أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

نادى أولمرت حلوتس وقال له: هيا... اذهب واقصف الضاحية

السبت 07 كانون الثاني , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,237 زائر

نادى أولمرت حلوتس وقال له: هيا... اذهب واقصف الضاحية

هذه الأمور كلها القت بها إسرائيل في عملية استغرقت حوالى نصف ساعة، في الليلة الواقعة بين 12 و13 تموز2006، وقد حملت عنوان «عملية الوزن النوعي». تستكمل «السفير» في الحلقة الرابعة من كتاب «أسرى في لبنان: الحقيقة عن حرب لبنان الثانية» للمؤلفين، المعلّق السياسي والعسكري في صحيفة «معاريف» وقناة التلفزيون الاسرائيلية العاشرة عوفر شيلح والمعلّق العسكري في قناة التلفزيون الاولى يوءاف ليمور، رواية الفشل من داخل الغرف والكواليس الاسرائيلية المغلقة.

كانت خطة «الوزن النوعي»، المتمثلة بشن هجوم واسع ضد مستودعات ومنصات الصواريخ القصيرة والبعيدة المدى لـ«حزب الله»، هي الورقة الأقوى التي يحتفظ بها الجيش الإسرائيلي: توجيه ضربة قاضية مماثلة لتلك التي وجّهتها فجر 5 حزيران1967، وللعملية العسكرية ضد صواريخ ارض ـ جو السورية في البقاع اللبناني العام 1982، ولعمليات القصف الجوي التمهيدية التي شنّتها الولايات المتحدة في العراق في الأعوام 1991 و2003. 

بدأت الطائرات الحربية الواحدة تلو الأخرى بارسال إشارة «الفا»، التي تعني إصابات دقيقة بلغة الطيارين. وبعد 34 دقيقة انتهى الهجوم. وتغلغلت الى وعي القادة العسكريين الحقيقة القائلة ان مئات الصواريخ من طراز فجر 3 و5 أي غالبية ترسانة «حزب الله» من الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى وما يزيد عن اربعين منصة (العدد الذي ذكر في التحقيقات كان 44) دُمِّرت فعليا. اما في غرفة القيادة التابعة لسلاح الجو ساد شعور بالارتياح.

شارك في العملية نحو 40 طائرة متنوعة. الاهداف التي قُصِفت جُمِعت بدقة على مدى السنوات الماضية وفي ظروف معقّدة بشكل خاص. عندما اتضح نجاح العميلة علّق نائب «حلوتس» «كابلينسكي» قائلا: إنهم لم يكونوا يعلمون مدى اختراقنا لهم». ملفات هذه العملية كانت جاهزة منذ تموز 2005، وكانت بمثابة بؤبؤ العين بالنسبة للجيش الإسرائيلي».

إزاء هذا الكم الهائل من المعطيات عن الصواريخ، كان من قبيل المفاجأة اكتشاف أن ملفات الاستخبارات العسكرية الخاصة بهذه العملية، لم تشتمل على معلومات تمكّن من اغتيال الشخص الذي بسببه بدأ كل شيء أي به الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله». ففي ذروة الحرب وبعدها قال معلّقون وضباط كبار في الاحتياط إنه كان يجب على إسرائيل بدأ القتال بقطع رأس نصر الله. وأضاف هؤلاء إن قتله كان يمكن ان يكون له تأثير معنوي حاسم، إذ أنه يزوّد إسرائيل بصورة «الانتصار» التي اقلقت بال اولمرت وحلتوس لاحقا، وحتى قبل ان تكون الحرب قد بدأت.

فنظرية قطع الرأس كانت جزءا لا يتجزأ من نظرية القتال ذات التأثيرات المدروسة، التي تعود في أصولها الى الولايات المتحدة، وقد تحمّس الجيش لها كثيرا في الأعوام التي سبقت الحرب.

بالمقابل تضمنت الملفات الاستخباراتية المتعلقة بالهجوم «الوزن النوعي» المستويات التنفيذية الأدنى مرتبة من نصر الله. وفي شعبة الاستخبارات، وضعت إشارات على 10 أوراق والمقصود هنا شخصيات مثل عماد مغنية رئيس الجهاز العسكري للحزب، وخليل حرب قائد الوحدة 800 وهي وحدة النخبة في الحزب. وقد قرروا في الجيش أنه إذا ما جرت مواجهة «حزب الله» فينبغي خلق وضع يكون فيه خمسة من هؤلاء «الفرسان العشرة» وهو الاصطلاح الذي أطلقه الجيش على المرشحين للاغتيال في عداد الأموات، عند «الخامسة إلاـ« أي لحظة واحدة قبل بدء إطلاق النيران الثقيلة من الجو او الارض».

أحد من هؤلاء الفرسان، لم يُصب في عملية الوزن النوعي، كذلك فإن هؤلاء لم يكونوا ايضا ضمن الأهداف التي تمت المصادقة عليها داخل المجموعة الوزارية السباعية للهجوم. كما انه لم يطرح إمكانية قطع الرأس في هذه المداولات.

أكملت عملية الوزن النوعي. وفي تلك الليلة بدأت عملية عسكرية مكمّلة حملت اسم «وزن الريشة» وفي إطارها هاجم سلاح الجو الصواريخ القصيرة المدى جميعها في الجنوب اللبناني التي كان يعلم بوجودها. ويتعلق الأمر ببضع عشرات من الأهداف. وهكذا لم يكن لهذا الهجوم تأثير حقيقي على قدرة الحزب على قصف منطقة الجليل». وفي الوقت نفسه ضُربت الأهداف الأخرى المُقرّة، كلها بما فيها مركز الحماية في الضاحية ومركز التجنيد في بعلبك والمطار. وبذلك يكون سلاح الجو أكمل تدمير معظم الأهداف التي كانت معروفة له في لبنان. وفي اليومين التاليين هوجمت جميع الأهداف الموجودة في «بنك الاهداف». وفي القيادة الشمالية كان هناك 84 هدفا معروفا تابعا لـ«حزب الله»، وقد ضُربت كلها خلال الايام الاربعة الاولى من الحرب.

عملية الوزن النوعي كانت تظاهرة رائعة لجمع المعلومات، ولإظهار القدرات العملانية. وأدت النشوة التي أحدثتها خصوصا لدى «حلوتس» والمستوى السياسي الى نسيان حقيقة كانت معروفة جيدا في سلاح الجو، وهي أنه في نهار السبت 16 تموز وعلى الأبعد ظهر يوم الأحد 17 تموز لم يبق هناك شيء يمكن مهاجمته.

يسلّط شيلح وليمور الضوء على بضع قضايا اخلاقية مخجلة كانت تعتري سلاح الجو خلال الأشهر التي سبقت الحرب، ففي وحدة «حيتس» تم اكتشاف بنك معلومات يعمل بأسلوب القرصنة، كان يديره ضابط استثمر فيه اموالا لحساب العديد من رفاقه في الوحدة، وقد اختفت تلك هذه الأموال في نهاية الامر. وفي قاعدة جوية سرية اكتشفت عملية إساءة ائتمان قام بها عدد من افراد سلاح الجو. وفي قاعدة حتسريم الجوية توفي فتى خلال دورة تأهيل الطيران. والاهم من ذلك اكتشاف قضية استغلال جنسي مثيرة للصدمة في قاعدة نفطيم الجوية، إذ اشترك عشرات الجنود والمدنيين في اغتصاب فتاة في الثانية عشرة من عمرها طوال عام كامل.

بهذا المفهوم كانت حرب لبنان الثانية فرصة بالنسبة لقائد سلاح الجو الجديد الميجور جنرال اليعازر شكدي، وللقوات الجوية كلها لتسجيل نجاح باهر يمحو اللطختين الأخلاقية والإدارية اللتين الصقتا بسلاح الجو. وقد شكلت «عملية الوزن» نجاحا كهذا.

كانت السرية التي احاطت بالعملية تتطلب تكتما شديدا بحيث لا يعرف بها حتى من كان يفترض فيه أن يقطف الثمار الإعلامية والإدراكية للهجوم، ضمن هؤلاء المتحدثة باسم الجيش البريغادير ميري ريغب التي اخبرت حلوتس لاحقا انه لو كان الجيش جاهزاً إعلاميا بانجازات العملية فمن المحتمل ان صورة الانتصار كانت قد تغلغلت الى وعي الجمهور، وبالتالي لما نشأت الضغوط لمواصلة الحرب.

لكن، عند بزوغ فجر 13 تموز، فإن قلائل فقط كانوا يفكّرون على هذا النحو، إذ أن الجو العام السائد في القيادة السياسية آنذاك كاد يصل الى حد الانتشاء بالنصر، ففي نظر اولمرت وبيرتس الهجوم كان دليلا على ان مدنيين بارزين مثلهما قادران على إظهار الانتصار، في المكان الذي ارتعدت في أيدي جنرالات مثل رئيسي الوزراء السابقين ايهود بارك وارييل شارون. كذلك شعر حلوتس بأن هذه الانجازات تثبت صحة وجهة نظره أنه في الإمكان تحقيق الأهداف بضربات جوية فقط.

وفي الساعة السادسة والنصف من صباح 13 تموز، جرت في رئاسة الاركان جلسة خاصة لتقويم الوضع. فحلوتس الذي كان متعطّراً بنجاح عملية «الوزن النوعي» أذهل الحضور بمقولة ناقضت كل ما قيل في رئاسة الاركان في اليوم السابق: الأمر سيتطلب أسابيع: ونحن ذاهبون الى عملية عسكرية طويلة كان حلوتس عازما على مواصلة الضربات الجوية ضد لبنان بقدر الإمكان.

في الساعة السابعة والنصف صباحا اطلق «حزب الله» اول مجموعة من الصواريخ كرد فعل على عملية «الوزن النوعي». وبعد نصف ساعة من ذلك قتلت في مدينة نهاريا مونيكا ليرر، بعد إصابتها بشظايا صاروخ. وهي المواطنة الأولى التي تلقى مصرعها في الحرب. ثم قتل في ذلك اليوم ايضا نيتسان روبين في مدينة صفد أثناء ركوبه دراجته الهوائية. وسقط في 13 تموز حوالى 200 صاروخ شمال إسرائيل.

وقد رفضت وزيرة الخارجية تسيبي ليفني الانجرار الى الاجواء الاحتفالية العامة، لذا جلست يوم الخميس 13 تموز لإعداد ممر الخروج السياسي. صباح ذلك اليوم بدأ مستشار ليفني طال بكار بصياغة الاقتراح الذي سيمثل موقف إسرائيل من حالة القتال والذي اشتمل على معظم البنود التي وردت في القرار 1701 أي انتشار الجيش اللبناني، ودخول قوة متعددة الجنسيات الى الجنوب وإبعاد المقاومة عن الحدود. لكن ليفني بدأت تدرك منذ ساعات الظهر أن القرارات تعلن في مكان آخر. فبادرت الى الاتصال برئيس الحكومة، وقالت له بشيء من القلق: النشاط العسكري كان يفترض أن يكون انتهى، وسيكون في إمكاننا من الآن فصاعدا أن نتورط اكثر. لذا ينبغي القيام بإجراء سياسي من شانه انهاء الموضوع». غير ان جواب اولمرت اذهلها، حيث قال: «ما زال لدى الجيش اهداف تحتاج الى اسبوع لتنفيذها».

كان كلام اولمرت يعني ان ما يملي تصرفات إسرائيل هو كمية الاهداف وليس ما هو جيد لإحراز أهدافها الحقيقية. مع أننا اشرنا قبلا انه لم يعد هناك اهداف يمكن ضربها في لبنان».

أجرت ليفني التي اصابها القلق الشديد اتصالا بكل من ديفيد وولش واليوت ابرامز اللذين كانا في زيارة لإسرائيل. وطلبت منهما التفكير في تجنيد قوة دولية. اعادت ليفني الى أذهانهما ان إسرائيل تقوم الآن بما كان يجب على لبنان القيام به، إلا انه من الضروري إقناع اللبنانيين بفعل ذلك بأنفسهم ومساعدتهم في تنفيذ ذلك. تصرفت ليفني على عاتقها الشخصي، إلا ان أي قرار حول السعي الى نهاية سياسية للعملية لم يصدر في إسرائيل، حيث ان اولمرت كان بعيدا جدا حتى عن مجرد التفكير بذلك.

في الوقت نفسه وفي الولايات المتحدة اتصل مقربون من نائب الرئيس ديك تشيني من «معهد واشنطن» طالبين الالتقاء مع رئيس هيئة الاركان الاسرائيلي السابق بوغي يعلون الموجود هناك في إطار برنامج ابحاث بعد تسريحه من الجيش. قدم يعلون تقريرا حول هذه الدعوة الى الملحق العسكري بواشنطن دان هرئيل والى السكرتير العسكري لأولمرت. وفي اللقاء الذي جرى يوم الجمعة 14 تموز قال يعلون لمحدثيه، إن فرصة حقيقية قد سنحت من اجل الحصول من إيران لأول مرة، منذ العام 1979 على ثمن حقيقي لقاء تآمرها، والمس بالتنظيم التابع لها، والذي يأتمر بأمرها بصورة موجعة. وأشار يعلون الى انه «كي يحدث ذلك، يجب أن تكون الحرب قصيرة جدا بحيث لا تتعدى الأسبوع الواحد». اما الرسائل التي نقلها اولمرت الى الأميركيين عن طريق هرئيل فكانت مغايرة تماما: نحن نطلب أسبوعين من اجل القضاء على «حزب الله». ولذا فإن الأميركيين الذين اقتنعوا بإن إسرائيل تملك وسيلة لضرب هذا التنظيم العاصي، لم يكن لديهم أي سبب لمعارضة ذلك. بل على العكس املوا أن توسع إسرائيل ساحة الحرب الى سوريا وتسهم في القضاء على محور الشر. وهكذا حصلت إسرائيل من الأميركيين على كل الوقت اللازم لها، ما دامت محافظة على حكومة السنيورة.

نهار الجمعة 14 تموز استدعي وزير المواصلات شاؤول موفاز الى ديوان رئيس الحكومة، كان لدى اولمرت سؤال عاجل مفاده «هل تؤيد توسيع عمليات القصف الجوي في بيروت، خصوصا الضاحية؟» حينها اراد موفاز ان يعرف ماذا يقول المسؤولون في اجهزة الاستخبارات. هل ان غالبية المدنيين غادرت الضاحية، وبذلك تتضاءل إصابة اعداد هائلة منهم لتفادي قيام العالم على إسرائيل. فاجابه اولمرت «على ما يبدو غالبيتهم غادرت الضاحية». فقال موفاز «إذا كان الامر كذلك فاني لا ارى مشكلة». وعلى الفور نهض اولمرت من مكانه طالبا وهو على باب الغرفة استدعاء حلوتس الذي كان ينتظر في مكان مجاور. فخاطبه اولمرت بلهجة انتصار واضحة: « إذهب واقصف الضاحية».

الاثنين: البارجة حانيت وملوك البحر الذين لا يُهزَمون.


Script executed in 0.17097592353821