أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

إعادة الروح إلى التفاهم ... بتفاهم جديد

الجمعة 06 كانون الثاني , 2012 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,638 زائر

 إعادة الروح إلى التفاهم ... بتفاهم جديد

بدأت بلدية الحدث منذ بضعة أيام حملة جباية ضرائب من أحياء في البلدة لم تستقبل الجباة منذ نهاية الحرب اللبنانية. البلدية نفسها «تجرأت» قبل بضعة أشهر على البدء بإزالة عشرات التعديات على الأملاك العامة. يتحدث أعضاء المجلس البلدي عن «سلطة مستعادة»، لا بفضل قوة إلهية نزلت على المجلس البلدي وإنما نتيجة الثقة المستجدة بين أهالي المنطقة والساكنين فيها. ثقة! لا يرسل الأهل أبناءهم إلى مدرسة لا يثقون ببيئتها ولا يستشيرون طبيباً «معادياً». في مدرسة الراهبات في الحدث، ستجدون أن عدد التلامذة من الطائفة الشيعية يوازي تقريباً عدد التلامذة المسيحيين. في المعهد الأنطوني، الأمر نفسه. وفي عيادات البلدة، معظم الزوار من أهل الضاحية ـــــ جارة الحدث. الجيران يملأون ساحة الحدث وسوقها أيضاً. لولا «الثقة المستجدة» لنشبت حرب أهلية بفعل حملة بلدية الحدث ضد بيع «أراضي المسيحيين» لـ«غير المسيحيين».

 

لكن تلك الثقة دفعت بأولياء الأمر في الضاحية إلى ضم شراء الأراضي في المناطق الواقعة شرق بولفار كميل شمعون إلى لائحة المنكر. تفهموا «القلق المسيحيّ التقليدي» وأوعزوا إلى مستثمري البناء المقربين منهم بتركيز استثماراتهم في مناطق أخرى، فلم يسجل منذ أيار 2010 شراء هؤلاء ولو أرضاً واحدة في تلك المنطقة.

كل ما سبق يُقدّم كنتائج إيجابية لتفاهم التيار الوطني الحر وحزب الله، لكن فعلياً دور التفاهم كان تمهيدياً فقط؛ الود الشعبيّ يتكرس بمبادرات فردية لا حزبية. القوتان الحزبيتان المعنيتان بالتفاهم الشعبي أيضاً لم تجتمعا يوماً لوضع خطة عمل مشترك يقرب المواطنين بعضهم الى بعض. فيصبح نزول «مارون» للعمل في الضاحية أو التسوق أمراً طبيعياً لمارون أولاً ولأهالي الضاحية ثانياً، كما هو الأمر بالنسبة إلى «علي» في الحازمية .بقي تزحزح «مارون» و«علي» من منطقتيهما رهناً بمادرتهما الشخصية. هذه أولى مشكلات التفاهم بين التيار والحزب. فالعمل الحزبي الجدي المشترك اقتصر على تلك المحاضرات التي قدمها الوزير جبران باسيل وعضو المجلس السياسي في حزب الله غالب أبو زينب في بعض المناطق إثر توقيع التفاهم، وبعض الاجتماعات التنسيقية إبان اعتصام المعارضة (السابقة) في وسط بيروت. أما التنسيق الإعلامي والطلابي والنقابي والمناطقي المشترك فما زال أدنى بكثير من الحد الأدنى الذي يتوقعه من يرى الانسجام السياسي بين هذين الطرفين. عضو المجلس السياسي في حزب الله غالب أبو زينب لا يوافق على ضعف التنسيق الذي يشكو بعض العونيين منه (وهم يتحملون جزءاً عن مسؤوليته)، مؤكداً أن التواصل دائم بين المعنيين في مخلف هذه القطاعات دون تدخل مباشر من مرجعيتيهما السياسيتين: «ثمة تعاون كبير، ولا مشكلات في هذه المساحات».

المستوى الثاني من مشكلة التفاهم ترتبط بنظرة التفاهم إلى نفسه. قيادة التيار باتت واثقة اليوم بأن «أولويات الحزب في علاقاته السياسية هي، تراتبياً، كالآتي: أولاً، التكافل الكامل مع حركة أمل والشد على مشدّ الرئيس نبيه بري في كل ما يريده من دون استثناء أو مجادلة. ثانياً، مراعاة حلفاء الحزب من الطائفة السنية وتقديم كل الدعم المادي أو المعنوي الذي من شأنه تعزيز نفوذهم في طائفتهم. ثالثاً، عدم توتير علاقة الحزب برئيس الجمهورية». في الأساس، إذاً، لا بد من تفاهم جديد يحدد مكانة التيار في أولويات الحزب. «لا يزعّل الحزب الرئيس نبيه بري أو الرئيس نجيب ميقاتي أو الرئيس ميشال سليمان من أجل عون؟ اتفقنا». يقول أحد مهندسي تفاهم 6 شباط 2006، ويتابع : «فلنحدد كيف سيرضي الحزب عون من دون أن يزعج هؤلاء جميعاً». هنا أيضاً يحاول أبو زينب التهدئة قليلاً: «العلاقة مع التيار ثابتة الثوابت، لا تتزحزح. لكن في كل ملف سياسي لا يمكن توقع انسجام مطلق بين المعنيين بتحقيقه. وهكذا يمكن أن تجد الجنرال والرئيس بري متفقين على نقطة ومختلفين على أخرى، والأمر نفسه بين الجنرال والرئيس سليمان. نحن نحاول الجمع بدل التفرقة. ولا نجد أنفسنا مضطرين إلى المفاضلة».

يقود كل ما سبق إلى الحديث عن لقاء عوني عقد في جونية قبل نحو أسبوعين، حيث خيّر أحد المسؤولين العونيين الحشد البرتقالي الغاضب من أداء حزب الله الحكوميّ بين: أولاً، إبقاء التيار على تحالفاته القائمة، محاولاً الاستفادة من نصف الكأس الملآن. ثانياً، الابتعاد خطوة حكومية وأخرى سياسية عن التحالف الذي هو فيه وتقديم نفسه في مختلف القضايا كطرف ثالث تطبيقاً لما كان يأمله التيار قبل تحوّل التفاهم إلى تحالف. ثالثاً، البحث عن قواسم مشتركة مع الرئيس ميشال سليمان والرئيس نجيب ميقاتي والنائب وليد جنبلاط داخل الحكومة ومع بعض قوى 14 آذار خارجها. أيّدت أكثرية الحاضرين الخيار الثاني، مستهجنة الخيار الثالث.

اللعبة نفسها، عاد رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون ليلعبها مع بعض المسؤولين في التيار ونواب التكتل، ولم تكن النتيجة بعيدة عما بيّنته القاعة الكسروانية.

النائب حكمت ديب يرفض الاعتراف بوجود مشكلة على هذا المستوى أو غيره. النائب نبيل نقولا مثل ديب. بالنسبة إليهما تصويت الحزب ضد الإرادة العونية في شأن زيادة الأجور كان «مجرد غيمة عبرت سماء التفاهم». ثقة ديب بالتفاهم ــــ الذي يعدّ هو إحدى ثماره النيابية ــــ تصل إلى حد التأكيد أن أمطار تلك الغيمة عزّزت التفاهم ونقّته أكثر، في ظل تأكيد معلومات نائب بعبدا أن الأمين العام لحزب الله تدخل بنفسه لإعادة المياه إلى مجاريها على مختلف الصعد بين التيار والحزب. والمطلعون على مسعى السيّد يؤكدون أن نصر الله تابع باهتمام كل الأخبار التي وردته بعد «الخطأ التقني» الذي وقع فيه وزيرا الحزب، وركّز جهده طوال أربعة أيام لاحتواء الأزمة، فأجرى أكثر من اتصالين مباشرين بالعماد عون، فضلاً عن عقده ثلاثة لقاءات حزبية مع مسؤولين على ثلاثة مستويات داخل الحزب لحثهم على تكثيف التنسيق مع نظرائهم العونيين. وكرمى لعيني التفاهم، عاد وزيرا الحزب عن خطأ الأجور، فيما كادت قناة المنار تتحول، عشية عيد الميلاد، إلى ما يشبه الـ«تيلي لوميير» ، وراحت «كشافة الإمام المهدي» ترتل الميلاد حتى ضاع الجمهور الجبيلي بين القائد المهداوي المايسترو علي باجوق والفنانة جومانا مدوّر، في ظل معلومات عن نية الحزب والتيار إنشاء مجموعة لجان ثنائية وزارية ونيابية ومناطقية.

المستوى الثالث من مشكلة التفاهم تتعلق بنظرة الرأي العام إليه. فقد التفاهم ثقة كثيرين ممن فتّحوا أعينهم في 6 شباط 2006 على مشهد ظنّوا أنه يؤسس لمستقبل لبناني آخر. فقد تلاقى في تلك الكنيسة المهملة يومها تياران سياسيان أقل ما يقال فيهما إن جمهورهما حالم حتى السكر، ومحازبيهما لم يتورطوا في حروب الداخل وتقاسم المغانم والتكالب على السلطة. غذّى ذلك التفاهم أمل كثيرين بمستقبل آخر، لا تكون الحريرية الاقتصادية ( المستمرة ميقاتياً) عنوانه الأوحد.

 

 

هنا كانت الخيبة العونية كبيرة. لم يكن أحد من جمهور التيار يتخيّل أن تتحول كل شجاعة المقاومة في الخارج إلى «جبن» في الداخل، وكل قوتها في مواجهة «المستكبرين» إلى ضعف أمام الفاسدين. كان الحلم مختلفاً. قوتان مدنيتان قادرتان على قلب النظام القائم والتأسيس لسلطة جديدة تكون مقدمة دستورها بنود التفاهم العشرة. كان العونيون يتوقعون انضمام الكثير من القوى الوطنية والعلمانية إلى التفاهم، كمنبر الوحدة الوطنية والتنظيم الشعبي الناصري الذي سارع إلى توقيع تفاهم آخر مع التيار. لكن سرعان ما سارت الأمور باتجاه آخر اختصر التفاهم نتيجته بعبارة واحدة: تحالف قوتين طائفيتين.

من آمن يوماً بالتفاهم كمفترق طرق، يتساءل اليوم بحرقة عن «الجديد الذي قدمه التفاهم للحياة السياسية»، عن «الضربة التي وجهها التفاهم للمنظومة الاقتصادية المتحكمة بالبلد» وعن «المستقبل الآخر الذي وفّره للبنانيين». الأكيد أن وسط الجمهور من خرج من السكرة إلى فكرة بشعة، وأن الكثير من المناضلين الطاهرين في الحزب والتيار ما عادوا كذلك في نظر الرأي العام، وما عاد أحد يراهن على «الفريقين السياسيين الوحيدين اللذين لم يدخلا مدرسة رفيق الحريري السياسية». هكذا، يقول المتسائل السابق إن التفاهم فقد روحه، معتبراً أن إعادة الروح أو الأمل للتفاهم كقوة تغييرية لا تكون إلا بلقاء وتفاهم جديدين بين السيّد والجنرال.

التنسيق الوزاري بين الحزب والتيار سيُفعّل من دون شك، ولن يكرر وزراء الحزب الخطأ الذي ارتكبوه، من دون شك أيضاً. لكن هذا لن يعيد للتفاهم الروح التي فقدها عند الرأي العام، ولا الثقة التي ضاعت على مستوى القيادتين، ولا الفرصة التي هدرت وسط جمهور الفريقين. عودة الروح والثقة تتطلب تقويماً جدياً وصريحاً لما حققه وما يمكن أن يحققه هذا التفاهم، فيما لو أعيد إلى لحظة الصفر.

 

نكد عوني

 

في لحظة الغضب العونيّ، تخرج إلى السطح مآخذ كثيرة كبتت في وقتها. أين كان الحزب حين دعا قائد التيار فور انتهاء حرب تموز إلى إسقاط حكومة فؤاد السنيورة؟ يومها التزم الحزب التفرج سنتين على حكومة تقصي العونيين، ولم يقرر إسقاطها إلا بعد مسّها المباشر به. كرمى لعيني حزب الله، استقال وزراء الحزب وحلفائه، لا لعيني الجنرال. صوت الجنرال لعلع وحيداً في ساحة الشهداء حين دعا إلى اقتحام السرايا، فتأخر موعد 7 أيار سنة ونصف سنة، حتى نقل الموس من رقبة الجنرال إلى شبكة اتصالات الحزب. كرمى لعيون شبكة الاتصالات، كان السابع من أيار لا لعيني الجنرال. والدوحة؟ ماذا فعل الحزب في الدوحة غير التخلي عن «عون لرئاسة الجمهورية». من حساب الجنرال الشخصي دفع الحزب فاتورة 7 أيار في الدوحة. يعدد العونيون في فورة غضبهم قشرات موز كثيرة رماها الحزب في طريقهم بقصد، كمدّه شبكة اتصالاته في ترشيش، أو عن غير قصد كقتل سامر حنا عشية الانتخابات النيابية، لينتهوا برفض «تمنيننا بالوزراء العشرة لأن أداء الحزب الحكومي جعل الحقائب العونية نقمة لحامليها لا نعمة».


Script executed in 0.20315599441528