أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

التحقيق يبحث عن محقّق!

الأربعاء 18 كانون الثاني , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,866 زائر

التحقيق يبحث عن محقّق!

مرّت 3 أيام على الكارثة. ما من «شجاع» اعترف بمسؤوليته. ما من مسؤول اعترف، أقلّه، بتقصيره. هكذا، بدا للمتابعين أن قضية انهيار مبنى الأشرفية ستقيّد «ضد مجهول». وحده وزير الداخلية مروان شربل، من بين المسؤولين، أطل أمس بحصيلة نهائية لعدد الضحايا، معلناً انتهاء عمليات البحث والإنقاذ.
إنهم 27 قتيلاً و12 مصاباً. القتلى هم 11 لبنانياً و16 من جنسيات أجنبية. أما الجرحى فـ5 لبنانيين و7 أجانب. الموت لا يعترف بالجنسيات، كما لا يحتاج إلى «فيزا» لعدم الدخول «خلسة». اختلطت أحجار المبنى بدماء لبنانيين وسودانيين ومصريين وفيليبينيين. لقد كانت كارثة «متعددة الجنسيات».
بعد ساعات على انهيار المبنى في حي فسّوح، وفي خضم «الاستعراضات» الإعلامية للسياسيين، أعلن رئيس الحكومة، نجيب ميقاتي، أنه شكّل لجنة لإجراء التحقيق اللازم، بغية «تبيان الأسباب التي أدّت إلى انهيار المبنى». إعلان ميقاتي، الذي جاء بناءً على «ضرورات المصلحة العامة»، نصّ على أن يكون مستشاره المهندس كلود مسعد رئيساً للجنة. أما الأعضاء، فيتألفون من ممثل عن وزارة الأشغال والنقل، ممثل عن وزارة الداخلية والبلديات، ممثل عن بلدية بيروت وآخر عن نقابة المهندسين في بيروت. وبحسب القرار الحكومي، فإنه يناط بهذه اللجنة، فضلاً عن إجراء التحقيق، تقديم الاقتراحات اللازمة بشأن وضعية الأبنية القديمة. كان لافتاً أن ميقاتي لم يترك المهلة مفتوحة للجنة التحقيق، إذ حدّد لها مهلة 15 يوماً لرفع تقريرها إليه.
بعد 3 أيام على الكارثة، يبرز السؤال عن اللجنة المذكورة، أين أصبحت؟ الجواب موجع. رئيس اللجنة، كلود مسعد، أكّد لـ«الأخبار» أن لجنته «لم تولد بعد»! أكثر من ذلك، لم يجد الرجل حرجاً في القول إنه «لم يزر منطقة الحادث بعد»! حسناً، ماذا عن الوزارات التي يفترض، بحسب القرار الحكومي، أن تسمي ممثلين عنها؟ «لم أعرف الأسماء بعد. قد تكون وصلت إلى الحكومة، لكن أنا لم يصلني شيء». هل يعني هذا أن اللجنة لم تتوصل إلى أي شيء بعد، لناحية تحديد الأسباب والمسؤوليات، أو أقلّه الوصول إلى «رأس الخيط»؟ يجيب مسعد، ببرودة شديدة: «كلا. لم يتضح لنا شيء بعد». للوهلة الأولى، يظن المتصل بمسعد أن الاتصال ربما تم بشخص آخر عن طريق الخطأ، أو أن في الأمر تشابه أسماء، ليتبين لاحقاً أنه هو المعني فعلاً. هكذا، يبدو أن سياسة «الوعود الفارغة» باتت تمارس علناً، بعدما كانت «تُلعب» من تحت الطاولة.
وبالاتصال مع رئيس بلدية بيروت، بلال حمد، وسؤاله عمّا إذا كان سمّى ممثل البلدية في لجنة التحقيق، أجاب بسرعة: «نعم لقد حددنا ممثلنا، وهو مدير مصلحة الهندسة الياس هداية». ترى لماذا لم يعرف رئيس اللجنة بهذا الأمر؟ «بصراحة لا أعلم، فنحن بعدما وردتنا رسالة بضرورة التسمية، فعلنا وأرسلنا الاسم إلى الحكومة. وأول من أمس، قصد ممثلنا القصر الجهوري حيث كانت تعقد جلسة مجلس الوزراء، لكي يجتمع مع باقي الأعضاء، لكن تبيّن له أن حضوره ليس للاجتماع، فعاد أدراجه».
لم تنته «اللعبة» غير المفهومة بعد. ففي البيان الذي صدر، أمس، عن وزارة الداخلية، ذكر أن مجلس الوزراء «شكّل لجنة برئاسة الوزير مروان شربل، لمباشرة درس الأسباب التي أدّت إلى انهيار المبنى، إضافة إلى تقديم الاقتراحات ودرس الإجراءات القانونية بحق المسؤولين عن هذا الحادث»!!
إذاً، على «الشاطر» أن يفهم الآن. من هو رئيس اللجنة يا ترى؟ أهو الوزير شربل أم المهندس مسعد؟ وحده الله يعلم. من جهته، أكد شربل لـ«الأخبار» أنه هو رئيس اللجنة، مضيفاً «يبدو أنه قد حصل لغط في بيان الحكومة لناحية تحديد الأسماء». حسناً، شربل هو رئيس المحققين. فلنسأله عن الأسباب وعن المسؤولية. «اللجنة لا يمكنها أن تحدد الأسباب الآن. إذا أردنا أن نتحدث بالقانون، فإن مالك المبنى هو المسؤول، علماً أنه لا يجوز أن نضع كامل المسؤولية عليه، فهو كان يتقاضى من المستأجر مبلغ 500 دولار في السنة». يبدي الوزير تعاطفاً مع مالك المبنى، الذي «أخبر المستأجرين بخطر الانهيار قبل حصوله، لكن غلطته الوحيدة أنه لم يخبر البلدية ولا القوى الأمنية، لكن لا يمكنني أن أحمّله كامل المسؤولية». أما لناحية ما قيل عن «مؤامرة»، قد يكون قد قام بها المالك، لناحية مساهمته في انهيار المبنى انتقاماً من المستأجرين، فإن شربل يرفض هذا الكلام ويصفه بـ«الحكي الفاضي». يذكر أن المالك، إضافة إلى شقيقه، ما زالا قد التوقيف لدى قوى الأمن الداخلي، ويجري التحقيق معهما في فصيلة الأشرفية تحت إشراف النيابة العامة في بيروت.
وبعيداً عن «جدلية» لجنة التحقيق، التي بقي أمرها مبهماً حتى يوم أمس، فإن شربل، وبعد نقاش في المسؤولية، لم يستطع إلا أن يعترف بأن «الدولة مقصرة». بعد ذلك، يتحول شربل، فجأة، من وزير إلى مواطن يضع الحق على الدولة. يبدي امتعاضاً، أقرب إلى الاشمئزاز، من «تخلف» لبنان عن الالتحاق بركب الدول المتطورة. يقول: «في الخارج يبحثون من خلال كاميرات متخصصة بين الركام، أما نحن فما زلنا نبحث بالكلاب البوليسية. يا حرام هالشعب، أين ذهب دين الـ65 مليار؟». هكذا، خرج شربل، لدقائق، من ثوب الوزارة وعاد مواطناً عادياً. لم يكن ينقص إلا أن يشتم الدولة. طبعاً، الوزير يقول ذلك «تأثراً وحرقة، خاصة على رجال الدفاع المدني الأبطال، الذين فعلوا بأيديهم الكثير، علماً أن نصفهم من المتطوعين، وذلك بسبب العجز عن إقرار القانون المتعلق بتنظيم شؤونهم وغياب آليات تثبيت العاملين... ولك آخ خليني ساكت».
إلى ذلك، تمنى شربل على لجنة الإدارة والعدل النيابية، الإسراع في إقرار اقتراح القانون الذي ينص على «إعادة هيكلة الدفاع المدني، في العديد والعتاد، لكي لا يبقى بينهم أجير ومتطوع». ويختم قائلاً: «للأسف، نحن ننتظر وقوع موت حتى نتحرك، فاليوم دفعنا لكل ضحية 30 مليون ليرة، ولو دفعنا مجموع هذه المبالغ سابقاً، على مشاريع ودراسات في محلها، لما حصل ما حصل». هذا الكلام يؤكد مضمونه رئيس بلدية بيروت أيضاً، الذي أكّد أنه، بعد الحادث، تقدم نحو 50 شخصاً ببلاغات عن مبانيهم المهددة بالانهيار. ويكشف حمد أن «ثمة فراغاً في القوانين، لأن البلدية حالياً ليس من مسؤولياتها الكشف على مبان من دون شكوى، ولذلك طلبنا تعديلاً يصبح بموجبه للبلدية الحق في المبادرة والتدخل. وطبعاً، ليس لدى البلديات حالياً ميزانية مالية لهذه المهمة، وبالتالي لا بد من إيجاد حلول». إذاً، على اللبنانيين انتظار الحلول، وإلى ذلك الحين، يؤمل عدم حصول كارثة أخرى.


المدارس تتضامن مع الضحايا

تشهد المدارس الرسمية والخاصة وبعض الجامعات، هذين اليومين، وقفات تضامنية إنسانية مع ضحايا المبنى السكني في الأشرفية – فسوح. فوزير التربية حسان دياب عمم على جميع مديري المدارس والثانويات والمهنيات الرسمية والخاصة وأفراد الهيئتين الإدارية والتعليمية «تخصيص نصف ساعة غداً الخميس للتعبير عن الحداد والتعاطف مع الشهداء والجرحى». ويبدأ التضامن بالوقوف دقيقة صمت حداداً على أرواح الضحايا ومن ثم الطلب من أحد الأساتذة التحدث من وحي الكارثة، والتنبه إلى الحالات المشابهة، وحضّ التلامذة على الإبلاغ عنها، تجنباً للمزيد من الكوارث. إلى ذلك، دعا الأمين العام للمدارس الكاثوليكية في لبنان الأب بطرس عازار كل المدارس الكاثوليكية الى تنظيم وقفة صلاة مع جميع الذين سببت لهم حادثة انهيار المبنى أحزاناً وجراحاً وخسائر بشرية ومعنوية ومادية.
وأوضح عازار «أنّ ابواب المدارس الكاثوليكية مفتوحة، اليوم، بصورة طبيعية، مشيراً إلى انه طلب من المسؤولين عن ادارات المدارس الواقعة في منطقة تشييع الشهداء التشاور في ما بينهم لاتخاذ التدابير التي تتوافق وموقعهم الجغرافي».


Script executed in 0.19723892211914