أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«القوّات» و«ضائقة الشرعيّة»: المكابرة بدل البحث في الأجوبة

الثلاثاء 29 كانون الأول , 2009 06:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,730 زائر

«القوّات» و«ضائقة الشرعيّة»: المكابرة بدل البحث في الأجوبة

سهّل الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله على خصوم المقاومة في لبنان الأمر. قال لهم إنه يتفهّم وضعهم ومشكلاتهم، التي جعلتهم لا يجدون غير المقاومة وسلاحها هدفاً لهجومهم. لكن إشارة السيد نصر الله في خطاب عاشوراء إلى أهمية المراجعة السياسية من جانب المسيحيين عموماً، بدت خدمة إضافية لهؤلاء الخصوم، الذين تتقدّمهم «القوات اللبنانية» راعية من بقي من مسيحيي 14 آذار، بعد انفراط عقدها السياسي جرّاء انفكاك الصمغ اللاصق لقواها طيلة السنوات الماضية. وهي خدمة تعالج الجانب النفسي المتحكّم في عمل هذه الجهة داخلياً، بعد معاناة طويلة واجهتها منذ توقّف الحرب الأهلية عام 1990.
وجاءت ردود فعل وتعليقات مجموعة «القوات» على كلام نصر الله، لتعكس هذه الحالة، حيث بدا كل الذين تحدثوا في حالة زهو لأنهم تعرضوا لمواجهة مباشرة مع أكبر قوة حزبية مؤثّرة في لبنان والمنطقة، ولأن الذي خاطبهم لا يزال الشخصية الأكثر شعبيةً وصدقيةً بين جميع القادة في العالم العربي وربما أكثر. وهو الزهو الذي يذكّر بالطلاب الذين يسرّون بالإشارة إلى أسمائهم ولو كانوا في خانة آخر الراسبين. لكن المشكلة الأكبر، هي في أنّ هذه المجموعة ترد بعشوائية لا تتناسب مع الطبيعة التنظيمية الحديدية لمجموعة «القوات»، الناجمة عن سلطة القائد (العائلة) القائم إلى الأبد، أو عن السلطة الدينية، التي يستوحيها حكيمها بفعل علاقته الخاصة بالقدّيسين، والتي يبدو أنها تفاعلت أكثر خلال سنوات سجنه.

يواجه القواتيون أزمة تبدو مستدامة للحصول على الاعتراف بهم من الأقربين والأبعدين

حالة «القوات» هذه ترتبط أيضاً، بكون مشكلتها في وسطها الداخلي الضيّق معقّدة للغاية، ولدى الآخرين، من بقية اللبنانيين أكثر تعقيداً، ومن ثَمّ هناك الأزمة الأكبر مع الخارج، القريب منه والبعيد. وهي تعود إلى «ضائقة الاعتراف»، أي ما يتصل بكون المسيحيّين أنفسهم، الذين قرّروا في نهاية الحرب الأهلية مواجهة آفة الميليشيات ووجدوا في «القوات» خصماً ناصبوه العداء، ومالوا يومها إلى العماد ميشال عون، بوصفه ممثل الدولة المغتصبة من هذه الميليشيا. ثم جاءت سنوات الهدوء لاحقاً لتكشف روايات هائلة على لسان مواطنين عن العذاب الذي واجهوه خلال حكم «القوات» والكتائب. وهو أمر انتقل في الفترة الأخيرة إلى الكنيسة نفسها، التي بات من الصعب العثور فيها على رجال دين أصحاب رأي ومعرفة يقرّون بالتمثيل المسيحي بمعناه الديني قبل السياسي لمجموعة «القوات». وأكثر من ذلك، أظهر مسيحيون من فئات مختلفة رفضاً له جذور طبقية واجتماعية لمجموعة «القوات». وهو أمر انعكس في التراجع غير العادي لنفوذ هذه المجموعة السياسي والشعبي في أكثر من منطقة خلال العقدين الأخيرين.
عندما حصلت أحداث عام 2005، لم يكن مقدّراً لهؤلاء، ولآخرين من مسيحيّي 14 آذار، أن يحظوا بهذه الجائزة: هل حصل أن فاز مواطن واحد بجائزتَي اللوتو واليانصيب في ضربة واحدة: قُتل رفيق الحريري، الخصم المسلم الذي جاء ليرث المارونية السياسية في البلاد والمنطقة وعند الغرب. وخرَج الجيش السوري من لبنان دفعة واحدة. كانت هذه الصدمة أكبر من أن يقدر تنظيم بحجم مجموعة «القوات» على أن يستوعبها. كانت الفرضية تقول إن خروج «الحكيم» من السجن يكفي في المرحلة الأولى، وإنه لا بأس من الاختباء وقتاً إضافياً تحت عباءة بكركي أو رئاسة الجمهورية أو ميشال المر أو الأجهزة الأمنية الرسمية، لكن ما حصل أوجب التطلع إلى الدور العملاني الغائب لدى كل الفريق السياسي المسيحي، العامل في خدمة السلطان في لبنان وخارجه.
ومع ذلك فقد ظلّت عقدة «القوات» هي ذاتها: نقص في الاعتراف المباشر بهم من جانب الآخرين. ومنذ اليوم الأول لانطلاقة الحصاد السياسي لمجموعات 14 آذار، وُضعت هذه المجموعة أمام المقايضة المفتوحة: اعتراف غير كامل مقابل خدمات كاملة. وهذا ما حصل. فقد قدّمت هذه المجموعة ولا تزال الخدمات العملانية اليومية إلى كلّ مسيحيّي 14 آذار وإلى الحلفاء السابقين من مسلمي 14 آذار، مقابل منحهم مقاعد نيابية. والاعتراف غير الكامل، يعني أنه لم يحن بعد الوقت الذي يعلن فيه سمير فرنجية وميشال معوض انضواءهما تحت عباءة «فلّاح بشري». ولم تقبل ابنة «النهار» ولا غيرها من مرشحي الأشرفية الالتحاق بكتلة الميليشيا التي «عاثت في الأحياء». ولم يقوَ نديم الجميل على ترك العائلة والالتحاق بجنديّ خدم في جيش أبيه. كما لم تفلح محاولات «القوات» في انتزاع تمثيل وزاري مباشر، وهي التي تخشى منذ اليوم على نصف تمثيلها النيابي في الانتخابات المقبلة، بعدما عاد الغضب إلى وجه الزعيم الدرزي في الجبل، وبعدما انكشفت الخدعة على أهل زحلة.

لبنان تغيّر وكذلك العالم وغادر مسلمو 14 آذار شعارات الجبهة اللبنانية

صحيح أن «القوات» لم تغيّر في مواقفها، وأن الآخرين ردّدوا ما كانت تقوله خلال سنوات سابقة على توقّف الحرب الأهلية. لكن المشكلة أن هؤلاء الذين ردّدوا هتافات «القوات» وشعاراتها اكتشفوا في مدّة زمنية تقل عن تلك التي فصلت اندلاع الحرب الأهلية عن جرائم «توحيد البندقية المسيحية» أن هذه الشعارات لا تنفع، وليست صالحة لشيء. تغيرت الدنيا ولم يعد بالإمكان إعادة الناس ثلاثين سنة إلى الوراء. فلا المدينة بقيت على حالها، وأولاد الريف الذين هاجروا بهدف العلم أو العمل باتوا شركاء في كل شيء، في المال قبل القرار. ولم تعد المنطقة من حولنا هي ذاتها، ولم تعد إسرائيل هي ذاتها ولا أميركا أيضاً. ومشكلة هذه المجموعة، في كونها ترفض الإقرار بأن ما جناه اللبنانيون من ثمار سوداء كان جراء هذه السياسة وهذه الشعارات، وأن التمسك بها على قاعدة «عنزة ولو طارت» لن يفيد في شيء، حتى ولو ارتفع الصراخ قليلاً، أو اجتمع الحشد حول علم أو لافتة أو قسّيس.
يتصرف «القواتيون» اليوم، بزهو إزاء توجّه السيد نصر الله إليهم كجزء من مجموعة يعتقد نصر الله أنها تواجه سؤالاً مركزياً في هذه الحقبة، لكنهم بدل أن يفحصوا السؤال، ويبحثوا في إمكان وجود إجابة واضحة تتجاوز المملّ من عبارات «الدولة والعبور إليها»، ذهبوا إلى اللعبة السمجة نفسها، باعتماد لغة لا تنفع في منحهم حجماً أكبر من حقيقة الأمر، فلا العبوس في العتمة ينفع لأن أحداً لن يلحظه، ولا التبوّل تحت المطر يترك له أثراً بين الماء، ولا نحن أمام فيلم كرتون يجعل الفأر فيلاً متى أراد المخرج.


Script executed in 0.17599701881409