
بعد رئاسة الحكومة يريد أن يعود مواطناً عادياً ونائباً. يترأس تيار المستقبل وكتلة الغالبية النيابية، ويظلّ يتمسّك بقاعدة ذهبية يعتبرها في صلب طريقة عمله هي «كيف يمكن تحويل المشكلة إلى فرصة؟».
يقول: «هناك أناس يتقنون جعل الفرصة مشكلة. أجدني عكس هؤلاء».
هي إذاً عصارة تجربته في الحكم.
في عجالته مع «الأخبار»، يرسل إشارات أساسية إلى دروس الحقبة التي مكّنته يوماً من أن يصير، أمام المجتمع الدولي، الممثل الوحيد للشرعية اللبنانية، والمعبّر عن وجهة نظر الشعب اللبناني. لم يكن سهلاً عليه هضم هذا الفخّ تحت وطأة انهيار الحياة السياسية اللبنانية، وتفكك الوحدة الداخلية بعد جريمة الاغتيال.
يقول السنيورة: «كانت مهمتي الرئيسية في حكومة الإصلاح والنهوض، الدخول على مسار التحقيق الدولي في استشهاد الرئيس الحريري الذي قادني إلى رئاسة الحكومة. وضعت هذه المهمة نصب عينيّ. كان علينا أولاً حماية التحقيق الدولي، ثم المضيّ في المحكمة الدولية. تقرّر أن تكون محكمة ذات طابع دولي، إلا أن اعتراض البعض عليها جعل مجلس الأمن يضع يده عليها ويقرّرها كذلك. لم تكن المحكمة الدولية من أجل معرفة مَن اغتال الرئيس الشهيد فحسب، بل أيضاً ثمّة هدف آخر موازٍ في أهميته، هو إيجاد حال من ردع الاغتيالات التي هدّدت حياة اللبنانيين وقادتهم. بعد انطلاق المحكمة الدولية، أستطيع القول إنها أوجدت باسم القضاء والعدالة الدولية رادعاً يُشعر القتلة بأنهم لا يستطيعون التمادي في هذا المسلسل. لم أدخل نفسي يوماً في دائرة التبصير في مَن قتل الرئيس الحريري، لكن أوكلت كشف الحقيقة إلى القضاء الدولي. ومهما تكن قراراته أرضى بها. لا يمكنني أن أوكل إليه الأمر وأسحب هذا التوكيل في الوقت نفسه».
كانت تلك إحدى الإشارات الضمنية إلى أنه لم يجارِ بعض حلفائه، كالنائبين وليد جنبلاط وسعد الحريري، في توجيه اتهام مباشر إلى سوريا باغتيال الحريري. يقول إنه تصرّف حيال هذا الأمر بوصفه رئيساً للحكومة، لم يتردّد في قرارة نفسه في تبنّي وجهة نظرهما. لكنه رأى دائماً أن المحكمة الدولية هي القرار الأكثر إلحاحاً الذي يحتاج إلى المثابرة الأطول والأكثر تطلباً للشجاعة بإزاء حملات رافقت مسار التحقيق الدولي، ثم المحكمة الدولية، بدءاً بمسلسل الاغتيالات، مروراً باستقالة الوزراء الشيعة والحملة السورية عليه، وصولاً إلى الانقسام الداخلي الحاد. لقد ترك، ولا يزال، للقضاء الدولي أن يسمّي قاتل الحريري.
ظلّ يتكلم بصيغة الغائب، الغامض غير المجهول لديه، عن قاتل رئيس وزراء لبنان السابق، وحاذر تحميل الحكومة اللبنانية ادانة مباشرة الى سوريا، على نقيض شركائه في حكومة الغالبية. تحت وطأة جريمة الاغتيال تجنّب مخاطبة دمشق بعداء شخصي. لم يشتمها ويهدّد نظامها، ولا استفزّها.
كان قرار المحكمة الدولية مهماً بالنسبة اليه مذ عدّه خياراً محسوماً، ومساراً حتمياً. لم يتعبه شأنه قراره الطلب من الجيش اللبناني اقتحام مخيم نهر البارد، واقتلاع الارهاب منه مع كل ما يفضي ذلك الى اثمان سياسية وامنية ـ ومذهبية حتى ـ باهظة، ولا احرجه شأن الاعتصام الذي حاصر السرايا ووضعه في واجهة تحد مذهبي.
يضيف رئيس الحكومة أنه كان أول مَن أطلق الدعوة إلى تبادل دبلوماسي بين لبنان وسوريا. بعيد تأليف حكومته الأولى، زار دمشق للمرة الأولى والأخيرة في 31 تموز 2005 عائداً منها بخيبات. استخدم أمام الرئيس بشار الأسد عبارة «الندّية في علاقات البلدين»، فلم يستسغها الرئيس السوري. كذلك لم تعجب مسؤولين سوريين آخرين. في وقت لاحق، أطلق من قناة الجزيرة عندما زار للمرة الأولى قطر، في 16 تشرين الأول 2005، مطلب إقامة علاقات دبلوماسية بين لبنان وسوريا. سرعان ما أمسى المطلب في صلب قرارات مجلس الأمن بعدما تبنّاه أيضاً بالإجماع الحوار الوطني اللبناني يوم 2 آذار 2006. إلى أن تحقق هذا المطلب في قمة الرئيسين اللبناني والسوري في 13 آب 2008.
يوافق السنيورة على القول إن الخوض في موضوع التبادل الدبلوماسي، وفي العلاقات اللبنانية ـــــ السورية، اصطدم بكثير من الأفكار. بعضها ناقض البعض الآخر، وأسيء فهم ما توخى من مطالبته تلك، إلا أنه كان شديد الحرص على «علاقات صحيحة وجيّدة بين البلدين بسبب إيماني العميق بعروبة لبنان التي نشأت عليها. كنت دائماً أقول بضرورة إرساء علاقات ندّية وسويّة تقوم على الاحترام المتبادل. أنظر إلى هذا الموضوع على أنه مسار. كان التبادل الدبلوماسي، الذي رفعت لواءه حكومتي الأولى وتحقق في الأشهر الأخيرة، خطوة أساسية نحو التعبير الواقعي والحقيقي عن اعتراف سوريا بسيادة لبنان واستقلاله. طبعاً الأمر غير كاف ولا يقتصر على هذه الناحية. هناك أيضاً عناصر مكمّلة لهذا الاعتراف كترسيم الحدود وضبط المعابر وتنظيمها».
يضيف: «التنظيم الدولي للعلاقات بين الدول يضع قواعد لها، منها التبادل الدبلوماسي الذي لم يعتمده البلدان طوال السنوات الماضية. الآن حققنا هذه الخطوة، ويقتضي الانصراف إلى ما لا يزال عالقاً في إطار تلك القواعد الدولية كترسيم الحدود. نجحنا في الفترة الأخيرة في إحراز تقدّم مهم على صعيد تنظيم المعابر. باتت لدينا في الشمال ثلاثة معابر هي العريضة والعبودية وجسر قمار الجديد، ضمن مخطط لتنظيم المعابر بين حدود البلدين. بدأنا من الشمال وفق نموذج حديث ومتطور، ونأمل انتقال التجربة إلى الحدود الشرقية، في موازاة جهود السلطات الأمنية لمنع التهريب والتسلل والانتقال بين المعابر غير الشرعية».
لكن التبادل الدبلوماسي بين لبنان وسوريا لم يضع السنيورة على خط الحوار الذي يجريه رئيس الجمهورية ميشال سليمان مع الأسد. منذ 14 تموز 2008، عندما التقى الرئيسان للمرة الأولى، بعد ثلاث سنوات من القطيعة التي قادتها قوى 14 آذار وعلى رأسها حكومة الغالبية، لم ينضم السنيورة إلى هذا الحوار في فتح صفحة جديدة من علاقات البلدين. شارك رئيس الجمهورية في قرارات تطبيع العلاقات الثنائية، إلا أن زيارته لدمشق دونها عقبات.
يؤكد: «لم أقل مرة إنني لا أريد الاجتماع بالرئيس السوري، أو زيارة سوريا. لكنّ للزيارة أصولاً وإجراءات يقتضي مراعاتها تبعاً للتقاليد المتبعة بين رؤساء الدول. ينبغي توجيه دعوة رسمية إلى رئيس حكومة لبنان تسلّم بحسب الأصول. الدعوة لا تكون من طريق وسيط أو وسيلة إعلامية كما كان يقول السوريون. كنت دائماً شديد الحرص على العلاقة مع سوريا. صحيح شابها الكثير واعترتها محاولات تشويه. بدوري، لأسباب تتصل بأسلوب تعاملي وما يقتضي أن تكون عليه علاقات البلدين، لم أجارِ بعض الأفعال بردود أفعال».
يتذكّر بعض وقائع تلك الأفعال التي ساقها مسؤولون سوريون بعبارة منفّرة، غير مألوفة، في التخاطب بين رؤساء الدول، وأحياناً باستخدام التشهير كقول رئيس الحكومة السورية مرة إن نظيره اللبناني اتصل به ثلاث مرات ولم يردّ عليه. كانت الغاية حينذاك محاولة تسوية مشكلة حدودية أقفلت دمشق دونها التفاهم: «لم أشأ الردّ على هذه الإساءة. ليس من عادة رؤساء الدول ومسؤوليها تشهير أحدهم بالآخر. مع ذلك، على مرّ السنوات الأربع، لم أفوّت عيداً أو مناسبة رسمية أو وطنية إلا كتبت، بوصفي رئيساً للحكومة اللبنانية، إلى الرئيس السوري أو إلى رئيس الحكومة السورية مهنئاً أو معايداً. أعرف أن السوريين أساؤوا كثيراً التصرّف معي، لكني تعاملت وإياهم بما يمليه عليّ منصبي واحترامي لرئاسة الحكومة اللبنانية وعروبتي».
ويعتقد السنيورة أن الأحداث الكبيرة التي غطّت السنوات الثلاث من عمر حكومته الأولى، لم تحجب تمسّكه بالقواعد الدستورية في الحكم. فاجأته استقالة الوزراء الشيعة الخمسة في 11 تشرين الثاني 2006، رغم معرفته بالخلاف العميق المزمن معهم على ملف المحكمة الدولية، بدءاً من 12 كانون الأول 2005، عندما طلبت حكومة الغالبية من مجلس الأمن إنشاء محكمة دولية في اغتيال الحريري. لم يخطر في باله قبول استقالتهم وملء الشغور بوزراء شيعة آخرين. لم يقطع التواصل معهم، وظلّ يتوقع عودتهم إلى حكومته على غرار تراجعهم في 2 شباط 2006 عن اعتكافهم سبعة أسابيع عن المشاركة في جلسات مجلس الوزراء، بعد ساعات على اغتيال النائب جبران تويني في 12 كانون الأول 2005: «تصرّفت بموجب الدستور، وكنت أمنّي النفس بأنني سأعثر دائماً على الحلّ الذي أحتاج إليه. لم آخذ الوضع إلى الصدام، بل سعيت إلى احتوائه. وهكذا تجنّبت الإجراءات الاستفزازية. لم أقبل استقالة الوزراء الشيعة بعدما عالجت قبلاً مشكلة اعتكافهم، ولم أملأ الشغور. هذا طبيعي. أما السجال الذي دار حينذاك وقال إن الحكومة غير شرعية وغير ميثاقية، فالأمر يحتاج إلى مناقشة متأنّية لدستورنا. لا يمكن في لبنان تأليف حكومة بلا وفاق وطني. هذا صحيح. لكن الدستور لم يعطِ أي طائفة حق الفيتو والنقض وإسقاط كل قرار لا يعجبها اتخاذه في مجلس الوزراء، فيستقيل وزراؤها ويُعطل الحكم والمؤسسات الدستورية. عندما قال الدستور باستقالة الحكومة حين يستقيل أكثر من ثلث أعضائها، فإن حكمة هذا النص أخذت في الاعتبار أن الثلث الزائد واحداً يتجاوز عندئذ الطائفة الواحدة. لم يقل مثلاً باستقالتها عندما يستقيل 20 في المئة من وزرائها، بل بأكثر من الثلث الذي يعبّر عن مزيج من الطوائف».
يقرن رئيس الحكومة هذا الموقف بردّ فعل الرئيس السابق إميل لحود الذي كان يعارض انعقاد جلسة مجلس الوزراء بذرائع شتى، للحؤول دون البحث في موضوع المحكمة الدولية، ثم تشبّثه بتأويل خاص لاستقالة الوزراء الشيعة كي يقول إن الحكومة غير شرعية، ويقاطع مذ ذاك جلسات مجلس الوزراء. سرعان ما يستدرك السنيورة أنه لا يريد الخوض في هذا الموضوع على أبواب تأليف حكومة جديدة، وفتح باب آخر للجدال: «علينا البحث سريعاً في تأليف حكومة جديدة كي نخرج لبنان من التوتر الذي يتخبّط فيه».
يضيف: «كنت أتمنى لو لم يحصل هذا الانقسام. لكنه وقع، وصار عليّ مواجهة ما حصل. لا يمكن أحداً أن يتنبأ وقتذاك بما كان يمكن أن يحدث في تلك المعمعة. قبل أيام سألني في صيدا مواطن: يا دولة الرئيس، ماذا تفعل كي تضبط أعصابك وتتمتع بهذا القدر من الهدوء؟ أجبته بأنني مؤمن بما أقوم به. في السنوات الأربع الماضية لا أعتقد أن رئيس حكومة أو حتى حكومة مرت بما مررنا به من حروب واحدة تلو الأخرى. حرب الاغتيالات، وحرب المحكمة الدولية، وحرب تموز، وحرب الحصار على السرايا، وحرب نهر البارد وحرب الفراغ الرئاسي، وحرب 7 أيار. كانت هذه الحروب في أربع سنوات أكثر من قدرة أي رئيس للحكومة على الاحتمال، بل أكبر من قدرة بلد كلبنان. كنت دائماً منسجماً مع نفسي، ما قمت به كان يعطيني درجة عالية من السكينة. وكما ذكرت قبل أيام، عندما كنت محاصراً في السرايا كنت أشعر بأني لا أعمل للذي يؤيدني فقط، بل أيضاً للذي لا يؤيدني. وهذا ما كنت أقوم به من أجل المحافظة على الجمهورية والنظام الديموقراطي ومصلحة الجميع، وليس مصلحة فريق دون آخر. كنت أقول دائماً إن هناك أناساً يختلفون معي، وأنا أقرّ بالأمر، لكنني انفتحت على الجميع وحاورتهم. عندما أتى رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير إلى بيروت إبان الحكومة الأولى، وجوبه باعتصام واحتجاج ضده، خاطبت هؤلاء أمامه إنني أوجّه إليهم تحية. لكن في الاجتماعات التي نعقدها ينبغي أن نتحدّث في ما يعني مصلحة لبنان أولاً».
يضيف: «الآن نرتكب غلطة شنيعة عندما نقع في شرك تنصبه لنا إسرائيل، التي تريد جعل المواجهة بيننا كعرب وبين الإدارة الأميركية الجديدة والرئيس باراك أوباما. طبعاً ليس هذا هو الطريق الملائم للمواجهة مع إسرائيل. نحن نتمسّك بمواقفنا وثوابتنا ولا نفرّط بمسلماتنا التي اتفقنا عليها نحن العرب، وكرّسناها في المبادرة العربية للسلام في قمّة بيروت عام 2002، وأعاد العرب قبل أشهر تأكيدها. لكننا نلاحظ حجم الحنق والخلاف بين إسرائيل والولايات المتحدة. يريد الإسرائيليون تحويل وجهة المشكلة، فتصبح بين العرب والولايات المتحدة عوض أن تكون بين إسرائيل والولايات المتحدة. هذا ما ينبغي أن ننتبه له، ونحذر الشرك الإسرائيلي. بالنسبة إليّ، على مرّ عمر حكومتي الأولى وضعت الثوابت وحدّدت الوجهة، وأشعر بقدر كبير من الارتياح الذاتي والسكينة حيال ما قمت به، الذي يمثّل اليوم أيضاً ثوابت الموقف اللبناني الرسمي».
لكن الدرس الأبلغ في تجربة السنوات الأربع المنصرمة هو حرب 7 أيار، والنتائج التي أفضت إليها على صعيد العلاقات بين اللبنانيين: «ما حصل في 7 أيار في بيروت كان خطيراً وخطيئة أساسية في العمل السياسي، وفي لبنان بالذات. الأيام ستبرهن صحة قولي هذا. من المؤكد أنه لا بد من إيجاد مخارج حلول للمشكلات الناشبة بين اللبنانيين. كان اتفاق الدوحة إحدى المحاولات. ماشي الحال، وصلنا إليه كي لا نصل إلى نقطة اللاعودة. أما الثلث المعطل فإني أراه عاراً كبيراً، ومشكلة لا يمكن القبول بتكرارها، وهو انتهى بانتهاء الحكومة الحالية».
يضيف السنيورة: «كان الهدف من اتفاق الدوحة إيصال رسالة، هي أن من المستحيل إحداث تغيير في لبنان بتوسّل العنف، أو من أجل بلوغ مكاسب سياسية. التغيير لا يحصل إلا بالديموقراطية ومن خلال الانتخابات. وهذا هو الطريق الوحيد. ذلك ما حصل في انتخابات 7 حزيران التي كانت عبر التغيير والديموقراطية رداً حاسماً على 7 أيار الذي أراد التغيير بالقوة والعنف».



«وفق معاييرنا»

 

أعلن الرئيس السوري بشار الأسد، في حديث تلفزيوني، استعداد بلاده للتعاون مع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان «إنما وفق معاييرنا، لأن أيّ سوري، سواء كان في الحكومة أو لا، يخضع لقوانيننا ولسلطتنا». وقال: «انظروا إلى ما حصل بين الأمم المتحدة ولبنان بالنسبة إلى إنشاء المحكمة. حدث اتفاق لكي يشارك لبناني في هذه المحكمة. إذا أرادوا تعاوننا، فلا بد من اتفاق، لأن لشعبنا حقوقاً أيضاً»، مضيفاً: «لسنا قلقين مما يتعلق بنتيجة التحقيق»، و«سنبقى مطمئنين ما دامت التحقيقات تُجرى وفق معايير تقنية ومهنية، وما دامت غير مسيّسة».
وفي مؤتمر صحافي مع نظيره الهولندي، مكسيم فيرهاغن، قال وزير الخارجية السوري وليد المعلم إن تأليف الحكومة اللبنانية شأن لبناني، مردفاً: «نحن ننظر إلى أداء هذه الحكومة في ضوء ما تقرره بشأن علاقاتها مع سوريا. وما نأمله هو أن تحقق الوفاق الوطني في لبنان، لأن هذا الوفاق يؤدي إلى الاستقرار وإلى مستقبل أفضل». ورداً على ما تردد عن زيارات لمسؤولين سعوديين إلى دمشق، أعلن الترحيب الحار بالزيارات العربية المتبادلة «وعندما يزورنا جلالة الملك فهو يأتي إلى بلده الثاني سوريا».



فريق العمل

 

على مرّ سني حكومتيه، احاط بالرئيس فؤاد السنيورة مساعدون ومستشارون. في الحلقة الاضيق اربعة معاونين يلازمونه في السرايا هم رلى نورالدين للشؤون الديبلوماسية والخارجية، وعارف العبد للشؤون الاعلامية، والسفير محمد شطح للشؤون السياسية والاقتصادية، وغسان فضل الله لشؤون الكهرباء والنفط والاعمار. واليهم مستشارون هم رضوان السيد ونواف سلام (قبل تعيينه سفيراً في نيويورك)، والوزراء طارق متري وجهاد ازعور وسامي حداد وخالد قباني، والامين العام للمجلس الاعلى للدفاع اللواء سعيد عيد، ومستشار امني هو العميد غسان بلعة قبل تعيينه نائباً لمدير المخابرات ومن ثم عودته مستشاراً امنياً لرئيس الحكومة.



الحدث

 

السرايا... أول تماس سنّي ـ شيعي

منذ أيلول 2005 قرّر الرئيس فؤاد السنيورة السكن في السرايا. القشلة العثمانية، ثم مقارّ الإدارة في حقبة الانتداب الفرنسي. وبعد اغتيال النائب والوزير بيار الجميل في 21 تشرين الثاني 2006 طلب من الوزراء المبيت فيها أيضاً. أحدث الرئيس رفيق الحريري في السرايا جناحاً فسيحاً خاصاً لرئيس الحكومة، هو بمثابة منزل له، مفترضاً أن يحلّ فيه ذات يوم رئيس للحكومة لا يملك بيتاً لائقاً، فيقيم في ملك الدولة اللبنانية. في هذا الجناح بات في بعض الأوقات الرئيس نجيب ميقاتي عندما ترأس حكومة ما بعد اغتيال الحريري، ثم أقام فيه خلفه إقامة دائمة. وحده بداية، ثم مع زوجته وابنه وابنتيه. في السرايا زوّج السنيورة ابنه. يجاور الجناح مكتبه. أما الوزراء فأقاموا مذ ذاك في جناح الضيافة الذي أعدّه الحريري لاستقبال نظرائه رؤساء الحكومات عندما يزورون لبنان. شغل كل من الوزراء إحدى غرف جناح الضيافة، لكنهم يشتركون في غرفة استقبال واحدة وغرفة طعام واحدة.
كان السنيورة نقيض معظم أسلافه. وحده أدار كل حكم الحكومة من السرايا التي لزمها، تاركاً ـــــ للأسباب الأمنية ـــــ منزله في شارع بلس. قبله أدار الحريري بعض الحكم واتخذ قرارات من قريطم، وسليم الحص من عائشة بكار ومن قبلها دوحة عرمون. كذلك فعل صائب سلام من المصيطبة، وسامي الصلح من برج أبي حيدر، ورشيد كرامي من زقاق البلاط وطرابلس وبقاعصفرين، وحسين العويني من طريق المطار، وشفيق الوزان من البسطة.
هناك حدثت السابقة. حوّل مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني إحدى قاعاتها مسجداً للصلاة يوم حاصر حزب الله وحلفاؤه في المعارضة السرايا في أول كانون الأول 2006، وأقاموا خيمهم على مسافة أمتار تفصلهم عن مداخلها أسلاك شائكة. قال المفتي حينذاك إن السرايا ورئاسة الحكومة «خط أحمر»، محذّراً من الاقتراب منها عندما كان حزب الله وبعض حلفائه يوحون باقتحامها. فوُلد أول تماس سياسي سنّي ـــــ شيعي بلغ ذروته في 7 أيار، مع اجتياح حزب الله أحياء بيروت. استغاث المفتي بالعرب لإنقاذ سنّة لبنان. المبرّرات الأمنية حملت السنيورة على أداء الصلاة في السرايا، وعلى إقامة قداس عن روح الجميّل في أربعينه فيها.

Script executed in 0.22085118293762