أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

مغارة لـ«الإنسان الجديد» في تفاحتا

الأربعاء 09 تشرين الثاني , 2011 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,369 زائر

مغارة لـ«الإنسان الجديد» في تفاحتا
سكون هائل يطبق على وادي بدادا في تفاحتا. لا شيء يوحي بالحياة، إلا حفيف أوراق الشجر. لا أصوات بشرية هناك. كأنه وادٍ معزول، لكن، «المسافر» في هذا الوادي الذي يعني في اللغة السريانية المتاهة، يجد أن هناك من اخترق صمته وانسجم مع متاهاته، ليس بسبر أغواره فحسب، بل بالسكن في عمقه.
لوقت طويل، أثار هذا الوادي الخوف في قلوب الكثيرين بسبب غياب المظاهر الآدمية عنه، فكانوا يخشون من سلوك دربه ليلاً فزعاً من هجوم الحيوانات البرية، لكن، هذه الرهبة التي تملكت سالكي دروبه والمستكشفين في مرحلة ماضية، سرعان ما تبددت، فهنا، يسكن «بشري». منذ فترة ليست بعيدة، بات سالكو طريق الوادي يفاجأون أثناء سيرهم بسيارة مركونة أمام باب خشبي. ويبين من خلف الباب المؤدي إلى باحة كبيرة ومن ثم إلى مغارة، غسيل منثور على أغصان شجرة كبيرة ولمبات إنارة وسفرة طعام خشبية. مظاهر تنبئ بعد التدقيق فيها بأنها «منتفعات» لبيت بشري، لكن، المفاجأة لا تدوم كثيراً، عندما يرى العابرون وجه النحات والمهندس سليمان سليمان الذي ترك خلفه المدينة والتجأ إلى مغارة.
في ذلك البيت، يموت الخوف، فقد جعل النحات من مغارته المخيفة بيتاً، حيث استحدث حائطاً من الإسمنت بنوافذ واسعة على باب المغارة العريضة، مقسّماً إياها إلى غرف: واحدة للنوم وأخرى للجلوس وثالثة للمطبخ والحمام. أما نتوءات الصخور، فقد حولها إلى خزائن ورفوف لحفظ الأغراض والحاجيات والثياب. ولم يخل البيت من المظاهر المدنية، فهنا كل شيء موجود: تلفاز ذو شاشة رقمية معلق على حائط صخري، وأدوات كهربائية من الفرن إلى الغسالة إلى الصحن اللاقط. كل شيء ما عدا جهاز إرسال الهاتف الخلوي، الذي يسبب توتراً دائماً لسليمان وزوجته منى، اللذين يقران باستحالة الاستغناء عن استخدامه. مع ذلك، لا يزال الزوجان يسعيان إلى تركيب هاتف أرضي يعوضهما من جهة عن استخدام الخلوي، ويصلهما من جهة أخرى بشبكة الإنترنت، حيث يستطيعان التواصل مع ابنيهما في المهجر عبر «السكايب».
لكن، ما الذي دفع الزوجين إلى العيش في الوادي؟ يجيب ابن بلدة حولا الحدودية، الذي «اكتشف» الوادي قبل عشرين عاماً، أنه خطط «ولم يكن وجودي هنا عن طريق الصدفة». يعود سنوات كثيرة إلى الوراء، عندما كان يقطع الوادي يومياً في طريقه من بيته إلى مدرسته في شقرا. عندما كبر، اشترى مساحات كبيرة من وادي بدادا، وقرر كسر عزلته وتحويله الى قبلة للزوار والسياح. وقبل ثماني سنوات، انكب النحات على تشييد منشأ سياحي من الخشب على سفح الجبل، حوّله لاحقاً إلى مطعم ومعرض دائم لمنحوتاته، من ضمنها تشذيب المغاور . وأبرز ما اشتهر به الأهرام الثلاثة التي بلغ طول الواحد منها 15 متراً. على مدى أربع سنوات، جذب المطعم آلاف الزوار الذين اكتشفوا وادي بدادا، لكنهم كانوا يخرجون منه بانتهاء نزهتهم. الا أن الحضور البشري لم يطل كثيراً، فقد تعرض المنشأ لحريق قبل أربع سنوات تماماً. وأتت النيران على الأهرام ومئة منحوتة خشبية.
ولأن هياكل المغارة والصخور وحدها التي صمدت في وجه الحريق، قرر سليمان عمل شيء ما، لكنه لم يستقر على فكرة إلا قبل أربعة أشهر، عندما باع منزله في بلدة البيسارية. يومها، لمعت الفكرة في رأسه: السكن في المغارة. حزم أغراضه وبعض مفروشاته والكثير من الكتب والمنحوتات وانتقل إلى الوادي. وقد سهّل اقتصار عائلته الحالية على زوجته، بعد تفرق الأبناء في بيروت والخارج، اتخاذ هذا القرار دون خوف.
مع ذلك، يقر النحات بأن خطوته في الابتعاد عن الناس واستبدالهم بالطبيعة العذراء، أثار استغراب وانتقاد الكثيرين من أقاربه وأصدقائه. حتى زوجته منى اعترضت في البداية، لكنها سرعان ما تحمست للفكرة التي تستحضر الإنسان القديم. وما ساعدها أيضاً، إقبال الكثير من أصدقائها وجيرانها على قضاء الوقت معها في الوادي. حتى إن بعض المارة في طريقهم الى تفاحتا، تستوقفهم الحركة المستجدة في الوادي. ليس هؤلاء فحسب، بل إن التجربة أثارت اهتمام بعض الفنانين والمخرجين الذين بدأوا بحجز أدوارهم لتصوير مشاهد من أعمالهم في مغارة الوادي. اهتمام بدأت ثمرته الأولى مع حجز المغارة لتصوير مسلسل للأطفال من بطولة الممثلة آمال عفيش. فيما العرض الآخر لم يتخذ الزوجان قرارهما بشأنه، ويقضي بنقل تجربتهما ضمن أحد برامج تلفزيون الواقع.

Script executed in 0.033636093139648