أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

ألف باء البحث عن الغاز... والسرقة وسبل الحد منها

الثلاثاء 31 كانون الثاني , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,699 زائر

ألف باء البحث عن الغاز... والسرقة وسبل الحد منها

وسط الحديث المتزايد عن وجود كميات كبرى من الغاز في المياه الإقليمية اللبنانية، وتأكيد العديد من الخبراء أن البلاد مرشّحة لأن تتحول قريباً إلى دولة "ثرية"، يتعاظم يأس اللبنانيين وتشكيكهم بإمكانية استفادتهم، كمواطنين، من تلك الثروة. 

ومردّ اليأس المطبق عليهم هو ثقتهم بأن ساستهم، وحكّامهم، لن يفوّتوا فرصة للاستئثار بما تخبئه أعماق البحار، بعدما أطبقوا السيطرة على ثروات اليابسة، البشرية منها والمادية. 

إلا أنه يبدو أن هناك سبلاً يمكن أن تحدّ مما ستتوافر للفاسدين سرقته، وضمان وصول بعض الخيرات للمواطنين، وتحريك الدورة الاقتصادية للبلاد. ويؤكد خبيران نفطيان، عربي وعالمي، لـ"السفير" أن سبل لجم جشع الفاسدين، تتمثل في قوانين شركات البترول (غاز أو نفط) العالمية الكبرى، وهي المعروفة بأنها أكثر الشركات جشعاً في العالم. 

ويوضحان أنه بما أن تلك الشركات تعمل في دول معظمها فاسد، وبما أن الأرباح الكامنة في النفط والغاز تفوق ميزانيات دول برمّتها، كان لا بد من إيجاد سبل تنظم عمل الشركات في ما بينها، وتضع "قواعد" ملزمة للجميع، تحدد سقف الاتفاقات في القطاع في كل أرجاء العالم. 

حدث ذلك في العام 1998، عندما تبنّت "منظّمة مجلس التعاون والتنمية الاقتصادية"، التي تضم 34 دولة، معاهدة مكافحة رشوة المسؤولين الحكوميين الأجانب في المبادلات التجارية الدولية. 

وبموجب تلك المعاهدة، فإن سعي أي شركة دولية، ومن بينها شركات البترول، إلى رشوة مسؤولين حكوميين، لضمان الحصول على عقود أو أي معاملة تفضيلية تضمن تبني عروضها، يُواجه بعقوبات صارمة تؤدي إلى انهيارها. مثال على ذلك ما حصل مع شركة "هاليبرتون" الأميركية، بعدما ثبت تورطها في عمليات فساد في نفط العراق. 

هكذا، وفي حال قامت أي شركة، في سبيل الحصول على معاملة تفضيلية أو مميزة، بعرض رشوة على مسؤول حكومي لبناني، فإنها تعرّض مستقبلها برمته للخطر، ليس بسبب صرامة العقوبات فحسب، بل أيضا بسبب الرقابة التي تمارسها الشركات كل على الأخرى، لأسباب تتعلق بالمنافسة في ما بينها. 

وينطبق ذلك على الشركات العالمية الكبرى، وليس على الشركات الصغرى، أو الشركات التي تنتمي إلى دول لم توقّع المعاهدة. 

بذلك، يصبح تلزيم الأنشطة البترولية لشركات كبرى ضمانة عالية ومهمة، للتوصل إلى نتائج ناجحة ومضمونة من جهة، ولتفادي الفساد من جهة ثانية. 


حيل.. وعواقب

بالطبع، ثمة سبل للتحايل والفساد. إذ يمكن تلزيم عدد كبير من الشركات الصغرى بعمليات التنقيب، وهي لا ترد في رشى مسؤولين حكوميين، إلا أن ذلك سيؤدي إلى تبديد سنوات مديدة، من دون التوصل إلى نتائج مجدية، لأنه ليس لدى هذه الشركات الإمكانات المادية أو التقنية، أو الخبرة اللازمة، للوصول إلى الغاز في قاع البحر. 

بالإضافة إلى ذلك، يستطيع المسؤول الرسمي، كحيلة ثانية، أن يرسل سمسارا للاتفاق مع سمسار تابع للشركة الكبرى، على أن تتم العملية كلها بصورة غير رسمية، إلا أنه من الصعب إخفاء الأمر لمدة طويلة، بسبب الرقابة التي تمارسها الشركات على بعضها البعض لأسباب تنافسية. 

كما أن أي محاولة من قبل أي مسؤول رسمي لبناني، للإيحاء بأن الرشوة ممكنة، ستؤدي حتماً إلى إبعاد جميع الشركات الكبرى الجدية، التي لن ترغب في التورط في بيئة فاسدة، وستمتنع عن العمل في لبنان. 

وبعد انسحاب الشركات الكبرى من حقل ملوّث بالفساد، حرصاً منها على سمعتها العالمية، يكون لبنان قد أذعن لشركات لا تتمتع بالخبرات والميزانيات المالية والتقنيات اللازمة، تاركاً ثرواته لشركات ربما تأخذ بحر لبنان "حقلاً" لتجاربها البدائية. 

وبذلك، يقع لبنان ضحية لجشع أهل السياسة والحكم الآني، بدلاً من أن يكون هؤلاء هم الرافعة لضمان صيرورة البترول وعائداته على المواطنين والأجيال المقبلة، خصوصاً إن المسوح الجيوفيزيائية (ثلاثية الأبعاد) الأخيرة لشركة "PGS" النروجية، تبشّر بنتائج "مفاجئة"، وفقاً لمصادر معنية. 

لكن، لأن الشركات الكبرى تعمل في أماكن تعج بالفساد، فقد تم إنشاء ما يسمى بـ "صندوق السيادة" الذي يحصل على جزء من أرباح الغاز، وتخصص أمواله لإنجاز مشاريع محددة (طرقات، تنمية... الخ). وهنا، يمكن للساسة "الإفادة" غير المشروعة، من خلال تلزيم المشروعات لمتعهدين من "أتباعهم"، لكنها "خسارة" محددة، مقارنة برشى شركات البترول. 



التنبؤ وفقاً لكميات الجوار 


تتمثل الخطوة الأولى في رحلة البحث عن البترول، بتلزيم الدولة شركات عالمية متخصصة لإجراء عمليات استطلاع أوليّة للمنطقة المحددة (البحر في لبنان)، لتقدير حجم البترول الموجود، وهو يبقى تقديرا أولياً. ثم يصار إلى معالجة النتائج وتحليلها، وتباع لشركات البترول العالمية، التي تتقدم، بناء عليها، بعروض (مناقصات) التلزيم، بعد إعلان الدولة عن افتتاح دورة منح تراخيص التنقيب. 

ويؤكد الخبير العربي أن هناك استحالة للتأكد من كميات البترول، أو حتى التحقق يقيناً من وجوده في قاع البحر، قبل البدء بالحفر الفعلي، مشيراً إلى ضرورة وجود أربعة عناصر تضمن وجود البترول. وهي عناصر لا يمكن تفحصها والتثبت من توافرها دفعة واحدة، لكن توافر اثنين منها، يعد حافزاً للبدء بعمليات الحفر. 

وفيما يؤكد الخبير أنه لا يكفي وجود غاز في مياه الدول المجاورة لتأكيد وجود غاز في المياه اللبنانية، يلفت إلى أن كل الغاز الموجود في منطقة المتوسط، آتٍ من دلتا النيل. 

ومعروف أن الكميات تتضاءل مع الابتعاد عن المركز، لذلك فإن الكميات قبالة شاطئ غزة، مثلاً، تفوق الكميات الموجودة قبالة ساحل شمالي فلسطين. وبالتالي فإن المتوقع للبنان، جيولوجياً، يُقدّر أن يكون أقل مما هو في مياه فلسطين، وفقاً للتحليل المبني على استقاء الكميات الأولية وتقديرها ربطاً بكميات الدول المجاورة. 

لكن التفاؤل الحذر يصبح معقولاً بعد التحقق من العناصر الأربعة، وهي وجود آثار للغاز أو النفط، ونوعية التربة، ووجود حوض، فوقه غطاء يضمن عدم تسرب الغاز على مر السنين الماضية، بالإضافة إلى توافر دليل على وجود مسبب، يسمى تقنيا "charge"، يسمح بتشكّل الغاز. 

وبما أنه يستحيل التحقق من توافر العناصر الأربعة، يكفي التثبت من عنصرين اثنين فقط، كحافز للبدء في عمليات التنقيب. 



جذب الشركات الكبرى 


يؤكد الخبيران أن مصلحة لبنان تقتضي اختيار شركات تتوفر فيها ثلاثة شروط أساسية، وهي: 1- الخبرة السابقة في التنقيب في البحر، كونها تختلف عن التنقيب في البرّ. 2- قدرة الشركات على تكبد التكلفة المالية العالية لإنجاز العملية. 3- توفّر التقنيات الحديثة، والتي غالباً ما تكون معقّدة، علماً بأنه لا يمكن للشروط الثلاثة أن تتوفر في شركات التنقيب الصغرى، أو حتى المتوسطة. 

ويشير الخبيران إلى أن الشركات الكبرى لن تتحمس للعمل في لبنان إذا قسم الحوض البحري إلى كتل (بلوكات) كثيرة وصغيرة، لأنها لن تهتم بمساحات ضيّقة. 

لذلك، يُستحسن، وفق الخبيرين، تقسيم منطقة التنقيب إلى عدد غير كبير من الكتل، لأن الحقول تحت الماء غالباً ما تكون متداخلة، ولدى اكتشاف ما يقع منها ضمن أكثر من كتلة، سيتطلب الأمر عمليات مفاوضات معقّدة وطويلة، ومتشعبة، تعيق العمل أعواماً. 

أما وجود عدد قليل من الكتل الكبيرة، فيضمن اقتصار العمل على شركات كبرى تضمن نتائج جدّية. 

وفي حين يفضّل الخبير العربي تقسيم المنطقة إلى خمس كتل، يرى الخبير الدولي أنه لا يتوجب أن يزيد عدد الكتل عن الثلاث، لأن المساحة المعنية ليست كبيرة. 


عمليتا التنقيب والنقل 


تبدأ العملية مرحلة الاستكشاف، ولها مدة محددة تلتزمها الشركة وهي تتضمن استثمارا في دراسة "زلزالية" SEISMIC، أي تنفيذ تفجيرات تحاكي الزلازل داخل الماء، لهز الأرض وإنتاج موجات صوتية لمعرفة عدد الطبقات، وحجمها، وسماكتها. 

ثم تليها مرحلة حفر الآبار، ويمكن لكلفة البئر الواحدة أن تتراوح بين مئة مليون دولار ومئتين وخمسين مليون دولار، ويتعين أن تكون مدة إنفاقها محددة. ويمكن للبئر أن تصيب أو أن تخيب، لأنه لا إمكانية لدراسات دقيقة. وفي حال خابت البئر، تتحمل الشركة التكلفة وتبدأ حفر بئر جديدة. أما إن أصابت، فتبدأ مرحلة حفر آبار صغيرة منتشرة على كامل المنطقة، وتتراوح تكلفة كل منها بين مئة مليون دولار وبين مئة وخمسين مليون دولار. 

تبدأ بعدها "مرحلة التنمية" التي تتضمن مد أنابيب لنقل الغاز إلى حيث سيتم تسييله، قبل نقله إلى حيث يستخدم أو يباع. 

وهناك خياران في هذه الحالة: يتمثل الخيار الأول بتمركز سفن بالقرب من الآبار فوق سطح الماء، ينقل الغاز إليها ويتم تسييلها على متنها. وهذه التقنية تعد حديثة نسبياً، طوّرتها شركة "شل" في استراليا، إلا أن نتائجها ما زالت غير مضمونة مئة في المئة، بحسب الخبير الدولي. 

أما الخيار الثاني، فيتمثل بإنشاء معامل محلية لتسييل الغاز، الأمر الذي يوفّر فرص عمل محلية كبرى. 

وتفضّل بعض الشركات الخيار الأول، لأن السفن توفّر في تكلفة مد أنابيب إلى البرّ، ومن ثم افتتاح معامل تسيّيل ونقل، إلا أن الأجدى للاقتصاد المحلي هو نقل الغاز إلى البر وافتتاح معمل (أو معامل) تسييّل للغاز، لأنه يوفر فرص عمل للمواطنين، كما أنه يسمح بأن تقام من حوله معامل صناعات بترو كيميائية ودورة اقتصادية كاملة. 

يستخدم جزء من الغاز المستخرج للحاجات المحلية (كهرباء... الخ) والبقية تباع للخارج. 

ويوضح الخبير الدولي أن الشركات الكيرى غالباً ما تعتمد خيار نقل الغاز إلى البر، من باب إبداء حسن النيات تجاه الدولة المعنية، واتباع سياسة ودودة فيها رهان على علاقة بعيدة المدى بين الطرفين. 

وثمة من يرى في السفن، من الناحية البيئية، سبيلاً أضمن للتسييّل، إلا أنه يمكن لأي خطأ أن يؤدي إلى تلويث مياه البحر. كما أن الإصرار على إنشاء المصانع على البر، وفقا لأعلى المعايير، على الرغم من التكلفة المرتفعة، يمكن أن يضمن عدم وقوع أي حوادث. 


الإنتاج وتقاسم الأرباح 


تبدأ مرحلة الإنتاج وفقا لاتفاقية الشراكة PRODUCTION SHARING AGREEMENT (اتفاقية المشاركة في الإنتاج) التي تصبح شروطها صالحة لدى البدء بالإنتاج، علماً بأنه يمكن أن يوقع عليه في بداية التلزيم، فيما تفضّل بعض الدول الانتظار، إلى أن تبدأ مرحلة الإنتاج، لإقراره. 

وغالباً ما يتضمن الاتفاق تقسيم الأرباح إلى ثلاثة أقسام: يتضمن الجزء الأول نسبة محددة من الأرباح تعود للدولة كحق ملكية ("royalties”)، ويعود الجزء الثاني من الأرباح للشركات، لسداد نفقات رأس المال الذي تكبّدته في المراحل السابقة على الإنتاج (وتكون هذه النسبة تنازلية، أي أنها تقل مع الزمن، مع استيفاء سداد النفقات، الأمر الذي لا يتطلب أكثر من عشر إلى خمسة عشر سنة). أما القسم الثالث فهو نسبة الأرباح التي يُصار إلى تقاسمها بين الدولة اللبنانية وبين الشركة. 

أما استفادة لبنان اقتصادياً، فيمكن أن تُحصّل سلفاً من خلال تضمين العقود بنوداً تنص على أن شركة البترول ملزمة بتشجيع الاقتصاد اللبناني، في حال احتاجت إلى تنفيذ أعمال وأشغال حفر وبناء منشآت وغيرها، فيكون للمتعهدين اللبنانيين وضع تفضيلي. وبمعنى أدق: في حال قُدمت مناقصات متقاربة في الكلفة، فإن الأولوية تكون لتلزيم اللبنانيين بالمشاريع. 

وتلتزم الشركات البترولية "باللبننة"، أي بتشغيل وتدريب عمال ومهندسين لبنانيين في عملياتها، علماً بأن السياسيين، أيضاً، يمكن لهم "الاستفادة" من هذه البنود، من خلال توكيل متعهدين من قبلهم بالتلزيم، أو توظيف أشخاص من المحسوبين والأتباع.


Script executed in 0.19292187690735