أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

كـارثـة بحـريـة قبـالـة طرابلـس: أكـثـر مـن 50 بحـاراً مفـقـوديـن وإنـقـاذ 25

الجمعة 18 كانون الأول , 2009 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,454 زائر

كـارثـة بحـريـة قبـالـة طرابلـس: أكـثـر مـن 50 بحـاراً مفـقـوديـن وإنـقـاذ 25
حتى كلمة «فضيحة» لا تكاد تكفي للتعبير عما شهده وشاهده اللبنانيون، بالأمس، في جميع مناطقهم، ولو بنسب متفاوتة. تجاوزت المسألة ازدحام السير الخانق بوصفه مشهدا تقليديا لا بد منه. تجاوزت حدود عاصفة متوقعة قبل أسبوع من موعدها. تجاوزت استنفار القوى الأمنية والعسكرية وبعض الامكانات المتواضعة في الادارات والبلديات.
فجأة وجد اللبنانيون أنفسهم أمام واقع انتهى ليلا بكارثة إنسانية في عرض البحر قبالة الشواطئ الشمالية، ضحاياها عشرات المفقودين وأغلبيتهم من العمال الآسيويين وبينهم لبناني وسوري وعدد من الأوروبيين... وكل ذلك بفعل عاصفة قوية رافقتها أمواج وأنواء عاتية في البحر، من دون استبعاد احتمال وجود مسؤوليات تقصيرية متصلة بحمولة الباخرة الكبيرة وهي في الأصل لم تكن متوجهة نحو المرافئ اللبنانية... ولا مستوردي حمولتها، المؤلفة من عشرات آلاف رؤوس المواشي والأبقار، من حاملي الجنسية اللبنانية.
غير أن مشهد العاصفة في لبنان كله، كان، بالأمس، نافرا وغير مألوف... هو إهمال تاريخي مزمن. نعم. هو تعبير عن افتقاد الحد الأدنى للهيئات التي تراقب أو تحاسب. نعم. لكن المسؤولية تقع أول ما تقع على الحكومة كلها مجتمعة وليس على وزارة أو إدارة بعينها. المسؤولية تقع على البلديات وعلى المتعهدين والمقاولين الذين يسرحون ويمرحون بلا حسيب أو رقيب.. والمسؤولية أيضا على تغلغل الفساد في كل إدارات الدولة... بما في ذلك بعض المفاصل الأمنية التي ترعى المخالفات، كحالة بعض النافذين في عدد من مطاعم وملاهي العاصمة ممن يحولون بعض عناصر الشرطة، الى حراس يغطون مواقف سيارات تحتل الأرصفة والطرقات العامة... والنماذج أكثر من أن تحصى وتعد.
المشهد كله كان نافرا ومعيبا. نعم أقفلت العبّارات في مطمر الناعمة في ساحل الشوف، ومعه معظم عبّارات البلدات الشوفية القريبة، وكان ذلك كافيا وحده لأن يستيقظ الناس على مشهد امتد من الصباح واستمر حتى المساء، حيث غرقت عشرات السيارات في أوتوستراد الناعمة ـ الدامور وتسبب ذلك بزحمة سير خانقة احتجز معها آلاف المواطنين على الطريق الساحلي الجنوبي، وهو أمر تكرر في عدد كبير من شوارع العاصمة وفي الضواحي الجنوبية والشمالية والشرقية.
كان شريط مراسلي «السفير» من أقصى عكار الى أقصى الجنوب مرورا بالجبل والبقاع، يشير الى عدد كبير من حوادث السير، فيضانات أغرقت أراضي زراعية. أنهار فاضت وتبين أن مجاريها لم تشهد ولو الحد الأدنى من أعمال التنظيف، فإذا بها تجر بدل الخير، الخطر على القاطنين قربها أو العابرين الى جانبها كما كانت حال نهر العصفور في شكا أو كما كانت حال بعض الجسور والأنهار في الجنوب وباقي المناطق.
واذا كانت بعض المعالجات لمشاكل مزمنة في العاصمة، قد أعطت نتائجها مثلما هو الحال في منطقة وطى المصيطبة التي نجت من الغرق المزمن، فإن غيابا فاضحا سجل لبلدية بيروت، عن كل ما جرى، وكأنها أوكلت مهمتها الى غيرها...
نعم، المسؤولية كبيرة وتتحملها الحكومة والمجلس النيابي المعني بمساءلتها ومراقبتها. هي مسؤولية مجلس الاعمار الذي يكاد يصادر دور ومهام كل الوزارات ويتحول الى «سوبر وزارة» غير خاضعة للمساءلة والمحاسبة. انها مسؤولية وزارة الأشغال ووزارة الداخلية والبلديات ووزارة الطاقة المعنية بموضوع الأنهار الخ...
ولعل جلسة مجلس الوزراء المقررة يوم الاثنين المقبل، تكون مناسبة لوضع خطة طوارئ حكومية شاملة في مواجهة أية عواصف جديدة محتملة، ولو أن وزير الأشغال غازي العريضي، بدا يائسا من امكان المعالجة «طالما تستمر الذهنية الحالية»، وقال لـ«السفير»: «نعم فالج لا تعالج.. نحن نتحدث منذ أكثر من سنة عن الواقع الحاصل في الوزارات والإدارات ولا أحد يتحرك أو يستطيع أن يأخذ لا حقا ولا باطلا من أحد. بلدية بيروت عندها موازنة بمئات ملايين الدولارات ولا تفعل شيئا. مجلس الانماء والاعمار لا يراقب أحدا ولا أحد يراقبه. الحد الأدنى من المسؤوليات لا يتوفر لأن لا أحد يريد أن يقوم بواجباته ومسؤولياته تجاه المواطنين. دعونا نعيد النظر في البنية كلها. البنية الادارية. البنى التحتية الأساسية. هناك ورشة يجب أن تنطلق وكلما تأخرنا تفاقمت المشاكل.. وما جرى بالأمس خير شاهد ويمكن أن يتكرر».
غرق الباخرة «داني اف 2» قبالة طرابلس
الى ذلك، أفاد مراسل «السفير» في طرابلس غسان ريفي أن العاصفة التي ضربت لبنان والمنطقة، أمس، أدت إلى غرق الباخرة المحملة بالماشية «داني اف 2»، وعلى متنها 83 بحاراً، على بعد أكثر من عشرة أميال من مرفأ طرابلس (20 كلم غرب جزيرة الرامكين، ضمن محمية جزر النخل)، بعد دخولها المياه الاقليمية اللبنانية.
وعلمت «السفير» أن الباخرة (قبطانها البريطاني جون ميلو، تحمل علم بنما، آتية من مرفأ مدينة مونتيفيدو في الأوروغواي) تضم بين بحارتها لبنانياً يدعى أحمد حرب، وسورياً يدعى سامر صالح، بالإضافة الى كهربائي بريطاني، وبحار برازيلي، وآخر أسترالي، واوكراني، وروسي ولاتفي و4 بحارة من الأورغواي، إضافة الى 70 بحارا من الجنسيتين الباكستانية والفليبينية.
وقال العريضي لـ«السفير» انه فور تبلغ الجهات الملاحية اللبنانية بالحادث، حصل تواصل مع الأخوة السوريين ومع القبارصة (ارسلوا مروحيتين)، وفي الوقت نفسه، تحرك فريقا إنقاذ تابعان للجيش اللبناني و«اليونيفيل» وقد وضعنا امكاناتنا جميعا من أجل محاولة انقاذ ركاب الباخرة على الرغم من الأمواج والأنواء العاتية.
وأفاد مراسل «السفير» أنه حتى ساعة متأخرة ليلا أمكن انتشال عشرين شخصا كانوا على قيد الحياة، بينهم ستة نقلتهم «اليونيفيل» بالمروحيات الى مطار القليعات ومنه الى مستشفى اليوسف في عكار، كما خرجت من مرفأ طرطوس الباخرة «محمود» للمشاركة في عمليات الانقاذ، وتمكنت من انتشال خمسة على قيد الحياة.
وعلم أن الباخرة كانت محملة بأكثر من عشرة آلاف عجل، و41 ألف رأس غنم، وأبدت مصادر بيئية تخوفها الشديد من إمكان انشطار الباخرة «داني اف 2» الى قسمين أو تحطم أسوار الحظائر فيها، ما قد يؤدي الى انتشار أكثر من خمسين ألف رأس عجل وغنم على سطح المياه، فتقع كارثة بيئية.
وفي التفاصيل أن الباخرة «داني اف 2» (وكيلتها شركة «فالكون بونت إنترناشيونال»)، أطلقت نداء استغاثة قرابة الساعة الرابعة عصر أمس، ثم انقطع اتصال محطة إرشاد السفن بها، وتبين في ما بعد أنها غرقت.
وعلى الفور، تم الاتصال بوزارة النقل وإبلاغ القوات البحرية في الجيش اللبناني، التي أرسلت نحو تسعة طرادات للانقاذ مع طاقم طبي، وطلبت من بقية القواعد البحرية إرسال طراداتها للاستعانة بها عند اللزوم، فيما أرسلت «اليونيفيل» ثلاثة زوارق أحدها ايطالي واثنان المانيان.
كما طلب مدير عام النقل المهندس عبد الحفيظ القيسي من مدير مرفأ طرابلس أحمد تامر وضع كل الامكانيات الموجودة في خدمة الجيش، وإرسال فريق الانقاذ البحري في الميناء للمساعدة.
وأقيمت في مرفأ طرابلس غرفة عمليات لمتابعة التطورات بقيادة العقيد البحري في الجيش اللبناني نزيه بارودي، وبالتعاون مع تامر وممثلين عن وزارة النقل وعدد من الضباط.
وتشير المعلومات إلى إمكان أن تدفع الأمواج بالبحارة الأحياء وغير الأحياء إلى أماكن بعيدة عن موقع غرق الباخرة، ما سيتطلب جهودا مضنية صباحاً بحثا عنهم. لذلك، سيصار إلى الاستعانة بعدد إضافي من بواخر وطرادات الإنقاذ التي سيرسلها الجيش اللبناني وإدارة مرفأ طرابلس فجرا، فضلا عن الاستعانة بالمروحيتين القبرصيتين وأخرى تابعة للجيش و«اليونيفيل».
وأكدت المعلومات أنه كان يفترض بالباخرة «داني اف 2» أن ترسو على رصيف مرفأ طرطوس، لكن إدارة المرفأ لم تعطها إذنا بالدخول نظرا لكثافة البواخر الموجودة على الرصيف، فطلبت منها الانتظار. إلا أن قبطانها جون ميلو لم يشأ الانتظار وقرر متابعة الطريق نحو مرفأ بيروت. لكنه، بعد ميل واحد من دخوله المياه الإقليمية اللبنانية، واجه أمواجا عاتية أدت إلى فقدانه السيطرة على الباخرة، فأطلق نداءات استغاثة لكن غضب البحر كان أسرع ما أدى إلى غرق الباخرة.
وفي قبرص، قال المتحدث باسم القوات البريطانية ستيوارت باردسلي ان هذه القوات تشارك في عمليات الإنقاذ وأن مروحية أقلعت «من عندنا ليست مجهزة للإنقاذ في الليل ولكن لديها أنوارا كاشفة لتوجيه السفن إلى طوافات النجاة. ويبدو أن حالة الطقس مخيفة في المنطقة».
وصدرت بيانات عن قيادة الجيش و«اليونيفيل» حول مجريات أعمال الإنقاذ.

Script executed in 0.16588807106018