أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

لا أحـــد يـفـهــم شــربــل نحّـاس

الجمعة 20 كانون الثاني , 2012 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,857 زائر

لا أحـــد يـفـهــم شــربــل نحّـاس

من هنا يبدأ الالتباس. من الاختلاف شبه التام في الشكل وفي المضمون لما تعودوا عليه. 

والطبقة السياسية لم تهضم، بعد، وجود «الشيوعي» على طاولة الحكومة. أمثاله، في العادة، إما ما زالوا في مراكزهم الحزبية يتدارسون كيفية انتصار الاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة، وإما أنهم مستشارون للسياسيين، أي ببساطة مقررو الظل الذين يتعاطون مع السياسة بصفتها علماً يجيدونه، كالرياضيات، بغض النظر عن قناعاتهم، وعن الآمال التي حمّلوها للعمل السياسي الذي كان نضالاً، وجعله الاحباط وسيلة عيش.

وهذا النحّاس غريب على السياسيين، لأنه يمثل حالة يسارية في الحكومة، مع انه ليس ممثل اليسار اللبناني فيها. هذا لم يحدث من قبل. غيره من اليساريين وصلوا إلى مناصبهم بصفتهم سابقين تائبين، وبالغوا في التعبير عن شؤون طوائفهم وشجونها حين أوصلتهم هذه. اما هو فاستمر، من ضمن تمثيله لتكتل التغيير والاصلاح، على ما كان عليه، أكاديمياً مثقفاً، اقتنع به، للغرابة، زعيم ليس في سيرته، من الجيش اللبناني إلى الزعامة السياسية ما يدل على أي ميول يسارية.

على ان اليساري، العدو الاصلي للحريرية لن يجد باباً أكثر ملاءمة له من باب «التيار الوطني الحر» ليدخل إلى السلطة، ولو كانت أحلام التيار حول التغيير والإصلاح أكثر تسطيحاً بكثير مما يحلم به الاقتصادي الذي راكم معرفة اقتصادية كبيرة خلال عقود من دراسة الحالة اللبنانية، وضع في خلالها عشرات الدراسات وصار خبيراً في أصعب اختصاص، وأكثره أهمية. وهو من قلة ليست مستعدة لاستسهال التحدث في الاقتصاد، حتى إذا كان فهم ما يقوله صعباً، فإن هذه ليست مشكلته بالضرورة. هي مشكلة البلد الذي لم يعتد بعد على أمثاله في عالم الاقتصاد والسياسة. 

في العادة اللبنانية، يمكن أيا كان التحدث في أي شأن كان. هكذا، يتوه السياسيون والرأي العام معاً، وهكذا، يصير كلام نحاس من الغرائب. وتصير مبررة شكوى زملائه الذين ينتمون إلى التكتل نفسه، ممن يأخذون عليه انه يتطرف. ينحاز، ثم يغضب بسرعة (كمعظم اللبنانيين البالغين، وكالجنرال عون نفسه)، أو ممن يجدونه متكبراً وفوقياً وغير قابل للأخذ والرد.

شربل نحاس لا يجيد إلا لغة واحدة، يخاطب بها الجميع. هذا ما جعله غير محبوب، تقريباً، من أحد من السياسيين. نادراً، إن لم يكن أبدا، ما اتحدت مراكز القوى السـياسـية في «التخلي» عن سياسي كما حـدث مع نحّاس... إلا في زمن «حكومة الشـباب» الشـهيرة. 

بعض زملائه لا يوفر فرصة لانتقاد حساسيته الاجتماعية اليسارية المفرطة. «المستقبل» ما زال يخوض ضده حربا ثأرية بلا سقف أخلاقي، بسبب الجدل بينه، حين كان وزير اتصالات، وبين رئيس الحكومة في حينها، سعد الحريري الذي تسرّع بالتوعد له، على طريقة القبضايات، بأن «الله لا يخليني إذا خليتك يا شربل».. فإذا بالله يحقق له أمنيته، ويبدو نحاس كمن حمل بعدها ذنب خروج الحريري من الحكم.

حتى مع نجيب ميقاتي «الصديق» قبل أن يكون رئيسا للحكومة، يصبح «الوزير» الآتي من خارج النادي التقليدي، عنصرا منفرا للقطاع الخاص «أينما حلّ». ميقاتي، أيضا، يرى فيه، ويتعامل معه، بصفته سلاح ميشال عون المدفعي الموجه ضدّه.

حركة «أمل» لا تطيق الأحمر وكل مندرجاته، ويكاد رئيسها يحمل خالد حدادة مسؤولية «ورم الرأس» عند نحاس. أصلا الحركة نفسها ليست بحاجة إلى نظريات أخرى غير نظرياتها الخاصة عن الاقتصاد. «حزب الله» ليس سعيداً بنشاط شربل الزائد الذي يعكّر له مزاجه الاقليمي الغالب عليه هذه الايام.. وعلى كل ما يتعلق بالتغيير والاصلاح. 

الهيئات الاقتصادية ترى فيه عدواً لدوداً لا يقل خطراً عن فلاديمير ايليتش لينين وصحبه البلشفيين. وقيادة الاتحاد العمالي العام، ذات الاداء المعيب، ترى في وزير العمل مدافعاً شرساً عن حقوق العمال، التي تقوم هذه القيادة بما في وسعها لكي لا تدافع عنها، بل على الارجح لتقضي عليها. والحكم هنا ليس على النيات، بل بناء على النتائج التي تحققت من خلال التخبط لاتحاد عاجز عن أن يكون صاحب قرار مستقل، ولو في الحد الأدنى. اتحاد بركبتين مصطكتين جعل الغالبية العظمى من اللبنانيين تحت رحمة أسوأ معالجة نقابية في التاريخ لمسألة الأجور، خرجنا منها في ختام اشهر من النكايات والنكايات المضادة، والتجارب الفاشلة على طحين خبزنا، بأقل من مئتي دولار، وبأقل بمراحل من حقوقنا، وبالتأكيد، خرجنا بالكثير الكثير من الشعور العارم والساحق بالمهانة. أما البقية الباقية من اقطاعيي الطوائف فلا يريدون هذا الآتي وفي باله تعليم أبناء الرعايا صيد السمك.

حتى أمس الاول، لم يكن لشربل نحاس من ساسة الجمهورية اللبنانية غير ميشال عون. على أن «التغيير» و«الاصلاح» إذا كانا ما زالا ضمن حسابات عون، فهما ليسا كل حساباته في أي حال. لم يبق لنحاس، بينما الجميع يرّبت على كتفه مواسياً، إلا النصيحة التي تضمنتها المواساة: تواضعْ.

لكنها ليست مسألة تواضع. الوزير الذي يُوصف بالعناد وضيق الصدر و«الاستذة» و«ممارسة الفلسفة» على الآخرين، لا يبدو أنه بهذه المواصفات يقدّم طلب دخول إلى الطبقة السياسية، بل انه يناكف هذه الطبقة، حتى تكاد لا تقدر على احتمال ضجته العالية، وتحوله، بسرعة قياسية إلى ظاهرة.

ليست مسألة تواضع عند هذا الخبير الذي لم تفقده الارقام نفسه. ولم يتحول إلى مجرد آلة حاسبة بل ظل على تماس أخلاقي مع الناس، عليه تقوم معرفته وعليه يقوم عناده. قام بواجبه تاماً. كان مشروعه الذي راح يبهت مرة بعد مرة، حتى لم يبق منه شيء، تأسيسياً لعدالة اقتصادية اجتماعية مأمولة. 

نعم كان الوزير لينال حقه لولا أنه ينتمي إلى عالم آخر لا يشبه العالم السياسي اللبناني. هُزِم مشروعه، وظلت لغته أعجمية، وظل هو نفسه أقرب إلى خبير اجنبي يحمل دائماً مئات الاوراق المليئة بآلاف الارقام التي يعجز السياسيون عن فك طلاسمها. يعجبون به، هكذا، بحيادية ومن بعيد، كأنه يحكي بالسويدية عن سويسرا. غير انهم سرعان ما يصابون بالضجر منه ومن مفرداته الاعجمية، فيلجأون إلى طرقهم اللبنانية في حل المشاكل: التسويات لا تصنع الا في الغرف المغلقة، وأن تكون الاولوية فيها للمصالح السياسية والطائفية.. وان تكن حلولاً مؤقتة، لأن الحلول الجذرية ممنوعة.

لا أحد يفهم شربل نحاس الا شربل نحاس. هنا تبدأ معضلته وهنا تنتهي.


Script executed in 0.1947910785675