أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

السيد فضل الله حول أزمة عز الدين وقضايا الإفلاس: ما يجري تحت عنوان عقود المضاربة ليس واقعياً وغير شرعي

الخميس 10 أيلول , 2009 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,265 زائر

السيد فضل الله حول أزمة عز الدين وقضايا الإفلاس: ما يجري تحت عنوان عقود المضاربة ليس واقعياً وغير شرعي
يتابع السيد فضل الله معظم القضايا المثارة في البلد. يقرأ عنها غالباً ويعلق عليها احياناً. وهو اذ تكثفت «اجندته» خلال الشهر الكريم، جراء تزايد النشاطات والمحاضرات الدينية، الا ان ذلك لا يمنعه من فتح الباب امام أي سؤال حول أي موضوع يحتاح الى إضاءة من كوّة الدين.
قضية رجل الاعمال صلاح عز الدين كانت محور الحديث معه ظهر امس. فقدم وجهة نظر الشرع الاسلامي في كل ما يتصل بها من عقود تجارية ومفاعيل اقتصادية.
«السذاجة الاقتصادية والطمع واستسهال الربح السريع»، هو ما يصف به السيد فضل الله كل من استثمر امواله في هذه القضية وفي القضايا المماثلة. وشدد على عدم اهلية رجال الاعمال الذين يقومون باستغلال اموال الناس من دون وجه حق.
واذ يلفت الى وجود ما يسمى «بعقود المضاربة» او «المرابحة» في الشرع الاسلامي، الا انه يؤكد ان ما يحصل تحت هذا العنوان ليس واقعياً، وبالتالي تغدو هذه الاعمال غير شرعية. ونفى السيد فضل الله نفياً قاطعاً أي علاقة «لجمعية المبرات الخيرية» بقضية صلاح عز الدين، على اعتبار «ان الجمعية لا توظف اموالها مع مغامرين!». ودعا الى اعادة النظر في النظام الاقتصادي الرأسمالي، ومحاولة الاتيان بتجربة النظام الاقتصادي الاسلامي.
وجاء الحوار مع «السفير» على الشكل التالي:
÷ من وجهة نظركم؟ كيف تفسرون ظاهرة افلاس رجال الاعمال في لبنان، ممن يستثمرون اموال الناس ويضيعونها، والتي آخر ظواهرها اليوم قضية صلاح عز الدين؟
^ ينطلق تفسيري لهذه الظاهرة من ان هناك تخلفاً في المجتمع، في مسألة استثمار الاموال التي يملكها الناس، بما يمكّن المغامرين من استغلال اوضاع الناس ورغبتهم في تنمية مواردهم، من دون تفكير في القواعد التي يمكن ان تؤصل مسألة التنمية بحسب طبيعة الاوضاع الموجودة على المستوى الاقتصادي. وبهذا المعنى يستسهل بعض الناس الوعد بالربح السهل الذي لا يملك اي واقعية، باعتبار ان حالة الطمع تسيطر عليهم، وكذلك حب الراحة في ان يستثمروا اموالهم في الجوانب الانتاجية على المستوى الاقتصادي. وهكذا استطاع كثيرون ان يستغلوا هذه السذاجة الاقتصادية والطمع اللامعقول في خديعة هؤلاء الناس، والسيطرة على اموالهم تحت تأثير الحجة بانهم سيحصلون على فوائد كبيرة في وقت قصير، مع اعطاء بعض الحقوق الشرعية غير الواقعية، والتي تمثل الشكل ولا تمثل المضمون.
÷ هل لهذه الظاهرة علاقة بالبيئة التي تحيط بها، وبالمفاهيم السائدة فيها؟
^ المسألة لا تنحصر بأي طائفة معينة، لكنها تتمظهر باكثر من نموذج يعيش السذاجة الاقتصادية، وينطلق على اساس استسهال الثقة بالاشخاص الذين يغرونهم بأنهم سوف يستثمرون لهم اموالهم بطريقة او باخرى.
ولعلنا نبتعد عن الواقع باوسع من هذه الحالات المحدودة، فنجد ان الازمة المالية العالمية انطلقت من خلال ان الكثيرين من اصحاب الاموال، لا سيما في الخليج وغيره، وضعوا اموالهم في محافظ استثمارية، من دون ان يدرسوا الواقع الاقتصادي، والجهات التي تترك تأثيرها على حركة هذه المحافظ وهذه الاستثمارات، في استغلالهم لها لتنمية ثرواتهم، ثم في ادارة اللعبة الاقتصادية في مسألة الاسهم، والتي تهبط وتصعد، تماماً كما هي قضية المقامرين، التي قد يخسر فيها المقامر، لكنه يأمل في اللعبة الثانية او الثالثة ان يربح ويعوّض خسارته، ليصل الى مستوى لا يبقى معه شيء.
القضية اذاً هي قضية السذاجة الاقتصادية. ونحن نعرف ان كثيرين في مجتمعنا قد يأتون بالعبادات بشكل او بآخر، بحيث يوحون بالثقة. لكننا نروي عن النبي محمد وعن أئمة اهل البيت: « لا تنظروا الى طول ركوعهم وسجودهم، فلعلها عادة اعتادوها، ويشق على المرء ترك عادته. لكن انظروا الى صدق الحديث واداء الامانة الى البر والفاجر». ما يعني ان على الانسان الا يخدع بالمظهر العبادي، لأنه ليس هو الذي يعطينا اساس الثقة، بل ان التجربة في ما يمكن ان يسقط فيه الناس، هي التي تعطينا الثقة. وذلك في ان يحدّث فلا يكذب، وان يؤتمن فلا يخون.
÷ ما رأي الدين في عقود المضاربة التي تنص على ان يكون المستثمر شريكاً في الارباح؟
^ هناك في التشريع الاسلامي على مستوى المعاملات المالية عنوان يطلق عليه اسم «المضاربة». وهي تمثل شركة بين العمل والمال. لأن النظرية الاسلامية تقول ان المال لا ينتج مالاً الا من خلال تزاوجه مع العمل. ولذلك فالمضاربة تعني ان يكون هناك اتفاق بين من يملك رأس المال ومن يملك العمل، على اساس نسبة من الربح. ولا بد من ان يكون الشخص الذي يعمل برأس المال واقعياً وجاداً وخبيراً ومنتجاً للارباح التي يعد فيها، والتي يريد ان يقدمها لصاحب رأس المال. لكن الموجود عندنا في التجارب السابقة وتلك التي نعيشها اليوم هو ان هذه الارباح لا تنطلق من خلال اعمال اقتصادية، بل من خلال استغلال لحركة رأس المال في حل مشاكله الاقتصادية هنا وهناك. ولذلك فان ما يحصل تحت عنوان المضاربة او المرابحة ليس واقعياً، بحسب ما نسمع من الناس الذين يتابعون هذه المسألة، وبذلك فالمسألة، اذا صدقت هذه الاحاديث، لن تكون شرعية.
÷ ثمة عقود مضاربة او مرابحة تشترط على ان يكون المستثمر شريكاً في الربح والخسارة في آن.
^ عندما يتم التعاقد بين صاحب رأس المال وصاحب العمل، يتم ذلك على اساس نسبة من الارباح تقسم بين الطرفين. واذا وقعت الخسارة فانها تقع على صاحب رأس المال، وليس على صاحب العمل، لأن العامل فقد عمله، اذا جرت القضية على اصولها. وهناك بعض الفقهاء الذين يقولون انه من الممكن جداً ان يكون هناك اتفاق خارج اطار هذا العقد في أن يضمن العامل رأس المال لصاحبه اذا حصلت الخسارة. ولكن هذا المعنى ليس انسانياً, وبعض الفقهاء لا يجيز ذلك.
÷ ما الفرق بين تحديد نسبة الربح والفائدة؟
^ تحديد مبلغ الربح فائدة، اما تحديد نسبة الربح فلا يعتبر فائدة. لأن الشركة بين العمل ورأس المال واقعية، تتحرك على اساس نتائج حركة هذه النتائج. ويمكن ان تربح او ان تخسر. وهذا ايضاً مختلف عن الربا. فالمال هنا ينتج مالاً. كأن يدين شخص مبلغاً من المال لآخر، على ان يعطيه لقاء ذلك مبلغاً شهرياً. وليس هناك أي معاملة بين الطرفين، بل استغلال لحاجة المستقرض من قبل المقرض، في ان يُفرض عليه مبلغ معين. لكن في المضاربة ليس هناك مبلغ معين، بل شركة بين العمل ورأس المال. وقد تربح وقد تخسر، ربما لأن الوضع الاقتصادي لحركة الشركة لا يعطي ارباحاً، ولا يحصل الطرفان في هذه الحالة على شيء. بينما في الربا يحصل صاحب رأس المال على كل شيء، على ماله مع المبلغ الذي فرضه. بينما في المضاربة فاذا حصلت الخسارة فانها تصيب الطرفين.
÷ اذاً المستثمرون لا يخالفون الاعتبار الديني، لكن مشكلتهم تنحصر بمسألة الوعي الاقتصادي.
^ عدم الوعي جعلهم يتحركون في واقع يؤدي الى خسارتهم لاموالهم، ما يجعل القضية في دائرة اهدار المال. لكن المسؤولية هي على من يأخذ المال، كيف يديره؟ هل يديره لمصلحة صاحب المال او لمصلحته الخاصة؟ وهل يديره بشكل مدروس، أم بلا ضوابط اقتصادية لعدم معرفته بأصول الربح والخسارة في العملية الاقتصادية. وهل عندما يخسر يكون ذلك من دون تعمد، ونتيجة للوضع الاقتصادي العام، او نتيجة اللعبة التي يديرها، فيأخذ من هذا ليعطي ذاك، أو ان يعطي ارباحاً غير معقولة، لا تسمح بها حركة الربح والخسارة في السوق.
÷ يتذرع بعض المستثمرين باستثمار اموالهم بموجب عقود مرابحة غير مضمونة النتائج غالباً، تجنباً لفوائد البنوك التي يحرمها الإسلام.
^ «يجوز ان يضع الناس مالاً في البنوك الاسلامية التي تأخذ بمبدأ المضاربة، اذا كانت جادة في ذلك، بحسب قوانينها الشرعية. ويمكن إيداع المال لكن من دون أن يشترطوا الفائدة، لأن الله حرمها». النظرية الاسلامية اكثر عدالة لأنها تجعل الخسارة على صاحب رأس المال، كما على العامل. بينما الربا يجعل صاحب رأس المال رابحاً دائماً. وهذا ما يجعل الدول الفقيرة المستضعغة التي تستقرض من البنك الدولي، او من بعض الدول الاخرى، تخضع لشروطها الاقتصادية والسياسية والامنية، كما ان تراكم الفوائد يجعل هذه الدول المستقرضة تحت رحمة الدول المقرضة.
÷ حكي عن علاقة مالية بين «جمعية المبرات الخيرية» واعمال رجل الاعمال المفلس صلاح عز الدين.
^ احب ان اؤكد ان «جمعية المبرات الخيرية» وسائر المؤسسات التابعة لها لم ولن تدخل في أي عمل من هذه الاعمال المرتبطة بالقضية، لا سابقاً ولا لاحقاً. لأن ما تملكه من مال من خلال المحسنين توظفه في المشاريع التي تؤسسها. ونحن الآن لدينا مشروع «المركز الاسلامي في جبيل، والمجمع في بنت جبيل، ومشروع المكتبة العامة التي تؤسس الى جانب مسجد الامامين الحسنين. كما انشأنا مبرة للأيتام في بغداد بكلفة خمسة ملايين دولار. وجهز المبنى الاول (خمسة طوابق على العظم)، فيما سيتم تجهيز المبنى الثاني قريباً، لإيواء الايتام واطعامهم. نحن لا يمكن ان نقدم أي قرش لاي مغامر من مغامري الاقتصاد. وكل من يتحدث ان «للمبرات» مشاركة في هذه الازمة، هو انسان لا يتكلم بكلام صحيح، بل يقول الاكاذيب والافتراءات. لأنني احرّم، بحسب ولايتي على «المبرات»، تحويل هذه الاموال، التي اغلبها اموال شرعية، الى اي مغامرة اقتصادية.
÷ بماذا تنصح الناس من اصحاب الرساميل الصغيرة او الكبيرة؟
^ انصح الناس الذين يعملون على تنمية اقتصادهم، بان يستثمروا اموالهم من خلال اعمالهم، او المشاركة مع الاشخاص الأمناء الذين يشتركون معهم في تنمية المال بالطريقة التي يحصل فيها الربح، الذي يؤدي الى نتائج اقتصادية ايجابية لمصلحة الشريكين.
اثبتت الأزمة المالية العالمية فشل النظام الرأسمالي في عدالة الاقتصاد، من حيث الادارة التي يقودها الاشخاص الذين يسيطرون على اقتصاد العالم. لذلك لا بد من اعادة النظر في النظام الاقتصادي الرأسمالي، ومحاولة الاتيان بتجربة النظام الاقتصادي الاسلامي.
÷ ثمة مؤسسات تقرض الاموال للناس، ممن يرهنون لديها ذهباً، وذلك بناء على تقديرها لسعر الذهب، ثم تستوفي المبلغ من المستقرضين بالتقسيط، مضافاً اليه ما تسميه «برسوم تخزين الذهب والرسوم الادارية». كيف تعلقون على ذلك؟
^ اتصور ان هذه الاعمال قد تكون ربوية، لكن على طريقة ما يسمى بالحيلة الشرعية. ونحن نتحفظ عن كل انواع الحيلة الشرعية.
فاتن قبيسي

Script executed in 0.19648003578186