أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

كيف يصوم مزارعو التبغ رمضان؟

الإثنين 15 آب , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,637 زائر

كيف يصوم مزارعو التبغ رمضان؟

بنت جبيل | لا مكان لسهرات رمضان حول موائد الملذات وفي المقاهي والساحات العامة والنوم والنهوض المتأخرين، في قاموس مزارعي التبغ في قرى بنت جبيل. فتزامن شهر الصوم مع موسم قطاف شتول التبغ المرّة وشكها وتوضيبها، يزيد من مرارة الشتول و«أجر» الصيام ومشقته على مدى أكثر من 16 ساعة عمل متواصلة، من دون طعام أو شراب، تقوم بها ربات المنازل مع رجالهن وأطفالهنّ الذين لم يبلغوا الحلم بعد.
في مثل هذه الأوقات، يجهد معظم أبناء قرى عيترون وبليدا وعيتا الشعب وتولين في قطاف شتول التبغ وسيلةً فريدة للعيش بكرامة. لا وقت لهؤلاء للراحة، والخروج من أماكن العمل في غرف أرضية داخل المنازل مخصّصة لجمع أوراق التبغ وشكّها وتوضيبها، أو في الحقول المزروعة تبغاً التي يقصدها المزارعون عند طلوع الضوء يومياً لقطاف الأوراق الخضراء قبل أن تشتدّ الحرارة.
تقول أم علي بيضون من بلدة بليدا، وهي تنهي «الطرد» الأخير لهذا اليوم من أوراق التبغ: «الصائم الذي لا يعمل في زراعة التبغ، يستطيع تدبّر أمره بالسهر الطويل والنوم حتى ساعة متأخرة، أو النوم في ساعات النهار الحارّ الطويلة، وقصد المساجد المبرّدة لتلاوة الدعاء والقرآن وحضور المسلسلات التلفزيونية الرمضانية، أما نحن فلا بدّ لنا من إنجاز عملنا الشاق الطويل، الذي يتضاعف في شهر رمضان عندما يحلّ في مثل هذه الأيام». تضيف، والعرق يتصبّب من وجهها، «لا وقت لديّ، أنهض كلّ يوم في الثالثة فجراً لأعدّ طعام السحور لزوجي وأولادي. وبعد صلاة الفجر، تذهب الأسرة إلى الحقل لقطاف ما تيسّر من أوراق التبغ، والعودة إلى المكان الصغير حيث يبدأ العمل بشكّ أوراق التبغ وتوضيبها، وجمع الأوراق اليابسة في الطرود بعد رصّها في اللفائف المخصصة لها.
عند الرابعة عصراً، يتوقف عمل أم علي في أوراق التبغ، لتسرع، كما تقول، لإعداد طعام الإفطار لأسرتها، «فالطبخ في رمضان يحتاج إلى عناية ووقت لإطعام أسرة صائمة من 7 أفراد». وتشرح كيف أنّ زوجها يعود متأخراً من عمله المضني وأولادها يعملون معها في قطاف التبغ وشكّه، و«علينا جميعاً أن نأكل جيداً لبدء نهار عمل جديد».
4 دونمات تزرعها أم علي مع زوجها وأولادها، وتحتاج إلى مجهود أكثر من سنة كاملة، وكل ما تجنيه من هذه الزراعة لا يزيد على 5 ملايين ليرة، تحسم منها بدلات إيجار الأرض والفلاحة وثمن المياه والأسمدة والأدوات المختلفة. المشكلة، كما تقول أم علي، «تكمن في غياب البديل، فمنذ استقلال البلد لم تفعل الدولة ونواب الشعب شيئاً لتوفير عمل بديل لنا يقينا من هذا العذاب ومن العوز والحاجة».
لا تختلف حال أم علي عن حال معظم نساء قرى بنت جبيل، فزينب عواضة من عيترون تنهض هي الأخرى في الثالثة فجراً، تعدّ طعام السحور، وتذهب إلى عملها بعد صلاة الصبح، ثم تعود إلى مطبخها عصراً. الزوج بسام توبة يتحدث عن تعب زوجته فيقول: «كيف لها أن ترتاح، ولا بديل لنا من هذا العمل، في الوقت الذي نرى فيه البعض ينهض قبيل صلاة الظهر، ليعود إلى النوم بعد ساعات قليلة في انتظار موعد الإفطار». ويلفت إلى أن «معظم أبناء بلدته الذين يزرعون عشرات الدونمات، يشكون من هذه المعاناة ولم نر مسؤولاً يقترح حلولاً لمشكلتنا». ورغم ذلك، يروق لزينب تجمّع أولادها بالقرب منها، وهم يتبادلون الأحاديث لا عن موائد الملذّات، بل حول تجميع أوراق التبغ التي لا تنتهي حتى يأتي بديل منها.
أما اللافت والأمرّ من مرارة التبغ، فهو المرض الذي أصاب هذا العام شتول التبغ والمسمّى مرض «الماليدو»، بسبب تأخر تساقط الأمطار والذي أدى الى القضاء على نحو ثلث الموسم، ما زاد الطين بلّة. وفي هذا الاطار، يشير رئيس بلدية عيترون سليم مراد إلى أنّ «هذا المرض يصيب الشتول، والأوراق الخضراء تصبح صفراء سهلة اليباس، كما تصاب بزغب رمادي يؤثر على جودتها، وأن أكثر من 1100 مزارع تبغ في عيترون تضرّروا من جراء ذلك».

Script executed in 0.0296311378479