أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

بحر الناقورة: مسبحاً شعبياً؟

الأحد 31 تموز , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 10,144 زائر

بحر الناقورة: مسبحاً شعبياً؟

يزدحم بحر مدينة صور بالروّاد الذين يقصدونه من مناطق مختلفة. من بيروت شدّت زينة رحالها مع أسرتها وأصحابها إلى الجنوب يوم الأحد الفائت. هذه ليست المرة الأولى التي تقطع فيها مسافة 83 كيلومتراً «للتمتع ببحر نظيف ورمال ذهبية في محيط هادئ»، تقول. على خط بيروت ـــــ بحر صور المباشر، تسير زينة من دون التفاف، ليس لأنها تخشى خوض غمار أمكنة لا تعرفها، بل لأنها تسير وفق خريطة سياحية بين يديها. من هنا، إذا اقترحت عليها أن «تجرّب» بحر الناقورة، فإنها قد تضيع تماماً وتحسب أن المكان المقترح ليس في لبنان أصلاً.
ليس ذنب زينة أنها لا تعرف الطريق إلى الناقورة، فالكثير من أبناء المنطقة لم يدخلوا في روزنامتهم بعد ذلك الموقع الذي احتلته اسرائيل حتى عام 2000، ثم احتله الحرمان والتغييب بعد التحرير. يتحسّر علي عواضة لاضطراره إلى أن يقصد صور للسباحة، فيما بحر الناقورة يترامى أمام بيته. فالشاطئ الذي يراوح بين الصخري والرملي، لم يحظ، رغم مرور 11 عاماً على التحرير، بمشروع استثماري يعيد الناس إليه ويحوّله إلى مصدر انتعاش اقتصادي للمنطقة. وبالنظر إلى الواجهة البحرية للناقورة التي كانت عبارة عن أراض زراعية قبل سنوات، نجد أن أقساماً واسعة عند مدخلها أصبحت «جرداء». فيما تتوزّع المساحات المتبقية، إلى منشآت تابعة لمرفأ الناقورة ولقوات اليونيفيل من مقرها العام الى مهبط لمروحياتها. أما باتجاه رأس الناقورة، فلم يبق سوى انقاض لمقاه ومطاعم كانت تعمل إبّان الاحتلال. يذكر أن المخطط التوجيهي كان قد لحظ أن واجهة الناقورة مناسبة للتصنيف الزراعي. لذلك لم تجد الحكومة أثناء وضع التخطيط أن تلك الواجهة مناسبة أيضاً للاستثمار السياحي.
إزاء حرمان أهل الناقورة ومنطقتها من التمتع ببحرها، اقترح رئيس بلديتها السابق، وعضو المجلس الحالي محمود مهدي عام 2007 تجهيز جزء من شاطئ الاسكندرونة الواقع عند مدخلها الشمالي. حينها، استفاد من مشروع التوأمة البيئية الذي كان قد وقعه سلفه حسين درويش عام 2004 مع جمعية «بحر لبنان» التي أسسها الرئيس رفيق الحريري. ونصّ الاقتراح على «ترميل» الشاطئ المعروف بـ«ميناء الرمل» الذي تحوّل إلى صخري بعد قيام عدد من الاشخاص بشفط الرمول إبّان الاحتلال. ونتيجة التعاون بين البلدية والجمعية، يمكن الحصول على شاطئ رملي شعبي يمتد على مساحة دونمين من أصل تسعة دونمات، هي المساحة الإجمالية للعقار. إلا أن التصوّر الأولي لم يشمل استثمار الميناء اقتصادياً كاستحداث مقاه أو خيم بحرية على غرار شاطئ صور، بإشراف البلدية.
في مطلع العام الجاري، وضع المشروع قيد التنفيذ. تولّت الجمعية الحصول على التراخيص اللازمة من وزارة النقل والأشغال العامة، فيما تولت البلدية التفاوض مع مالكي العقار لنيل موافقتهم. الوزارة أبدت موافقتها الكاملة، خصوصاً أن استراحة صور السياحية كانت قد طلبت إزالة كميات من الرمول الزائدة من شواطئها، ما وفّر للوزارة رسم خريطة لسحب الرمول من صور وفرشها في الناقورة. وبموازاة ذلك، قامت الجمعية بتنظيف الشاطئ وإعداده وزرعت الأشجار بتمويل من وكالة التنمية الأميركية.
وكانت البلدية قد اتخذت الإجراءات اللازمة للحفاظ على نظافة الشاطئ. شبكة الصرف الصحي التي أنشئت لم تحوّل إمداداتها نحو البحر بل رُبطت بشبكة لتكرير المياه المبتذلة لتصبح صالحة للري.
وفيما كان من المنتظر افتتاح الشاطئ هذا الصيف، بدأت العوائق سريعاً بالظهور من جانب كلّ من إدارة الاستراحة التي رفضت منطق «الهبة» أي سحب الرمول من دون مقابل مادي، والوزارة التي رفضت إجراء صفقة لبيع الرمول التابعة للأملاك البحرية العامة. عائق آخر أبداه مالكو العقار المتعددون الذين ينتمون إلى عائلات غير جنوبية. هؤلاء يملكون سندات ملكية منذ الثلاثينيات، إلا انهم لم يجروا أي استثمار فيه حتى ما قبل الاحتلال. المالكون أبدوا موافقتهم المبدئية، إلا انهم اعترضوا لاحقاً على تحويل أراضيهم إلى مسبح شعبي، تاركين الباب مفتوحاً أمام احتمال قيامهم بالاستثمار في المستقبل.
مصادر مطلعة على المشروع، أشارت إلى أن «لبعض المالكين وجهات أخرى أبدت خشيتها من آلية تنظيم الشاطئ الشعبي»، في إشارة إلى أن بلدية الناقورة الحالية محسوبة على حزب الله، الأمر الذي لا يضمن لدى هؤلاء شكل المسبح الذي على البلدية الاشراف عليه: مسبح شرعي أم مختلط يسمح فيه بارتداء المايوه كما هي الحال على شواطئ صور؟.
«باب المفاوضات لم يقفل مع الجهات المعنية لتمرير المشروع الحيوي بالنسبة الى الناقورة المحرومة» يقول مهدي الذي أمل تنفيذه، علماً بأن ذلك المشروع استوحي من دراسة أجرتها «بحر لبنان» حول الشواطئ الممتدة جنوبي بيروت، وأفضت الى أن هناك ثلاثة مواقع هامة لناحية مميزاتها يجب المحافظة عليها، هي الدامور والصرفند والناقورة. واذا ما انجز المشروع، «فسيعكس وفرة اقتصادية هامة للناقورة ولا سيما من عناصر قوات اليونيفيل والعاملين في مقرها العام» يشير مهدي، لافتاً إلى توافر مقومات السياحة البيئية.
وفيما يركن شاطئ الناقورة مهجوراً، تستكمل الأشغال في مشروع سياحي آخر على تخوم حدود بلدة المنصوري قبالة معبر الحمرا. من بعيد، يبدو المنتجع فاخراً ومكلفاً لناحية الشاليهات الخشبية والمسابح والمطاعم وصالات الحفلات والأفراح التي تجهز. المنتجع غير الشعبي الممتد على مساحة ثمانية آلاف متر، ينتظر الصيف المقبل ليفتح أبوابه، فهل يسبقه المسبح الشعبي وينصف أهالي الناقورة غير القادرين؟

Script executed in 0.033582925796509