أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

إصابات سرطانية غامضة وامتناع مسؤولين عن التعليق

الإثنين 14 كانون الأول , 2009 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,894 زائر

إصابات سرطانية غامضة وامتناع مسؤولين عن التعليق

 إصابات سرطانية غامضة وامتناع مسؤولين عن التعليق. «مستوعبات الرعب» على «أو تي في»: عندما تُقفل الأفواه والملفات الرسمية بقدرة قادر

 حاولت الزميلة جوزفين ديب في أقل من ساعة من الوقت أن تكشف حقيقة المستوعبات السامة التي دخلت الى لبنان في العام 1987 في وثائقي حمل عنوان «مستوعبات الرعب»، عرضته قناة «أو تي في» مساء أمس الاول، في حين بدا انه موضوع يحتاج الى سنوات لتنجلي معالمه وتظهر الحقائق فيه، بما أنه مضى أكثر من عشرين عاما على بداية قصته.


بين المعلوم والمجهول أثارت ديب القضية من جوانب عديدة صحية بيئية متجنبة لعبة الاستخدام السياسي. فجمع الفيلم شخصيات رسمية مثل وزير الصحة جوزيف الهاشم (1987) ومحمد جواد خليفة (الوزير الحالي)، ووزيري البيئة أكرم شهيب (1995) وسمير مقبل (1994) لتطويق المشكلة زمنياً وتحديدها من المنظورين الصحي والبيئي في عيون الوزراء. إلا ان كل الآراء الرسمية لم تعبر إلى نتيجة صارمة تجزم مكان اختفاء المستوعبات السامة أو أسماء المسؤولين المتورطين. مع ذلك، استطاع الفيلم أكثر من مرة، وعبر أكثر من شهادة من الاختصاصيين، أن يرسم معالم الخطورة المخفية التي يجهلها الكثير من اللبنانيين، ولو انه اصطدم أكثر من مرة أيضاً برعب الناس من الحديث عن الموضوع، وهذا مصدر العنوان الموفّق «مستوعبات الرعب».

بالرغم أن الفيلم اعتمد على الشهادات أساسا، إلا أن بعض اللمحات الفنية فيه دعمت فكرته الأساسية. تحديداً في ذلك المشهد الذي انتقل من حاويات النفايات إلى مشاهد أخّاذة من جرود كسروان على إيقاع أغنية «لبنان، يا قطعة سما». المشاهد الجميلة سرعان ما بددها ما تقوله ديب حول تلك الليلة التي دقت فيها أجراس الكنيسة عندما أتى من يطمر البراميل السامة في أعالي الجرود.

وكيف أن هناك ضغوطاً تمارس على أهالي بلدة شننعير التي امتنع معظمهم عن الكلام، فكانت الاستعانة بأرشيف التلفزيون لنقل شهادة مختار البلدة يعقوب جعارة كسبيل وحيد للاستماع إلى شهادة
ما. علماً بأن الوثائقي سجّل امتناع العديد من الشخصيات الرسمية عن التعليق أو الكلام مثل القاضي سعيد ميرزا والمدعي العام التمييزي سابقاً عدنان عضوم، كما أشار الفيلم إلى عدم رد حزب «القوات اللبنانية» على استفسارات ديب خصوصاً انه اتهم في تلك المرحلة بتغطية ما يحدث، كما وعد وزير البيئة الحالي محمد رحال بإعادة الاتصال للحديث عن الموضوع لكنه لم يفعل..

برغم غياب هذه الوجوه، أكد الوثائقي على لسان الخبير ويلسون رزق أن أعداد البراميل السامة وصلت إلى خمسة عشر ألف برميل، ستة آلاف منها حُمّلت عبر خمس باخرات إيطالية بالاتفاق مع الحكومة. وفي ما بعد وجدت البراميل فارغة تطوف على وجه البحر وأسماك نافقة بعد أيام. أما البراميل الباقية وعددها حوالى عشرة آلاف فلا يعرف مكانها على وجه التحديد أو من المسؤول عن نقلها وطمرها أو لنقل إخفاءها. ومع الحديث عن وفاة العديد من المواطنين (بينهم أحد الخبراء في القضية) بسبب إصابتهم بمرض عضال لم تعرف أسبابه، برز الرعب، مع علامات الاستفهام التي طرحت بسبب إصابات سرطانية سجلت (في المنطقة القريبة من حيث طمرت البراميل) تصل إلى سبعة آلاف وثلاثمئة إصابة سنوياً، أي ما يفوق الاصابات في الدول الصناعية الكبيرة على حد قول وزير الصحة محمد خليفة الذي تحدث في الفيلم. ويبدو أن هذه الأرقام ليست وحدها الباعثة على المطالبة بإعلان حالة طوارئ، إذ ان هناك أفعالا توازيها بشاعة وتذكر بالممارسات المافياوية، كاتهام من يحاول الحديث عن هذا الملف وفضحه بـ«تهديد الأمن القومي» وحتى العمالة! وهو ما تكرر مع منظمة «غرين لاين» والمحقق بيار ماليشيف الذي دخل السجن وخرج منه إلى المستشفى هذا علاوة على تعرضه للضرب المبرح، وهنا يسجل ماليشيف وقوف النواب وليد جنبلاط وبشارة مرهج ورئيس مجلس الوزراء السابق سليم الحص إلى جانبه ودعمه. كما برز وزير البيئة السابق أكرم شهيب الذي اعتبر في الوثائقي أنه عند تسلمه وزارة البيئة فعل كل ما بوسعه لأخذ خطوات مانعة لاستقدام مواد كهذه بالتنسيق مع السفارات، وإجراءات أخرى مع إدارة مرفأ بيروت وغيرها. لكن الفيلم عاد و«بشّر»، حتى بفضل إضاءته القاتمة التي أحاطت بضيوفه، بانعدام بصيص الأمل في هذا الملف، وهذا ما جاء أيضاً على لسان الزميل بيار عطا الله الذي رأى أن لبنان «بلد مقطوع الأمل منو».

أعاد الفيلم التذكير بقصة طوتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة، فانتقل بصور وشهادات تتقلب من حقبات إلى أخرى في الزمان والتاريخ اللبناني من الحرب الأهلية وما بعدها، وكلها تثبت أن المشكلة لا تزال موجودة برغم إقفال الملفات الرسمية. فألا تستحق الثروة المائية اللبنانية وحياة اللبنانيين إعادة فتح ملف قد يكون سبباً أساسياً في معاناة العشرات من العائلات مع أمراض قاتلة لم تحدد أسبابها بعد؟ وهل من سيحرك ساكناً لإعادة طرح الموضوع ومحاولة إيجاد حلول، أم أن ضغوطا تأتي من «جهات مجهولة» ستتكفل أيضاً بإقفال الملف والأفواه من جديد؟

Script executed in 0.19534802436829