أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

غلطة ريا الحسن

الخميس 24 كانون الأول , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,504 زائر

غلطة ريا الحسن

قضية موافقة مجلس الوزراء على تمديد اتفاقية قرض بين لبنان وفرنسا من دون إحالتها على المجلس النيابي، خلافاً للدستور، لا تزال تتفاعل، ما اضطر وزيرة المال ريّا الحسن إلى تقديم توضيحات بشأن قانونية توقيعها على التمديد، فإذا بها تزيد على المخالفات المرتكبة مخالفة إضافية تتمثل بإعلانها أن موظّفاً برتبة أمين عام لمجلس الوزراء هو الذي فوّض إليها التوقيع بعد موافقة «شفهية» من رئيسَي الجمهورية والحكومة!

«حاولت أن تكحّلها، فأعمتها»، هذا ما يقوله المثل الشائع، وهذا ما ينطبق أيضاً على التوضيحات التي أدلت بها وزيرة المال ريا الحسن امس، ردّاً على التشكيك بدستورية اتفاقية القرض الممددة بين لبنان وفرنسا في إطار تنفيذ التزامات باريس 3... فبعدما جزم خبراء في الدستور (راجع «الأخبار» أمس) بأن هذه الاتفاقية (وكل اتفاقيات قروض باريس 3 وشروطها) تحتاج إلى تصديق مجلس النواب، بحسب نص المادتين 52 و88، وجزمهم كذلك بأن التعديل (أو التمديد) يقع في المنزلة نفسها للاتفاقية، أي إنه يحتاج إلى قانون لا إلى إعلام مجلس الوزراء فقط، كما حصل في جلسته الأولى يوم الاثنين الماضي، رأت الوزيرة الحسن أن هناك لغطاً يحصل في تفسير الأمور. فما قامت به، أي توقيعها على تمديد الاتفاقية لمدّة سنة قبل 3 أيام من حصولها على إجازة مؤخّرة من مجلس الوزراء، كان قانونياً ودستورياً!

توضيحات الحسن

كيف؟ بحسب توضيحات وزيرة المال، فإن الاتفاقية التي وقّعها وزير المال السابق جهاد أزعور في باريس في شباط 2008، من دون تصديق مجلس النواب عليها، ومن دون إشراف رئيس الجمهورية الذي يمتلك وحده الحق في التفاوض على المعاهدات الدولية، استمدت شرعيتها الدستورية من القانون الرقم 476 الصادر عن مجلس النواب بتاريخ 12/12/2002، الذي يجيز للحكومة الاقتراض بفوائد أقل لاستبدال ديون قائمة. وأضافت أنها، بسبب ضيق الوقت، حصلت على تفويض مسبق من الأمين العام لمجلس الوزراء، عليه موافقة من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وقالت: «أنا لم أكن لأوقع لو لم يكن ثمة تفويض واضح، وعلى هذا الأساس وقعت ومددنا مدة الاستفادة من الاتفاقية».
إلا أن مصادر وزيرة المال نفسها أكّدت أن التفويض المذكور لم يوقّعه الرئيسان ميشال سليمان وسعد الحريري لانشغالهما حينها، ولم يتضح ما إذا كان هذا التفويض خطّياً أو شفهياً، فضلاً عن أن خبراء في الدستور والقوانين قالوا لـ«الأخبار» إن مثل هذا التفويض لا يُعتدّ به أبداً.
وبات معروفاً أن الاتفاقية المذكورة تتضمن قرضاً بقيمة 375 مليون يورو، بفائدة السوق العادية، وهو مقسّم إلى 3 شرائح، أُولاها بقيمة 150 مليون ليرة، وقد سحبتها الحكومة السابقة، واستعملتها في تمويل الإنفاق العام، أي إنها لم تكن مخصصة لاستبدال دين قائم بدين جديد أقل كلفة، وبقيت شريحتان، لا يمكن الحكومة سحبهما إلا بشروط محددّة، منها بيع رخص وأصول الخلوي وإعادة هيكلة قطاع الكهرباء، ما يجعل منها بمثابة معاهدة دولية.
وأشارت الحسن إلى أن المهلة المنصوص عليها لتنفيذ هذه الشروط، والاستفادة من بقية القرض، تنتهي في آخر هذه السنة، فاتُّفق مع الجانب الفرنسي على تمديد هذه المهلة إلى آخر سنة 2010، وبالتالي، بحسب توضيحات الحسن، فإن ما حصل لا يرتّب أي شروط أو قيود جديدة، وإذا قررت الحكومة الاستفادة من بقية القرض، فإنها ستحيل مشاريع قوانين تتعلق بالشرطين المذكورين على مجلس النواب.

ردّ سليم جريصاتي

وقد ردّ عضو المجلس الدستوري سابقاً، سليم جريصاتي، على توضيحات الحسن، مشيراً إلى أن القانون الرقم 476/2002 الذي يجيز فيه مجلس النواب للحكومة، في إطار إعادة هيكلة الدين العام وخفض كلفته، الاقتراض بالعملات الأجنبية لاستبدال ديون قائمة بفوائد أقل وضمن حدود زمنية ومالية محددة، لا يجوز التوسع في تفسيره لأن السلطة المشترعة عندما تتنازل عن بعض صلاحياتها وفقاً لأحكام الدستور، إنما يكون هذا التنازل بمواضيع محددة ولأزمان محددة، لأنه لا يجوز على الإطلاق التنازل كلياً عن اختصاص دستوري.

الوزير حرب: تبيّن لي أن ّ اتفاقية القرض مع فرنسا تحتاج إلى قانون

 

جريصاتي وخوري: قروض باريس 3 المشروطة تخرج حتماً عن إجازة مجلس النواب بمقتضى القانون 476

وبالتالي، عندما يصدر عن مجلس النواب قانون تفويض يجب أن يُفسّر التفويض حصراً... ويتابع جريصاتي: إذا كان الأمر يتعلق بقروض حرة، فالهدف منها تغذية حساب إدارة الدين العام وخدمته وخفضه، فلا مشكلة في الأمر. أمّا إذا كان الأمر يتعلق بقروض مشروطة، كما هي الحال تحديداً في القرار الذي صدر عن مجلس الوزراء في تمديد مهلة إعداد دفاتر شروط تتعلق بعمليات خصخصة، فالأمر يخرج حتماً عن قانون التفويض، لأنه يتعلق بموجبات تفرضها الجهة المقرضة على الدولة اللبنانية، منها وضع دفتر شروط لبيع رخصتي الخلوي مثلاً، أو الأخطر بيع الرخصتين والأصول، أو مجرد إعداد دفتر شروط لخصخصة الخلوي، ما يعني أنه بمجرد أن يصبح هذا القرض، كما هي الحال بالنسبة إلى قروض باريس 3، مشروطة بمثل هذه الشروط التي تمس بمالية الدولة وأصولها تخرج حتماً هذه القروض عن إجازة مجلس النواب بمقتضى القانون 476/2002.
ويضيف جريصاتي أنه سبق أن صدر مرسوم 10052 في 15/4/2003 بناءً على القانون 476/2002، ونصت مادته الأولى على أنه يجاز اقتراض مبلغ معين باليورو من الوكالة الفرنسية للتنمية وتحويل المبالغ إلى «حساب ادارة وخدمة وخفض الدين العام»، وهذا قرض حر ولا اعتراض على الاطلاق على هذا المرسوم، فالاقتراض حر تم بشروط تتلاءم مع احكام القانون 476. أما في حالة باريس 3، فنحن ندخل في شروط وموجبات مفروضة على الدولة اللبنانية، ولا بأس اذا ارتضت الدولة اللبنانية ذلك عبر مؤسساته الدستورية، أي عبر مجلس النواب.
إذاً، المقصود، بحسب جريصاتي، ان التفويض الوارد في القانون 476 ليس تفويضاً مطلقاً، بل الهدف منه هو استبدال ديون قائمة باستحقاقاتها بديون أخرى أقل كلفة على الخزينة، هذا هو موضوعه فقط... «فإذا ذهبنا في منطق ان مجلس النواب تنازل عن الصلاحية المحفوظة له صراحة في المادة 88 من الدستور، فالأمر غير جائز أصلاً بصورة مطلقة تحت طائلة مخالفة الدستور، كذلك فإن الدستور لا يمكن الالتفاف عليه بقوانين ولا بمراسيم تطبيقية. وبالتالي، فإن القانون 476/2002 لا يمكن البناء عليه اطلاقاً لتأسيس اتفاقيات باريس 3 بموجبه، لأن اطار التفويض في القانون لا يحتمل هذه الشروط والموجبات والاصلاحات المفروضة في معرض هذه القروض، والأمر محسوم ولا يقبل الجدل، وقال جريصاتي: «أفهم أنّ هناك توافقاً في البلد على مستوى السلطات، كذلك أفهم أن ينسحب هذا التوافق على عمل المؤسسات، لكن لا يمكن أن أقبل بأن تتم هذه التفاهمات على حساب الدستور والقوانين المرعية».
أما في ما يختص بالتوافق المزعوم الحاصل بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، الذي قد يكون أفاد به أو اعلنه الأمين العام لمجلس الوزراء، فالمادة الـ52 من الدستور صريحة في نصها على آلية إبرام المعاهدات الدولية، فرئيس الجمهورية هو الذي يتولى المفاوضة في المعاهدات الدولية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، على أن تمر المعاهدة المذكورة بمرحلتي إبرام، المرحلة الأولى الإبرام الإجرائي، أي موافقة مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين على المعاهدة بعد الاتفاق الرئاسي عليها، والمرحلة الثانية الإبرام التشريعي، أي موافقة مجلس النواب على بعض المعاهدات المحددة في الدستور، وهي المعاهدات المتعلقة بمالية الدولة العامة أو المعاهدات التجارية أو تلك لا يمكن فسخها سنة فسنة، والتزامات باريس 3 تدخل في هذا التصنيف بامتياز.

يوسف سعد الله الخوري

وقال رئيس مجلس شورى الدولة السابق، يوسف سعد الله الخوري، لـ«الأخبار»، إن المادة الـ52 من الدستور صريحة وتقول إن رئيس الجمهورية هو من يتولى المفاوضة، وإذا كان يوجد تفويض شخصي منه إلى أحد آخر لإجراء المفاوضة، تكون المفاوضة تحت إشرافه المباشر وبإمرته، وغير ذلك لا يعتبر صالحاً ابداً في الدستور. ويستغرب الخوري كيف للأمين العام لمجلس الوزراء أن يكلّف وزيرة المال المفاوَضة، ووفق أية صلاحية، ويشرح أنه درج بروتوكولياً أن وزير الخارجية هو من يتولى المفاوضة تحت إشراف رئيس الجمهورية مباشرة، وبالتالي فإن رئيس الجمهورية وحده يستطيع التفويض إلى مرجع آخر، على أن يطلع مجلس الوزراء بواسطة رئيس الحكومة.
ويشدد الخوري على أنه لا نص يحجب أو يلغي وجوب تطبيق المادة الـ52 التي تعطي الصلاحية في المفاوضة (بخلاف كل ما يقال) لرئيس الجمهورية في أن يتولى مباشرة أو بواسطة من يكلفه شخصياً هذه المهمة. وبحسب المبادئ العامة للقانون، فإن الصلاحيات تمارس من أصحابها ولا يجوز تفويضها إلا من قبل هؤلاء مباشرة وبنص صريح. على هذا الأساس، إذا كان رئيس الجمهورية ليس له يد بالمفاوضة ومن ثم بالتوقيع يكون كل تصرف على هذا النحو في غير محله القانوني وباطلاً.
أما في ما يتعلق بالقانون الرقم 476، فأشار الخوري إلى أن المادة الـ52 من الدستور توجب إخضاع مثل هذه الاتفاقيات إلزاما لمجلس النواب، فلا تصبح أي معاهدة أو أي اتفاقية من هذا النوع مبرمة ونافذة إلا بعد التصديق عليها بقانون من مجلس النواب، والقانون 476 لا يحجب تطبيق المادة 52، لأن الدستور لا يمكن أن يعدل بقانون عادي، فتعديله يخضع لأصول صارمة وجوهرية منصوص عليها تحديداً في المادتين 76 و77 من الدستور ولا يمكن الشذوذ عنها إطلاقاً.

الوزير بطرس حرب

وانضم وزير العمل بطرس حرب إلى الوزراء المطالبين بمعالجة المخالفة الناجمة عن تمديد هذه الاتفاقية، إذ قال في اتصال مع «الأخبار» إن أي اتفاقية خارجية ترتب أعباءً مالية على الدولة لا بد من أن يوافق عليها مجلس النواب ليصبح بإمكان الحكومة إبرامها، وقال إنه تابع قضية اتفاقيات باريس 3، وتبين له أنه «في حالة الاتفاقية الراهنة، إذا لم تكن مستندة إلى قانون سابق يسمح بتمديد أجلها، يجب أن تخضع لموافقة مجلس النواب لتبرمها الحكومة». وأضاف: «تأتي إثارة هذا الموضوع من قبيل تأكيد اللازم، أي يجب أن يذهب هذا القرض إلى مجلس النواب، ولا يصبح هذا التوقيع ملزماً للدولة إلا بعد موافقة مجلس النواب».
امّا بالنسبة للتفويض التي حصلت عليه الوزيرة ريّا الحسن من الأمين العام لمجلس الوزراء، فقال: «من الواضح أن دور الأمين العام هو إداري ويتعلق بإبلاغ الوزير المختص والتوقيع على المعاملة الإدارية»... لكن حرب لم يحسم ما اذا كان رئيسا الجمهورية والحكومة قد وقّعا تفويضاً بهذا المعنى أو أن التفويض أتى من موظف في مجلس الوزراء إلى وزير.
(الأخبار)



225 مليون يورو

 

هي قيمة الشريحتين غير المسحوبتين من القرض الفرنسي، بسبب اشتراط بيع رخص الخلوي وأصوله وإعادة هيكلة قطاع الكهرباء، وهذا ما دفع البعض إلى التساؤل عن سر الاندفاع لتمديد الاتفاقية في ظل الخلاف الواضح على هذين الشرطين.



المخالفة من صلاحيات الحكومة

 

لعل أبلغ تعليق على اعتراض بعض الوزراء على ارتكاب مخالفة للدستور بتمديد اتفاقية القرض الفرنسي من دون إجازة من مجلسي الوزراء والنواب، جاء من النائب عمار حوري، إذ استغرب «الحملة المبرمجة من البعض في مجلس الوزراء على الصلاحيات الحكومية بطريقة ذكرتنا بالمرحلة السابقة التي يفترض أن اللبنانيين قد أجمعوا على تجاوزها وعلى تجاوز الكيدية السياسية التي رافقتها. ومما زاد في استغرابنا تناقض هذه الحملة مع ما أعلنه الجميع من نية للانطلاق بلبنان نحو الأمام في ظل سياسة انفتاح يمارسها رئيس الحكومة في الداخل والخارج».

Script executed in 0.19541788101196