أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

تنصُّل جماعي من صفقة جوازات السفر

الأربعاء 23 كانون الأول , 2009 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,037 زائر

تنصُّل جماعي من صفقة جوازات السفر

قبل نحو عامين، «دقّ ناقوس الخطر في لبنان». فبعد عام 2010، لن يكون في مقدور أيّ لبناني دخول عدد كبير من دول العالم، على رأسها الولايات المتحدة الأميركية ومعظم الدول الأوروبية إذا لم يكن جواز سفره مطابقاً للمواصفات المطلوبة في تلك الدول.
بناءً على ذلك، اتخذ مجلس الوزراء قراراً بالتوجه لاعتماد جوازات سفر جديدة (biometric)، في كل منها شريحة إلكترونية تحوي معلومات شخصية عن صاحب جواز السفر. وبحسب مرجع معني بالملف، اتفق المسؤولون السياسيون على التوجه إلى فرنسا، حيث المطابع الوطنية التي زوّدت لبنان جوازات السفر المعتمدة حالياً، ولأن «الفرنسيين حافظوا على سرية المعلومات التي كانوا يستطيعون الحصول عليها من لبنان».
خلال الأسابيع القليلة الفائتة، تناقل عدد من المسؤولين المطّلعين روايةً تتحدث عن «طبخة» يجري إعدادها بشأن جوازات السفر المنويّ بتّ أمرها قريباً. يقول هؤلاء إن المديرية العامة للأمن العام أرسلت إلى وزارة الداخلية «عرضاً أولياً» يتضمن لائحة بالأسعار التي من الممكن الحصول على جوازات السفر وفقاً لها. وتحدّث هؤلاء عن أن العرض يتضمن شراء 4 ملايين نسخة من جواز السفر الجديد، مقابل 34 دولاراً أميركياً للنسخة الواحدة. وفي هذا العرض، وضعت المديرية اسم شركة «استشارية» في هذا المجال، يملكها سيد الحريري، ابن عم الرئيس الراحل رفيق الحريري. مباشرة، يعود قائلو هذه الرواية إلى عام 2002، عندما قررت الجمهورية اللبنانية استبدال جوازات السفر التي يحملها مواطنوها. حينذاك، جرى شراء مليوني نسخة من جواز السفر المعمول به حالياً، مع الأجهزة المعلوماتية اللازمة لها. وبلغت الكلفة الإجمالية لكل نسخة دولارين أميركيين فقط. ومصدر هذه الجوازات هو المطابع الوطنية الفرنسية. وتولت شركة لبنانية (CIS) تقديم تشغيل برامج المعلوماتية الخاصة بهذه الجوازات، إضافة إلى توفير الأغلفة الشفافة التي توضع على الصفحة التي تحوي المعلومات الشخصية لصاحب الجواز، وهي المعروفة بـ«لامينا». والغلاف المذكور لا يمكن تخزينه لفترات طويلة، لكونه يتلف بعد مدة إذا لم يوضع على جواز السفر. وتتولى شركة CIS، نقل كمية من أغلفة اللامينا إلى بيروت، حيث تودعها لدى مصرف لبنان، لكي يستخدمها الأمن العام. وخلال حرب تموز 2006، وقع خلاف بين المديرية العامة للأمن العام وشركة CIS. طالبت الشركة بمبلغ إضافي على ما كانت قد تقاضته عام 2002 مسبقاً، «بسبب فارق أسعار النقل من فرنسا إلى لبنان، نتيجة ارتفاع أسعار النفط وفروق صرف اليورو». اعترضت المديرية على مطلب الشركة، وكذلك وزارة الداخلية التي رفضت دفع أي مبلغ إضافي. وبناءً على ذلك، يضيف المرجع المعني، قال وزير الداخلية آنذاك إن رجل الأعمال سيد الحريري «عرض خدماته في هذا المجال». فكان الاتفاق مع الحريري على أن تتولى شركته نقل أغلفة اللامينا إلى بيروت، مقابل الكلفة فقط. لكن مصدراً آخر (يقف في صف شركة CIS) أكّد أن «الشركة كانت توفّر أغلفة اللامينا رغم العدوان الإسرائيلي والحصار. وهي طلبت مليار ليرة لبنانية إضافياً، وهو ما رفضته وزارة الداخلية مفضّلة دفع ملياري ليرة لشركة سيد الحريري، علماً بأن CIS لا تزال توفّر الخدمات المتعلقة بتشغيل نظام المعلوماتية الخاص بجوازات السفر وصيانته». إلا أن مصدراً رفيعاً في الأمن العام يؤكد أن الخلاف بين المديرية وشركة CIS انتقل إلى القضاء، بهدف إلزام الشركة دفع ما كانت قد قبضته مسبقاً لقاء توفير اللامينا. وخلال عام 2010، سينتهي العقد الموقّع مع شركة CIS. وبات لزاماً على الدولة اللبنانية إما استدراج عروض جديدة لتشغيل النظام وصيانته، وإما توفير جوازات السفر الجديدة (biometric). ويبدو أن التوجه العام يقضي باللجوء إلى الحل الثاني.
وبعدما أثيرت مسألة العرض الذي تقدمت به المديرية العامة للأمن العام لوزارة الداخلية (4 ملايين نسخة مقابل 34 دولاراً للنسخة الواحدة)، سُئل رئيس الحكومة سعد الحريري عن هذه القضية. وبحسب أحد مساعديه، فإن الحريري اتصل فور علمه بالعرض بوزير الداخلية زياد بارود قائلاً: «ليس لديّ أقارب. وأنا أعرف أنك تصرّ على إجراء مناقصة في هذا الملف، وأنا مصرّ على ذلك أيضاً». ويؤكد أحد المقربين من الحريري أن الأخير لم يقصد بما قام به توجيه اتهام لأحد، وهو لم يتبنّ رواية «الطبخة»، إلا أنه أراد قطع الطريق على كل من سيحاول زجّ اسم عائلته في أمر مماثل.
طرف آخر معنيّ بالقضية هو المديرية العامة للأمن العام. وبحسب أوساط مديرها العام، اللواء وفيق جزيني، فإن الأخير ينفي قطعاً أن يكون قد أرسل عرضاً إلى وزارة الداخلية بـ34 دولاراً لجواز السفر الواحد. وهو أصلاً «لم يرسل أي عرض للوزارة، وهو غير مهتمّ إلا بأن يقرّ المشروع سريعاً، وفق أفضل الشروط التي يمكن تحصيلها لمصلحة الخزينة اللبنانية والمواطنين، لكي لا يدخل اللبنانيون في معضلة عدم الحصول على تأشيرات إلى معظم الدول التي يقصدونها». ولا يتوقع جزيني أن يرتفع سعر النسخة الواحدة عن 12 يورو حداً أقصى.
لكن أحد المقرّبين من وزير الداخلية، زياد بارود، أكّد لـ«الأخبار» أن الوزارة تسلمت من المديرية العامة للأمن العام العرض المذكور، وأن الوزير رفضه مباشرة، مصرّاً على إجراء مناقصة. وكان بارود قد سأل وزيرة الداخلية الفرنسية، بطريقة غير رسمية، عن كلفة جوازات السفر البيومترية في فرنسا، فأجابته بأنها تقارب 10 يورو للنسخة الواحدة، علماً بأن مصدراً واسع الاطلاع أكد أن أسعار التصدير تكون أقل من أسعار السوق المحلية في فرنسا. كذلك استعلم بارود عن الشركات التي تعمل في هذا المجال. وهو يضع معايير أولية ينبغي الالتفات إليها، من ناحية الشروط الأمنية وتوفير أفضل الأسعار للدولة اللبنانية، وستوضَع في دفتر للشروط تمهيداً لاستدراج عروض. وأشار المصدر إلى أن اجتماعاً عُقد أول من أمس بين بارود وجزيني، وأن الأخير «مقتنع تماماً بتوجه الوزير».
34 دولاراً للنسخة الواحدة، أو 16 دولاراً في حدّ أقصى. الفارق بين الرقمين يتخطى 70 مليون دولار، لأن المطلوب هو 4 ملايين نسخة. وعلى طلب 4 ملايين نسخة يعترض عدد من المسؤولين، لأن اللبنانيين لم «يستهلكوا» على مدى السنوات السبع الماضية مليوني جواز سفر جرى شراؤها من المطابع الوطنية الفرنسية.

Script executed in 0.17263102531433