أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

48 ساعة في دبي

الأحد 06 كانون الأول , 2009 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,531 زائر

48 ساعة في دبي

والى جانبه تقف، دون عمل هن ايضا، ثلاث بائعات. وفجأة اضاءت عيناه. سائح يدخل الدكان ويستطلع ببطء المجوهرات الذهبية الغالية التي يصل بعضها الى 50 الف دولار. بعد دقيقتين عادت النظرة الحزينة الى عينيه. السائح كما تبين، هو مجرد لجوج يسعى الى معرفة القليل عن الاجواء في الفرع في دبي بشكل عام. "نعم" تأوه باسى واضاف: "ايام عسيرة تمر علينا.
مزاج مترد جدا إذ حتى اغنياء دبي ليس لديهم هذه الايام الرغبة في ان يشتروا مجوهرات غالية لنسائهم وبناتهم".

من الصعب التقليل من شدة الضربة المعنوية التي تلقاها سكان دبي. من اللحظة التي هبطت فيها هذا الاسبوع في الامارة الغنية وجدت المهانة اللاذعة التي يحس فيها مواطنوها، الاسى الكبير الذي يلفهم في الايام العشرة الاخيرة. الكثيرون منهم يروون بانهم قدروا بان شيئا سيئا يوشك على الحدوث، ولكن احدا لم يخمن موعد وشدة الضربة الاقتصادية القاسية التي هبطت تماما قبل يومين من عيد الاضحى على واحدة من الامارات السبع التي يتشكل منها اتحاد الامارات العربية، وهي من أغنى الدول في العالم.


كان دبي الاغنياء، 20 في المائة من سكان الامارة، لم يتضرروا بشدة بجيوبهم، ولكن من الحديث معهم ترتسم صورة واضحة جدا - كبرياؤهم تضرر بشدة. الكبرياء الضائع لمواطني الامارة الغنية مس بمزاجهم، ومثلما في الدائرة السحرية ابعدتهم عن المحلات وعن الحياة الرغيدة التي طابت لهم في العقدين الاخيرين.

في مدخل "ناشينال بنك أوف ام الكيوان" التقيت نائب مدير الفرع سعيد بن كيلون ورد على اسئلتي - كسائح آخر فضولي يهتم ببراءة بالسقوط الاقتصادي لدبي - في ما كان يعرض علي ان افتح حسابا في البنك. "جاءتنا هذه كالرعد في يوم صاف"، قال، "اعلم انه في دبي نسمع الرعد مرة كل خمس سنوات. هذه ضربة لم يخلقها الشيطان. انا اخشى جدا أن تعلق دبي لسنوات غير قليلة من الجفاف في البناء، في الاستثمارات وفي التنمية للبنى التحتية. كل الاعمال توقفت في الوسط. نحن لا يمكننا ان نعطي ائتمانا. هنا نخطط لاسوأ الشرور".

امارة دبي، اقل من 2.5 مليون نسمة على مساحة خُمس دولة اسرائيل، تلقت مع نهاية شهر تشرين الثاني ضربة ستستمر لزمن طويل الى أن تنتعش منها. ديون فورية بمبلغ 60 مليار دولار لا يمكن تسديدها فورا، ومصير ما لا يقل عن 70 مليار دولار اخرى من الديون بقي غير واضحا.

التقيت هذا الاسبوع دبي التناقضات. منذ بضعة اسابيع والرافعات الضخمة المنتشرة في ارجاء الامارة المزدهرة معطلة. فقد شم المقاولون شيئا ما قبل شهرين - ثلاثة اشهر، واعمال البناء المجنونة توقف في الامارة في معظمها. مع هذه الرافعات بنت في دبي في السنوات الاخيرة اكثر من خمسين شركة دولية اكثر من 200 ناطحة سحاب، بينها المباني الاعلى في العالم. خمسة مجمعات تجارية ضخمة لا توجد مثلها في أي دولة غربية بنيت هي ايضا. حجم احد المجمعات كحجم كل مركز المدينة في القدس. ويمكن بسهولة أن يضيع المرء وهو يسير في شوارعها الاصلية. كما بني ايضا مطار هو الاكثر المطارات تطورا في العالم، وفي كل المدينة تظهر في ذروتها اعمال بنى تحتية واسعة.

درة التاج هي مشاريع تحلية المياه والري. في هذه الصحراء، التي تصل فيها درجة الحرارة في الصيف الى 55 درجة مئوية، كل شيء متفتح واخضر. ليته عندنا. ويمكن فقط أن نحسد سكان دبي وقرابة مليوني عامليها الاجانب الذين يستمتعون هنا بكل لحظة.

قبل اقل من ثلاثة اشهر فقط في 9/9/09، وهو التاريخ الفريد من نوعه دشنوا في دبي قطار تحتي فاخر. وكان هو وسيلة مواصلاتي في زيارتي الى هناك. نظيف، مريح، سريع، لطيف. كل ما لا تجده في القطارات الخفيفة من القدس وتل أبيب، اعوذ بالله. كما أن مسارات المواصلات العليا تثير الحسد. وينبغي أن يضاف لى ذلك المحلات التجارية المفتوحة لـ 24 ساعة في اليوم وشارع البنوك الفاخر خالد بن الوليد، الذي حتى لسكان منهاتن يوجد ما يحسدوه عليه. مبان ضخمة تستوعب الواحد الى جانب الاخرى البنك الوطني لابو ظبي وبالطبع بنك دبي، "فيرست غولف بنك"، بنك صادرات، الايراني، الى جانب المبنى الفاخر لسيتي بنك، بنك اتش.اس.بي. سي، وناشينال بنك اوف ام الكيواني.

ولكننا قلنا أن دبي أي امارة التناقضات. الصدفة وحدها ادت الى أن اجد نفسي في الامارة الجميلة بالذات في عيد استقلال اتحاد الامارات - اليوم الذي اتحدت فيه الامارات السبع واصبحت قوة عظمى اقتصادية في قارة اسيا وفي العالم بأسره. وهكذا، الى جانب الاهانة والحزن، رأيت عشرات الالاف الذين يحتفلون بالشوارع وفي التجمعات التجارية ولكن حل محل المشتريات هذه المرة الرقص على اصوات الموسيقى العربية الحديثة والتقليدية معا، جلسة لعائلات كاملة في المطاعم والمقاهي في ظل اظهار العزة الوطنية التي نمت بالذات بسبب الازمة واظهرت برفع علم ملون للامارات من كل واحد وواحدة من سكانها المحتفلين، من الشيخ حتى الرضيع.

"نعم، انا حزين ومسرور في وقت لاحق"، قال لي ابراهيم، مدير حسابات في شركة سويسرية تعمل في دبي. "واضح منذ الان لنا جميعا بانه ستكون اقالات في الشركة. صديقي الافضل، من قادتها، سيذهب الى البيت رغم أنه ليس مذنبا في أي شيء. انا نفسي لست واثقا من أني لن اتلقى خطابا مثله. ولكننا نحن دبي حبا روحيا، وسنعيدها الى عظمتها في اقرب وقت ممكن"، ان شاء الله. وبينما كان يتحدث رفع ابراهيم علما ملونا آخر لدبي والصقه بعربة حفيده، سالم ابن الاسبوعين الذين خرج هو ايضا للاحتفال مع ذويه.

Script executed in 0.17705702781677