أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الفريك: من جبل عامل إلى العالم

الجمعة 21 آب , 2009 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 5,387 زائر

الفريك: من جبل عامل إلى العالم

يروي الجنوبيون أنه في إحدى الغزوات الرومانية لجنوب لبنان، أحرق الجيش الروماني جميع حقول القمح التي وقعت تحت سيطرته. وضعت الحرب أوزارها، وعاد سكّان المنطقة إلى أراضيهم، لكنهم لم يجدوا ما يقتاتون به. وحده القمح المحروق الباقي بعد الحرب، سدّ رمقهم، لا بل كان وجبةً لذيذة جداً، لولا أنها حصيلة حرب. هكذا، اكتُشف الفريك. منذ ذلك الوقت، حتى يومنا هذا، يشد جنوبيون رحالهم نحو حقول القمح، وتحديداً في الأسبوع الأخير من شهر نيسان والأول من شهر أيار، لحصد القمح الأخضر، وشيّه من أجل تأمين مخزون العام من «الفريك».
في منطقة جبل عامل منتجات غذائية كثيرة، مصنوعة مما تفيض به الأرض الزراعية في هذه المنطقة، كالفريك. لكن، لسوء حظّ ابتُليت به المنطقة منذ وجودها، إذ يعاني جبل عامل إهمالاً يشمل غالبية الجوانب الحياتية فيه، والقطاعات الإنتاجية. في التاريخ القريب، لا يُلحَظ أي اهتمام فعلي بها، إلا من جانب المدافع والطائرات الإسرائيلية، فيما الدولة اللبنانية أسقطت واجبها عن الاهتمام بهذه المنطقة المحرومة، المحكومة سابقاً بإقطاع «أكل» أخضرها واليابس.
الفريك المهمل، عدم الاهتمام بتصريف إنتاجه واقتصار دوره على تأمين مؤونة منازل أهل القرى، تفاصيل بسيطة تعكس تخلّف الدولة عن القيام بواجبها تجاه المزارعين في المنطقة. واجب أخذته جمعيات زراعية وأهلية على عاتقها منذ فترة طويلة، كل بحسب إمكاناته. فبعد انتهاء حرب تموز 2006، بدأ برنامج «أرض وناس» التابع للجامعة الأميركية في بيروت، الإسهام في إعادة بناء القطاع الزراعي في الجنوب. في بداية المشروع، تكلّف البرنامج مجهوداً لمعرفة ما تشتهر به كل قرية متضررة، لمساعدتها على إعادة إنتاج السلعة الزراعية التي تشتهر بها. في قرى شمع والجبين وطيرحرفا الجنوبية، حيث تنتشر زراعة القمح، وبالتالي إنتاج الفريك، تراجعت هذه الزراعة إبّان فترة الاحتلال. لم يجرؤ المزارعون على الدخول في صفقاتٍ خاسرة. انخفض إنتاجهم في تلك الفترة، إلى درجة ندر فيها أن تجد من يزرع ويحصد وينتج، قبل أن تفتش عمّن يشتري محصول الفريك. زد على ذلك، ازدياد المنافسة الخارجية، وخصوصاً في ظل انخفاض الإنتاج في لبنان. صورة قاتمة، بدأ البرنامج بتبييضها. يتحدث المهندس خليل علّيق عن مراحل مشروع إعادة إحياء زراعة الفريك، فيشير إلى أن الجمعية بدأت في العام الأول من مشروعها، بتوزيع عيّنات مجانية من فريك جبل عامل على المطاعم ومعارض الغذاء. أعجب الزبائن بنوعيته، فارتفع الطلب عليه، ليزداد إنتاج الفريك من جديد «ومن كان ينتج 100 كيلوغرام سنوياً أصبح ينتج ألف كيلو» كما يشرح.
هذا محلياً، أما دولياً، فقد كان لدخول جمعية «سلو فود» على خط المساعدة دور في إشهار الفريك الجنوبيّ، حين أدرجته ضمن منتجات الـ«presidium”، أي إنها أصبغت عليه صفة المنتج ذي الأهمية الثقافية العالمية، ما يوجب الحفاظ عليه ونشره في العالم. هكذا، ساعدت بعض المنتجين الجنوبيين على عرض محصولهم من الفريك في معارض التذوق وصالوناته في إيطاليا، حيث حاز شعبية كبيرة.
حالياً، تساعد «سلو فود» المزارعين على توضيب الفريك وتعليبه وضبط جودته. وبحسب رئيس الجمعية في بيروت، وليد عطايا، فإن الشركة لا تتدخّل مباشرة في تصريف إنتاح المزارعين، إلا أنها تقدم إلى المزارعين مساعدات توعوية وإرشادات تقنية.
في طيرحرفا الجنوبية، تستلزم زراعة القمح وتصنيع الفريك، كغيرها من الزراعات، جهد العائلة بكبيرها والصغير. هكذا، يعمل مع المزارع رباح غريّب في موسم إنتاج الفريك القصير جميع أفراد أسرته. يحصدون القمح الأخضر، المزروع دون إضافة أسمدة كيميائية. ينطلق غريّب من خبرته ليؤكّد أن الباب الأول من الفريك هو «الحبّة الإيطاليّة»، التي مهما صغر حجمها بعد عملية شواء القمح، تبقى بحجم كبير نسبياً يسمح بجرشها بسهولة. وللشواء أصوله أيضاً. ينصح غريّب بشواء القمح على التراب وبنار جبّ البلان، لإنتاج فريك «باب أول وعلى أصوله، وطعمه لذيذ مشبّع بدخان البلّان»، كما يرى أنّ شيّ القمح على الزفت أو الحجر خطأ يسحب من الفريك طعمه وجودته. كغيره من المزارعين، تؤرّقه المنافسة الأجنبية، وخصوصاً من الفريك المصبوغ، أو ذاك المسلوق بدل أن يُشوى.
لكنه رغم ذلك، مصرّ على رفع سعر الكيلوغرام إلى أكثر من 12000 ليرة، لأنه باب أول «وبتعرف حالك شو عم تاكل. بطعمي ولادي من الفريك طول السنة، وما بعرف الأطباء إلا وقت التطعيم».


Script executed in 0.1655478477478