أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

أسامة بري: كنت في إسرائيل في حرب تموز

الثلاثاء 15 كانون الأول , 2009 05:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 15,648 زائر

أسامة بري: كنت في إسرائيل في حرب تموز

حسن عليق
يوم 19 تشرين الثاني الفائت، أوقف فرع المعلومات المواطن أسامة ب. (55 عاماً) في بلدة تبنين الجنوبية. الشُّبهة عند المعنيين بالقضية واضحة وجلية. لكن قيل الكثير عن التوقيت «المشبوه» للتوقيف. فقد حصلت العملية في خضم المعركة الدائرة بين المدير العام لقوى الأمن الداخلي، اللواء أشرف ريفي، وقائد الدرك العميد أنطوان شكور (ومَن يقف خلفهما).
أطراف عديدة في قوى الأقلية النيابية نظرت بعين الريبة إلى قرار التوقيف، وانعكس ذلك في التغطية الإعلامية «الباهتة» التي حظي بها الخبر في وسائل الإعلام المملوكة لأطراف في المعارضة السابقة. في مقابل ذلك، كان المعنيون في قوى الأمن الداخلي يؤكدون أن توقيف أسامة يأتي في سياق ملاحقة المشتبه في تعاملهم مع الاستخبارات الإسرائيلية، وأن متابعة الرجل استغرقت أكثر من 6 أشهر، وخاصة أنه كان قد أوقف كل نشاطاته مع الاستخبارات الإسرائيلية في نيسان الفائت، أي منذ بدء توقيف شبكات التجسس في لبنان، وهي الفترة الزمنية ذاتها التي ساءت فيها حالته النفسية، وعمد خلالها إلى تسجيل ممتلكاته بأسماء أفراد من عائلته. ويؤكد الأمنيون المعنيون بالملف أن توقيت التوقيف مرتبط بتحديد هوية المشتبه فيه، وأن «اللعب» بتوقيت التوقيف لا يمكن أن يتجاوز في حالة مماثلة أكثر من يومين، سواء لتقريب موعد التوقيف أو تأخيره، خشية أن يكتشف المشتبه فيه الملاحقة الأمنية له، ويتمكن من الفرار. وفي حالة أسامة بالتحديد، فإن الفريق الذي كان يلاحق أحد الخيوط التي أدت لاحقاً إليه، أضاع فترة من الوقت، بعد أيار 2009، بسبب ملاحقة شخص تبين أنه لم يكن المطلوب، قبل العودة إلى تحديد أسامة ب.
بعيداً من النقاش الذي دار بعد التوقيف، وبعد مرور أكثر من عشرين يوماً على ذلك، بات بين أيدي المحققين ملف «دسم» يحوي اعترافات «صريحة» للموقوف بالتعامل مع الاستخبارات الإسرائيلية، بحسب ما يؤكد معنيون بالملف. مع بداية التحقيق، كان الرجل ينفي أن يكون لديه ما يخفيه، أو أن يكون قد قام بأي أمر مخالف للقانون. لكنه، خلال الساعات الأولى، أقرّ بعلاقته مع العميل الفارّ إلى فلسطين المحتلة طوني عتمة، وبأنه كان قد دخل إلى الأراضي الفلسطينية عام 1983، بهدف استخدام احد المطارات الإسرائيلية للسفر إلى الولايات المتحدة الأميركية. شيئاً فشيئاً بدأ الرجل يفكّ صمته. في البداية، حدد موعد تعامله مع الإسرائيليين، بواسطة طوني عتمة، بعد عدوان تموز 2006، نافياً أن يكون قد التقى بإسرائيليين، أو أن يكون قد دخل إلى فلسطين المحتلة. وكان سجل سفر الموقوف يؤكد أنه سافر إلى قبرص يوم 11 تموز 2006 (أي في اليوم السابق لاندلاع الحرب)، وعاد إلى لبنان بعد 7 أيام، عبر الأراضي السورية. وعندما سئل أسامة عن سبب زيارته إلى قبرص، أجاب بأنه ذهب إلى هناك بهدف السياحة، وللقاء صديقه طوني عتمة. وفي بلدته، وقبل سفره إلى قبرص، كان أسامة قد ادعى أن أحد أصدقائه، هو رجل أعمال من إحدى القرى المجاورة لبلدته، قد دعاه لتمضية 5 أيام في قبرص.
أمام المحققين، قال أسامة إنه انتظر طوني عتمة الذي لم يأتِ إلى قبرص، وإنه أمضى وقته في الجزيرة محاولاً العودة إلى لبنان الذي كان يتعرض لهجوم عسكري إسرائيلي، قبل أن يتمكن من الانتقال إلى سوريا، ومنها براً إلى بيروت فبلدته تبنين ليخرج أفراد عائلته من تحت القصف. شيئاً فشيئاً، أقر أسامة بأن علاقته بطوني عتمة كانت ذات طابع أمني، وأن عتمة كان يكلّفه جمع معلومات عن المقاومة، مقابل مبالغ مالية يرسلها له.
عند هذا الحد، كانت قد انتهت مهلة الأيام الأربعة المخصصة للتحقيق الأولي، فأحيل الموقوف مع ملف التحقيق الخاص به على النيابة العامة العسكرية حيث ادعى عليه مفوض الحكومة القاضي صقر صقر، وأحاله على قاضي التحقيق العسكري الأول رشيد مزهر، الذي أصدر مذكرة توقيف وجاهية بحقه، ثم أرسل استنابة إلى فرع المعلومات للتوسع بالتحقيق مع الموقوف.
وخلال غياب أسامة في المحكمة العسكرية، كان المعنيون بالتحقيق قد اطّلعوا على سجل المكالمات الخاصة بهاتف عائلته في لبنان، فتبين لهم أن زوجته تلقت اتصالاً من قبرص يوم 11 تموز، وآخر يوم 16 تموز 2006، من دون ورود أي اتصال بينهما. لكن أسامة تحدّث عن وتيرة اتصال مختلفة لزوجته، وأنه كان يتصل بها دائماً خلال وجوده في قبرص. وعندما ووجه بفترة انقطاع الاتصالات الهاتفية، أقرّ بأنه كان خلال هذه الفترة موجوداً في فلسطين المحتلة. وتحدّث أسامة عن تسلمه من عتمة في قبرص جواز سفر إسرائيلياً يحمل رسمه الشمسي، قبل انتقاله جواً إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي اليوم التالي لوصوله، اندلعت حرب تموز. وتحدّث أسامة، بحسب المصادر ذاتها، عن أن مشغليه الإسرائيليين نقلوه إلى ما يشبه غرفة عمليات، وأظهروا أمامه على شاشة كبيرة صورة جوية لبلدته تبنين، وطلبوا منه تحديد مراكز للمقاومة ومنازل لمسؤوليها. وبحسب مصادر مطلعة على التحقيق، فإن معظم المنازل

معظم المنازل التي قصفت خلال حرب تموز في تبنين كانت ممّا حدده أسامة للإسرائيليين

التي تعرضت للقصف خلال حرب تموز 2006 في بلدة تبنين كانت مما حدده أسامة للإسرائيليين أثناء وجوده داخل فلسطين المحتلة، علماً بأن عائلته كانت لا تزال في البلدة خلال الأيام الأولى للحرب. وبعدما أنهى أسامة «مهمته» مع الاستخبارات الإسرائيلية، ثم أخذه للتوجيهات من مشغليه، عاد إلى قبرص، ومنها إلى سوريا فلبنان.
وتحدّث الموقوف عن أنه بدأ بالتعامل مع الاستخبارات الإسرائيلية عام 2000، عبر صديقه عتمة، الذي زوده، عبر البريد الميت، خطوطاً هاتفية لبنانية تستخدم حصراً للاتصال بينهما. وحدد الموقوف للمحققين 3 مخابئ للبريد الميت في خراج بلدة الزعرورية في إقليم الخروب، وهي المنطقة التي اصطحبه إليها رجال الأمن ليدلهم على المخابئ.
كذلك، تحدّث عن أن عتمة زوده حافظةً معلومات إلكترونية (USB) تحوي برنامجاً سرياً يُستخدَم على الكومبيوتر لتحديد الأهداف، قبل إرسال المعلومات إلى الإسرائيليين بطريقة مشفرة عبر الإنترنت. وبعد ذهابه إلى فلسطين المحتلة، انتقل «تشغيل» أسامة من عتمة إلى ضباط إسرائيليين.
وقال الموقوف إنه تخلص من هذه الـ USB بعدما طلب منه مشغلوه وقف تحركاته في نيسان الفائت، وإنه رمى بها في مكب للنفايات، وكذلك تخلص من البطاقات الخلوية التي كان يستخدمها للتواصل مع الإسرائيليين، علماً بأن المحققين عثروا على أحد أجهزة الهاتف الخلوي التي كان يستخدمها. وأشارت المصادر إلى أن الإسرائيليين كانوا قد كلفوا أسامة جمع المعلومات الممكنة عن المقاومة وأفرادها ومراكزها وقادتها في بلدة تبنين، فيما نفى الموقوف أن يكون قد زود مشغليه معلومات عن مواقع خارج بلدته.



السجلات الهاتفية جزءٌ من الصندوق الأسود

 

يقول معنيون بملف الموقوف أسامة ب. إن المحققين لا يزالون مقتنعين بأن أسامة لم يبُح بتفاصيل عمله مع الاستخبارات الإسرائيلية. وبحسب الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من التحقيقات مع الذين أوقفوا سابقاً، لم يحدث أن ترك الإسرائيليون «تشغيل» مخبر لهم في يد عميل لبناني يعمل لحسابهم، إذ عادة ما يتولى العميل تجنيد شخص ما، ثم تُنقل إدارة تشغيله إلى ضباط إسرائيليين. ويقول أحد المطلعين على الملف إن المحققين يرجّحون أن يكون الرجل قد انتقل إلى فلسطين المحتلة أكثر من مرة قبل عام 2006، وذلك بالتسلل عبر الحدود اللبنانية الجنوبية. وأشار أحد الضباط الرفيعين في قوى الأمن الداخلي إلى أن حركة الاتصالات الهاتفية المسجلة في تلك الفترة قد تؤدي إلى تعزيز هذه الفرضية أو حسمها. «إلا أن هذه السجلات الهاتفية بحاجة إلى أشهر للحصول عليها».

Script executed in 0.20170021057129