أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«ثوار الأرز» سنة أولى معارضة: ارتباك الخطاب.. وشح الخدمات

الجمعة 27 كانون الثاني , 2012 04:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,394 زائر

«ثوار الأرز» سنة أولى معارضة: ارتباك الخطاب.. وشح الخدمات

 

... وهكذا صار سعد الحريري متكئاً على «العصا». أصلاً قوى الرابع عشر من آذار، اتكأت قبله على العكاز: «عَوَز» ماليّ، ضعف بنيويّ، ترهّل جماهيريّ، تشتت خطابيّ، يُتم إقليميّ ودوليّ.

قبل تاريخ الرابع عشر من آذار، سيضطر «قائد المزقزقين» إلى إقفال جهاز «الماكينتوش» المحبب إلى قلبه، بعد الخروج مؤقتاً من حسابه الخاص على موقع «تويتر» للتواصل الاجتماعي، وتوضيب حقائب السفر... للهبوط في مطار رفيق الحريري الدولي... وطبعاً على متن طائرة خاصة، يجزم المخولون النطق باسمه في بيروت.

لماذا مطار بيروت وليس مطار دمشق كما كان قد وعد سابقا؟ 

لن يكون الجواب مهماً. بالنسبة الى «التيار الأزرق»، العبارة المنقولة عن لسان الحريري، لها دلالة رمزية لا مادية أو جغرافية «ولكن بكل الأحوال، الحراك السوري مستمر وهو لن يتوقف والنظام سيسقط عاجلا أم آجلا، وكل من يراهن على عكس ذلك في لبنان أو غيره من العواصم عليه أن يعيد ترتيب حساباته وأولوياته» يقول مسؤول في التيار الأزرق.

إذاً قرار العودة شبه محسوم، برغم الوعكة الصحيّة التي ألمّت بـ«الشيخ». هذا هو لسان حال رئيس الحكومة السابق نفسه وهو يردده على مسامع «المزقزقين» من حوله، كل ليلة تقريباً. لم تعد هناك أية حجج لبقاء «الزعيم الأزرق» غائبا عن جمهوره.

وهكذا، كما غادر تحت جنح الظلام، قد يعود «نجل الشهيد»، من دون ضجّة. وكما بقيت الأسباب القاهرة التي حملته إلى منفاه الطوعي، ضبابية، وفي مربّع التكهنات والاجتهادات الشخصية، فإن الدوافع التي أملت عليه وضع حدّ لغربته، قد تظلّ محاطة بجدار من الغموض... باستثناء عامل وحيد صار مكشوفاً: الانحدار الشعبي.

على الأرجح لن يجد «قائد كتائب المعارضة» و«حامي» شعلة «ثورة الأرز»... ألوفاً مؤلّفة تزحف إلى حرم المطار، لاستقباله. لن تُقفل الطرقات المؤدية بأرتال من المؤيدين الذين ينتظرون عودة «نجل الشهيد» ليُحمل على الأكف «زعيماً»، فالمخاوف الأمنية التي سجنته في قصور الرياض وباريس ومنتجعات الألب، قد تحول أيضاً دون إبرازه عضلاته الجماهيرية لحظة تطأ قدماه أرض الوطن... إلا إذا استعار ثياب «سانتا كلوز» وقرر توزيع الهدايا والمساعدات من لحظة نزول طائرته الخاصة على المدرج البيروتي.

هي المخاوف ذاتها التي دفعت فريقه السياسي إلى غربلة كل السيناريوهات الممكنة للاحتفال بالذكرى السنوية لليوم الرابع عشر بنسختيه الشباطية والآذارية: هل نخاطر بفلش جمهورنا في الشارع؟ هل بمقدورنا تحمّل كلفة أي اشتباك على الأرض؟ ماذا لو لم تنفع كل خدع «الزوم إن»؟

لا مفرّ من مواجهة الحقيقة المرّة: تجربة المعارضة لم تكن نموذجية، ما قدمه الخصوم من هفوات وأخطاء في أدائهم الحكوميّ، وما قدمته الظروف المحيطة من فرص، لا سيما على الطبق الدمشقي، كان أكثر بكثير مما نجحت قوى الرابع عشر من آذار في غرفه من معجن المعارضة.

الرياض خائفة، ورأس الهرم المعارض منكفئ، والتيابن بين الأعضاء لم يوفر حتى النظرة الى الخصوم. ترياق الاجتماعات الدورية، بين أقطاب المعارضة، والتي تضم عادة، أمين الجميل، فؤاد السنيورة، سمير جعجع، ممثلي «الشيخ» وبعض الشخصيات التي تصنّف نفسها بالمستقلة، لم تنفع حتى اللحظة، في مداواة التمايزات الصارخة بين أبناء الصف الواحد. بينهم من يعارض الحكومة تحت عنوان المحكمة الدولية والإدارة اليومية للملفات الداخلية، وهناك من يقول بعدم جواز التعامل معها نهائيا... حتى داخل التيار الأزرق نفسه، هناك أكثر من وجهة، أبرزها تلك التي يعبر عنها الرئيس فؤاد السنيورة، بنظرته المتمايزة للحكومة ورئيسها نجيب ميقاتي وكذلك حرصه الشديد على التواصل مع وليد جنبلاط.

لا بدّ من تعبئة الناس وشدّ العصب وإخراج أبهى صورة للمعارضة. الحاجة إلى تلميع المشهد باتت ضرورة. الكلّ يريد «عروضاً بهلوانية» تبهر ناسهم قبل خصومهم: مهرجان خطابي في 14 شباط في «البيال» سيكون نجمه الأسطع فؤاد السنيورة في انتظار رجوع «الشيخ» الى «وسطه»، واستعراض جماهيري كبير في 14 آذار في ساحة الشهداء، يستعيد معه الحريري تواصله «السبور» (مع العكاز) مع جمهوره الذي يأمل منه هذه المرة «فتح دكة» الخدمات والمساعدات.

اثنا عشر شهراً من الجلوس في صفوف المعارضة. سبع سنوات من الاحتماء بـ«خيمة» الرابع عشر من آذار. ولكن ماذا تحقق؟ 

لم يكلّف هذا الفريق نفسه إجراء جردة تقييمية لإنجازاته وإخفاقاته. اتكل على «جلسات السمر» في بيت الوسط بين «الرؤوس الكبيرة» لتفحّص التجربة المشتركة واستخلاص عبرها... ولقاءات متفرقة آخرها قبل يومين في أحد فنادق العاصمة لم ترق الى مستوى الأسئلة الكبرى، وخاصة الاقليمية.

بدأ مسلسل الانهيارات بنظر أحد «المستقبليين» مع اتفاق الدوحة وابتكار الثلث المعطل، ليتوّج باتهامات التنازل التي سيقت بحق الحريري، وصولاً إلى القحط المالي، وانكفاء الرياض إلى حديقتها الخلفية. ولكن بوادر الأمل تعود لتطرق الأبواب: انتهاء مفاعيل «الدوحة»، انتحار «السين سين»، «الثورة السورية» ويبقى العنصر الأخير وهو الإفراج عن المال السياسي.

في مراجعة هذا الفريق، يتبيّن أنه يكفيه أنه حافظ على الحدّ الأدنى من الإطار الجامع. لقاءات الأمانة العامة الأسبوعية (على الرغم من تحفّظ الكتائب عليها). اجتماعات موسّعة وإن ندر حصولها. آلية بسيطة تحاول إقناع الرأي العام، بأن قوى الرابع عشر «ماشية»، و«شغلها ماشي» ولو أن البلد «مش ماشي» مع حكومة نجيب ميقاتي، وفق قناعة هؤلاء.

يمنّن هذا الفريق نفسه ببعض اللقاءات الثنائية الاستثنائية التي يحاول عبرها تعويض الغياب عن نواقص كثيرة. عودة الحوار مع «حركة التجدد الديموقراطي» تملأ بعض الفراغ. والغزل عن بُعد مع الحزب التقدمي الاشتراكي يرفع المعنويات الهابطة. وتنسيق الحد الأدنى مع «الجماعة الإسلامية»، خاصة في العنوان السوري، يرفع الرصيد، ولكن كل ذلك ليس كافياً لاستعادة زخم متآكل.

يؤكد أحد النواب «المستقبليين» المخضرمين أنه لا يمكن القفز فوق الحاجة لعقد مؤتمر موسّع، يناقش التجربة الماضية، بشقيها المعارض والسلطوي، يخرج بوثيقة ترسم خريطة طريق المرحلة المقبلة. يلمّح إلى نقاش ضمن دوائر ضيقة، قد ينتهي إلى الدعوة لعقد مؤتمر من هذا النوع قبل الرابع عشر من شباط.

ولكن غياب «القائد» هو أكثر نقاط الضعف التي يعترف بها «الفريق الأزرق». لا أحد بمقدوره أن يقدم جوابا للجمهور المتعطش الى زعيمه. إطلالات سعد الحريري «التويترية» الدافئة، لن تتوسط جلسات البقاعيين والعكاريين الباردة في غياب المازوت الأحمر، أو أهالي إقليم الخروب والعرقوب ممن تفيض جنبات منازلهم بتنكات زيت الزيتون الكاسدة. هؤلاء بحاجة إلى رؤيته بالعين المجردة، أو سماع صوته، ما دامت «نِعمَه» مجمّدة بسبب الأزمة المالية.

برغم ذلك، لا صوت يعلو فوق صوت سعد. يدرك الزعيم بالوكالة فؤاد السنيورة هوامشه، وهو يحفظ أصول اللعبة عن ظهر قلب. تحصّن خلف قلعته النيابية يدير دفتها ويضبط إيقاعها كما يشاء. مستمع جيد وماهر في تدوير زوايا خلافات «أبنائه». حريص دوماً على تبييض صفحته مع الخصوم. يصفه «الرفاق» بأنه من «المحافظين»، متمهل وغير مندفع، ويرفض أن يكون في مقدمة «الثوار» داعمي «الانتفاضة الشامية»... وعلى الرغم من ذلك فإن تاريخه لا يمكن أن يقنع خصومه بدوره الوسطيّ.

ماذا سيقول السنيورة في خطاب «يوم الشهيد»؟ العناوين العريضة صارت واضحة، والأولوية الى جانب «الحقيقة» ولعن الحكومة و«السلاح»، مخاطبة عقول المسيحيين اللبنانيين والعرب ألا يخافوا من الربيع الزاحف الى بلاد الشام. «نظام بشار الأسد غارق في مستنقع الاحتجاجات الداخلية ومنكفئ عن خاصرته اللبنانية.. حتى سقوطه»!

[[[

لم تنفع «زقزفات تويتر» طوال الأشهر الماضية في استنهاض القواعد «الزرقاء» أو تلك الحليفة. الخمول أصابها، باعتراف المتعاطين مع الأرض، من دون إغفال الأسباب الأخرى التي لفحت الحالة الآذارية بكثير من البرودة: انكفاء المملكة السعودية عن التعاطي بالشأن اللبناني لا بل مع كل الشؤون العربية والانزواء في زاوية البيت الخليجي عبر دور في اليمن يحول دون وصول النار الى الرمال السعودية ودور في البحرين، لا يصح القول فيه سوى أنه يصب في خانة تشجيع الحل الأمني في المملكة الصغيرة على حساب الحل السياسي.

لا شيء يؤرق بال أهل المملكة الكبرى الخائفة إلا إيران. جدول أعمالهم الإقليمي والدولي، تقع إيران في رأسه ومن بعده بدرجات تحل ملفات أخرى. التعامل مع الحدثين اليمني والبحريني جزء منه، يندرج في إطار التعامل مع الملف المركزي (إيران) من وجهة نظر أصحاب البلاط السعودي. يسري الأمر نفسه على العراق (الحد من النفوذ الفارسي) وكذلك مع لبنان وسوريا وفلسطين!

يعني ذلك أن أولويات المملكة صارت في حديقتها الخلفية. لذلك، لن يجد سعد الحريري من يفكر من المسؤولين السعوديين بدور هجومي، يجعل لبنان مجددا أحد المواقع الأمامية. ينسحب ذلك على أزمة السيولة الحريرية التي طرقت أبواب «سعودي أوجيه» و«أوجيه تيليكوم»، وما لبثت أن استدرجت حلولا لا يمكن أن تعوض فقدان الهيبة في هاتين المؤسستين العريقتين، وخاصة الأولى التي بناها رفيق الحريري مدماكا مدماكا على مدى أكثر من ثلاثة عقود... ليتولى سعد الحريري من بعده تشريد الكثير من موظفيها.. والأخطر تطيير سمعتها.

بالمنطق السياسي، يجب أن يلاقي خطاب 14 شباط ومن ثم 14 آذار، المتطلبات السعودية. يريد سعد الحريري لخطاب المناسبة الثانية تحديدا أن يكون مفصلياً، أي أن ما بعده لا يشبه ما قبله. يحدد فيه مواصفات المرحلة، متطلباتها، رؤيته، استراتيجيته. إلى أين سيأخذ جمهوره. ماذا ينتظرهم. كيف سيواجهون التطورات. كيف سيتعاملون مع الوضع السوري. ماذا سيقولون لخصوم الداخل. هل هي سياسة المعارك المستديمة... باختصار يفترض أن يجيب عن سؤال محوري: إلى أين؟

يكفي استعراض «بروفايل» رئيس الحكومة السابق «التويتري»، للاستنتاج أن خطابه في الرابع عشر من آذار سيتمحور حول مسألة جوهرية. الملف السوري أولاً وأخيراً. فما سمعه «ضباطه» من رئيس الدبلوماسية التركية أحمد داود أغلو زادهم ثقة بأن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء. وأن «الصيف اللبناني» قادم على صهوة «الربيع الدمشقي».

ولكن مقابل «الاندفاعة الزرقاء»، يقف التمايز الكتائبي شوكة في حلق قوى الرابع عشر من آذار. يصرّ أهل الصيفي على الابتعاد قدر الامكان عن المأزق السوري، فيما يقف «المستقبليون» في رأس حربة ثوار بلاد الشام. بالنتيجة، لا يمكن لسعد الحريري أن يقف محرضاً ثوار بلاد الشام، من دون أن يدفع الثمن من جيب تحالفاته. لا بدّ من صيغة توافقية تترك خيمة قوى الرابع من آذار ثابتة على رجليها «المتخلخلتين».

هنا، يعتبر أحد النواب «المستقلبيين» أن الأزمة لا تكمن في الخطاب، وفي مضمونه، بل في تماسك مقوماته. النسب المتباينة للمقاربات الآذارية، بين مندفعة وأخرى حذرة، تفقده بعضاً من وقعه. ولكن الحريري مضطر اليوم، بحسب النائب ذاته، للجوء إلى «الواقعية السياسية» في خطابه المنتظر. بعض الهدوء صار مطلباً. فنقاشات «بيت الوسط» خلال الأسابيع الماضية لم تتوصل الى صياغات نهائية لخطاب 14 شباط و14 آذار. لا المتحمسون للحراك السوري اقتنعوا بضرورة تخفيف النبرة. ولا الخائفون من تداعياته لمسوا موجبات الطمأنينة. وكما في الملف السوري، كذلك حال القضايا الداخلية. المحكمة الدولية «ماشية» من دون «جميلة» أحد، ولا مانع بالتالي من الدعوة لمناقشة سلاح «حزب الله» على طاولة الحوار.


 

Script executed in 0.18711113929749