أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

تنظيف 14حقلاً ملوثاً بالألغام من أصل 46 في إقليم الخروب

السبت 15 تشرين الأول , 2011 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,987 زائر

تنظيف 14حقلاً ملوثاً بالألغام من أصل 46 في إقليم الخروب

كان الشاب جهاد قاسم الزين، من بلدة الزعروريّة، في رحلة صيد مع مجموعة من الأصدقاء في خراج بلدته عندما انفجر به أحد الألغام في الجهة المقابلة لبلدة مزرعة الضهر، التي كانت محوراً عسكرياً بين الأحزاب المتناحرة في العام 1985، ما تسبب ببتر ساقيه. يشير الزين إلى أنه، على الرغم من إصابته الخطرة والبليغة، كان ولا يزال إيمانه بالله كبيرا، وثقته بنفسه كبيرة وبلا حدود لتخطي المرحلة الصعبة التي وصل اليها، حيث تمكن بعد فترة طويلة من العلاج الفيزيائي، من تركيب طرفين اصطناعيين لقدميه، أن ينخرط في المجتمع وباشر العمل في «مؤسسة كهرباء لبنان»، ثم أسس أسرة وأنجب ثلاثة أطفال، وهو اليوم يقود سيارته، ويذهب إلى عمله باستقلالية. 

ولكن الطريق إلى الاستقلالية كانت مزروعة بالعذابات الأولى للإصابة، والتي عاشها في مرحلة الخطر في أحد مستشفيات صيدا، حيث بترت ساقه اليمنى تحت الركبة. وبعد أسبوع بترت الساق الثانية من فوق الركبة. ونقل الى مستشفى الجامعة الاميركية بسبب خطورة الاصابة، وبقي فيها أشهرا بعد سلسلة من العمليات. وإذ يشير الى رعب كبير أصاب الأهالي من الألغام المزروعة في بلداتهم، توقف عند هجر الناس القسري لأرزاقهم وحقول الزيتون لسنوات خوفاً من الألغام والآثار الاقتصادية على الناس وحياتهم. 

اليوم، وللسنة الخامسة على التوالي، يواصل الجيش اللبناني وفريق «منظمة ماغ» الإنسانية، العمل على تنظيف منطقة الإقليم من الألغام، وبالتحديد في الأراضي والحقول الواقعة في خراج القرى والبلدات، لا سيما في تلك المناطق التي كانت سابقاً إبان الحرب الأهلية محاور عسكرية بين الميليشيات، في أعوام 1983 و1984 و1985. وتشمل عمليات التنظيف بلدات الوردانيّة، والزعروريّة، والجليليّة، وجون، ومزرعة الضهر، وبسابا وحالياً المطلة، حيث تم تنظيف 14 حقلاً من الألغام من أصل 46 حقلاً، وفق خرائط الجيش اللبناني، الذي حدد أماكن ومواقع وجود الألغام.

الحقول الملوثة

وبلغت الجهود مراحل متقدمة من العمل بعد أن تم تنظيف مساحات كبيرة من الأراضي الملوثة، ما أشاع جواً من الأمان والاستقرار والاطمئنان في المنطقة، نظراً إلى أن غالبية البلدات المعنية هي من قرى العودة، ما يسهم في تعزيز وتدعيم عودة المهجرين الى أراضيهم وأرزاقهم التي حرموا منها لسنوات طويلة بسبب الألغام، وعدم تمكنهم من الوصول إلى ممتلكاتهم بعيداً عن أي خوف أو خطر قد يتهددهم. 

ويربط مدير برنامج «ماغ» مفلح طلوزي، في حديثه لـ«السفير» استمرار عمل «ماغ» في لبنان بالتمويل وبحاجة البلد، لافتاً إلى أن «المنظمة بدأت عملها في إقليم الخروب في العام 2007»، مشيراً إلى «التنسيق الكامل مع الجيش اللبناني، الذي يحدّد لنا أماكن العمل وأولوياته وأهميته، ومدى خطورته، وتأثيره على حياة الناس». ويشير طلوزي إلى وجود ممولين للمنظمة كالاتحاد الأوروبي والحكومات الأميركية، والألمانية، والنروجية، والاوسترالية، واليابان، لافتاً إلى أنها «لا تتلقى أي تمويل من الحكومة اللبنانية». ويؤكد أهمية وجود مكتب الشوف التابع لـ«ماغ» في بلدة المطلة، من الناحية اللوجيستية والفنية والعملية، نظراً لوجود عدد من حقول الألغام من مخلفات الحرب في لبنان. ويشير إلى أن العمل صعب وخطر جداً، مشدداً على العلاقة الطيبة مع الجيش اللبناني والمجتمعات اللبنانية التي من شأنها أن تسهّل عمل «ماغ». ويؤكد أن القنابل العنقودية والألغام لا تفكك، بل تُدمّر في مواقعها.

ويقول المسؤول عن عمل مكتب الشوف مصطفى صالح: «إن حقل الألغام الذي تعمل فيه «ماغ» حالياً في بلدة المطلة هو عبارة عن منطقة زراعية من حقول الزيتون، ويحمل الرقم 178، ومساحته نحو عشرين ألف متر مربع، وهو يقع بمحاذاة مدرسة دير راهبات المحبة من الجهة الشرقية للبلدة، حيث يقع نبع البلدة القديم، ويبعد عن المدرسة نحو خمسة أمتار». ويضيف: «إن المشكلة التي تواجهنا هي أن حقول الألغام غير نظامية، وأن المعلومات عنها قليلة، فهي مع الأسف زرعتها خلال الحرب الأهلية الميليشيات، وأن من زرعها لم يقدم لنا ولا للجيش المعلومات الكافية عنها بداعي الخوف، فالمعلومات التي قدمت جاءت عامة عن وجود ألغام في هذه المنطقة وتلك، والتي نعتبرها نحن مناطق مشبوهة». وأكد «أن الجيش هو مصدرنا الرئيسي للمعلومات، وهو يمتلك فرقا متخصصة في جمع المعلومات». 

ويتابع صالح «عندما بدأنا العمل سألنا الاهالي ومختار البلدة وأصحاب الأراضي التي فيها الالغام، وقد أرشدنا الأهالي إلى المواقع والأراضي التي وقعت فيه إصابات بالألغام، والأماكن التي لاحظ فيها الصيادون تلك الألغام، وتلك المعلومات لم تكن كافية، لأن عملية زرع الالغام تمت بصورة عشوائية وهي تفتقر للخرائط». ويقول: «إن تركيزنا في العمل عندما بدأنا كان على ضرورة فتح طرق في حقول الألغام، كي نؤمن طريقا للإسعاف لأقرب مستشفى. وقد أمنا طريقاً للعمل من جهة بلدة بسابا، وبدأ العمل من الوادي بعدما فتحنا طريقا ترابية (ممرات آمنة) وقد تم تنظيفها بالكواشف اليدوية، وفتحنا 15 ممراً، وقسمنا البقعة (حقل الألغام) إلى أقسام صغيرة كي نتأكد منها جيدا (عشرون مترا بعشرين متر)». وأكد أن الأولويات التي نعمل عليها هي الأولويات المرتفعة والمتوسطة، لا سيما تلك التي تقع بين المنازل، فالأولويات تبدأ من المناطق الخطرة جداً، والقريبة من مصادر المياه والأراضي الزراعية. وأشار إلى أن التنظيف اليدوي يستغرق وقتا طويلا، فالفريق من خلاله لا يستطيع أن ينظف أكثر من مئة متر، وإن عملنا في الشوف يدوي، وبعد ذلك بدأنا نستخدم الجرافة (الكاسحة) وهذه الآلة أسرع من العمل اليدوي، حيث يمكن أن تنجز ما يقارب الألف متر في اليوم الواحد. ومنذ العام 2007 تم تنظيف 14 حقلاً في الشوف من أصل 46 حقلاً، بمساحة 300 ألف متر مربع، وأنه بقي حوالى 240 ألف متر مربع من مجمل حقول الألغام في الإقليم، وهناك نحو 10 حقول أُلغيت، ونحن بصدد تنظيف 22 حقلاً.

ويؤكد وجود تسهيلات لعمل فريق «ماغ» من قبل البلديات والمخاتير والأهالي في الشوف، منوهاً بدور الأهالي، ولافتاً إلى اكتشاف أكثر من مئة لغم وقنبلة في تلك الحقول المنظفة. ويشير إلى أن معظم الألغام مربوطة مع قذائف لإيقاع أكبر عدد ممكن من الإصابات. ويقول: «في بعض الأحيان نعمل شهرا كاملا ولا نعثر على أي لغم، وفي بعض الأحيان نعثر على تشريكات، فعملية الزرع تمت بصورة عشوائية، وهي إحدى الصعوبات التي تواجهنا في الشوف، فالمنطقة جبلية وفيها أعشاب وأشجار. وذلك الوضع يعيق عملنا، فكل فريق يضم 13 شخصاً، وفي الحقل رقم 129 في الوادي صادفنا فيه صعوبات كبيرة، حيث يقع في واد مليء بالأعشاب والأشجار، ومستويات الأرض تختلف بين بقعة وأخرى. وقد عثرنا في هذا الحقل على 18 لغماً مربوطة بعدد من قذائف الهاون، وإن كل ما نكتشفه نبلغ الجيش اللبناني، الذي يقوم بتفجير الألغام في أماكنها. ويمكن أن نفجرها نحن إذا أعطانا الجيش الإذن بذلك، فنحن لدينا خبراء مدربون على عمليات التفجير». 

كلفة اقتصادية باهظة

بدوره، يرى مصدر مسؤول في «المركز اللبناني للأعمال المتعلقة بنزع الألغام» التابع للجيش اللبناني، أن «وجود الألغام هي احتلال من نوع آخر للأرض، حيث تمنع أصحابها من استعمالها»، مشيراً إلى أن «الألغام لا يبطل مفعولها ولا يزول خطرها مع مرور الزمن». ويلفت إلى «وجود تأثيرات سلبية كبيرة للألغام على الوضع الاقتصادي، وخصوصاً قطاع الزراعة عندما يمنع المواطنين من استثمار أراضيهم للزراعة». ويؤكد المصدر أنه «بلغت الخسائر الاقتصادية في العام 2007 في الأراضي الزراعية في لبنان بسبب الألغام والقنابل العنقودية 126 مليون دولار، وأنها انخفضت في العام 2011 إلى 25 مليون دولار». ويشدد على أن الخطر والتلوث من الألغام والقنابل العنقودية في لبنان هي ثلاث مراحل، أولاً: بعد انتهاء الحرب اللبنانية في التسعينيات، ومن ثم بعد تحرير العام 2000 لنعرف أخطر تلوث بالقنابل العنقودية إثر عدوان تموز 2006. 

ويقول المصدر: «نحن مستمرون بهذا العمل في جميع المناطق اللبنانية حتى إزالة الأخطار بجميع أنواعها عن المواطنين، ومستمرون مع المنظمات الأجنبية، ما دام هناك تمويل من الجهات المانحة، وإن الجيش اللبناني يبذل جهوداً كبيرة في هذا المجال، فكل لغم نكتشفه نخفف من وقوع حادثة، وإننا نأمل أن نزرع مكان كل لغم شجرة. إن دورنا هو أن نعطي العمل للمنظمات المعنية بهذا الموضوع، ونحن نراقب عملها وجودة العمل، وبالإضافة الى ذلك نقوم بحملات توعية سنوية للمواطنين بضرورة إبلاغ الجيش اللبناني عن أي جسم غريب يصادفونه». ويشير إلى وجود صعوبات كبيرة تواجه فرق إزالة الالغام في الشوف لعدم وجود خرائط للألغام المزروعة، مؤكداً أن معظمها إفرادي ومفخخ وهي تعتبر ضد الأشخاص.

 

المختار والأهالي 

 

يؤكد مختار المطلة مهدي عيد أن «الألغام موجودة منذ فترة الأحداث اللبنانية»، مشيرا إلى أنها «زرعت آنذاك على المحاور العسكرية وعلى حدود البلدات وخراجها»، لافتاً إلى أنه «بعد الأحداث والعودة إلى البلدة، تم إبلاغ الجيش اللبناني بوجودها». ويؤكد أن «معظم الأهالي كانوا لا يتمكنون من الوصول إلى أرزاقهم خوفاً من الألغام التي كانت مزروعة في حقول الزيتون والتين وعلى الطرق»، مثنيا على دور الجيش و«ماغ» في تنظيف البلدة من المخاطر وإزالة مخلفات الحرب وزرع الأمن والاستقرار والطمأنينة في البلدة. 

ويتوقف شربل سعيد عيد عند تأثير الألغام السلبي، لجهة خطورتها ومنعها الناس عن حقولهم وأرزاقهم، ويشير إلى أن فريق «ماغ» استأذنه قبل البدء بالعمل في أرضه. وأبلغوه أنها ستتأذى من خلال شق الطرق للوصول إلى الألغام.

من جهته يقول ألبير جميل عيد: «نحن نتحاشى الوصول إلى أرضنا بسبب الألغام المنتشرة فيها، وهي تشكل علينا وعلى الصيادين في المنطقة خطرا دائماً»، معتبراً «ما يقوم به فريق ماغ والجيش اللبناني هو عمل جبّار». ويلفت إلى أنهم بعد تنظيفهم بعض الأراضي بات الناس يقصدونها من دون أي خوف. ويؤكد أن الأهالي بصدد دخول الأراضي المنظفة وجني محصولهم للموسم الحالي من الزيتون. ويشير إلى أنه ما زال العمل جاريا في مناطق عين بزيتا في المطلة وغيرها من المناطق لجهة بسابا الجنوبية الشرقية. 

ومن بين ضحايا الحقول، أصيبت الشابة لميس أبو ضاهر، قبل سنوات، بانفجار أحد الألغام عندما كانت تشارك عائلتها بقطاف الزيتون في منطقة العريض في خراج الزعرورية. بترت ساق لميس اليمنى ولكنها بقيت على قيد الحياة. كذلك أصيب محمد محمود شمس الدين بجروج بليغة في حقله بعد انفجار أحد الألغام فيه.


Script executed in 0.039682865142822