أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

هلا وأمين ومريم يصرعون «الكلب الأسود»: 65% من مرضى السرطان يشفون

السبت 04 شباط , 2012 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,307 زائر

هلا وأمين ومريم يصرعون «الكلب الأسود»: 65% من مرضى السرطان يشفون

كم مرّة اقترب عالمك من نهايته، ثم ما لبثت أن مرّت الأزمة، وعادت الحياة لتكمل دورتها من جديد؟ بعد فترة قصيرة ترى نفسك تحمل آثار خدوش المرحلة الماضية وتمضي نحو البداية الجديدة أكثر قوة. في اليوم العالمي للسرطان، الذي يصادف اليوم، أمين ومريم وهلا يقولون إنّ السرطان ليس نهاية العالم. هم ذهبوا إلى ذلك الجانب المظلم وعادوا ليخبروا قصّتهم.


الحكاية صعبة ولا شكّ، فهي قصّة عن «الألم والعائلة والأصدقاء، والكوابيس... لكنها تدور خاصة حول الحياة والحياة والحياة»، بحسب مدوّنة «هلا كيميا» التي أنشأتها هلا، لمساعدتها على تخطّي المرض ومشاركة عائلتها وأصدقائها تفاصيل وضعها الصحّي من لندن. في بعض الأيام، كانت هلا، التي أصيبت باللوكيميا مرّتين، تستيقظ برجلين منتفختين ولا تجد القوة للنهوض من السرير. وفي أيام أخرى كانت تستعيد نشاطها لتطهو وتذهب للتسوق، وتعطي الأمل لابنتها المصابة بالمرض ذاته وهي في الخامسة من عمرها فقط. لم يكن سهلاً على هلا أن تجترح كلّ هذا الأمل. هي التي أصيبت بالمرض أول مرّة عام 2002، واكتشفت أمره بعدما أنجبت ابنتها الثالثة بأسبوعين. دخلت مرحلة صعبة من العلاج لثمانية أشهر، بعيدة عن ابنتها الحديثة الولادة. تغلّبت على المرض، ودخلت فترة المراقبة التي تمتد خمس سنوات، وهي الفترة التي يمكن أن يعود فيها المرض. في السنة الخامسة، عاد السرطان إلى جسد هلا، لتكتشف معه أنّ ابنتها أيضاً أصيبت بالنوع ذاته. فكان عليها أن تخوض المعركة من جديد، لكن هذه المرّة مع ابنتها. في المرة الأولى، تقول هلا إنّها لم تفكّر بالموت. لكن في المرّة الثانية كان دحر الفكرة من رأسها أكثر صعوبة. ومع ذلك حافظت على الأمل، الذي ساعدتها عائلتها على تنميته داخلها حتى أصبحت من بعدها «خالية من السرطان» مجدداً مع ابنتها.

عندما فقدت هلا شعرها، غاصت في كآبتها بضعة أيام، ثم ما لبثت أن عصبت رأسها بمنديل ونزلت إلى الشارع. وفي اليوم الذي فقد فيه الزميل أمين حماده شعره، أخذ حماماً طويلاً، ثم ارتدى ملابسه وخرج إلى الحياة. في بيته كان لا يزال أهله يتبادلون نظرات حائرة، حول ما إذا كان قد اكتشف الأمر في مرآته أم لم يكتشفه بعد. لم يكن أمين يعتمد أساساً على مظهره للتقرّب من الناس في حياته اليوميّة، كما يقول، إضافة إلى أنّه صمّم على أنه طوال فترة المرض لن يدع شيئاً يحبطه. كان مؤمناً بأنّه هو من سيعكس التفاؤل والقوة على الناس من حوله، واختيار محيطه في هذه المرحلة الصعبة مهم جداً. فحاول الابتعاد قدر الإمكان عمّن يعتقده قادراً على حشره في زاوية الإحباط والكآبة، بما أنهما إن تملّكاه سيفقد وقتها فقط، معركته مع المرض، و«من يلعب دور الضحيّة يقض المرض عليه فوراً». ربح أمين المفعم بالأمل المعركة، بعد سنة ونصف من العلاج، وأصبح هو الآخر خالياً من الخلايا السرطانيّة، رغم أنّه ليس من السهل أبداً ابتكار كلّ ذلك الأمل، إذ إنّ حياة أمين كما كان يعرفها انتهت تقريباً وهو لا يزال في السابعة والعشرين من عمره.

في الفترة الأولى شعر حماده بآلام في مختلف أنحاء جسده لكنه تجاهلها، لأنّه كان مأخوذاً بعمله في أحد البنوك في قطر. بقي أمين سنة كاملة يتناسى أوجاعه أو يضربها أحياناً بالمسكنات، حتى نبت ورم تحت إبطه وفي رقبته. بحث حينها عن وضعه على «غوغل»، وقاده البحث إلى «سرطان الغدد اللمفاويّة». أقفل حاسوبه وهرع إلى المستشفى. اكتشف مرضه في مراحله الأخيرة، ما جعل الأمور أكثر تعقيداً. لكن بقي الأصعب بالنسبة إليه: تعامل الناس مع مرضى السرطان. إذ إنّه، بسبب مرضه، خسر عمله في قطر، وسيارته وشقّته، وعاد إلى لبنان خالي الوفاض ليبدأ رحلة العلاج. يقول الشاب إنّ هناك بعض الناس الذين قطعوا عملهم معه، على أساس أنّه «انتهى» أو مات. ويبقى الأسوأ، حين يتوافد الأقارب للزيارة، ليلقوا عليه نظرات الوداع الأخيرة. لكن أمين استغلّ الفترة التي قضاها في العلاج، من دون عمل، ليعيد رسم أولوياته. فأعاد إحياء اهتمامه بالأدب كما عاد إلى مقاعد الدراسة بهدف تحصيل دكتوراه في الإعلام. في تلك المرحلة، يكتشف الإنسان فعلاً، بعيداً عن الشعارات، برأي أمين، أنّ الأمور الماليّة ليست الأهم في الحياة ويعيد النظر في كيفيّة «صرف حياته».

الطاقة الإيجابية في داخله، كما اختيار الطبيب الذي يشجّع المريض على تخطي مرضه، كانا السببين الرئيسيين بحسب أمين لانتقاله إلى الضفّة الآمنة. بينما الإيمان كان الدافع الأول لمريم كي تتخطى سرطان الثدي. اكتشفت مريم المرض «بالنصّ». لكنها كأمين، خافت من نظرة الأقارب. هنا أيضاً لا مكان للإحباط حتى الخروج من المرحلة بسلام. بقيت تخفي الموضوع عن زوجها وأولادها، وتتنقّل بين بيروت وقريتها مجدليون للعلاج من دون أن يعرف أحد بمرضها. إلى أن اضطرت إلى إخبار زوجها بالموضوع قبل انطلاقها إلى المستشفى لتجري عملية استئصال جزئيّة للثدي. انهار حينها زوجها باكياً. لكن مريم أخبرت الجميع أنّ المرض هو « كلب أسود يعوي في وجهها، وعلى صوتها أن يعلو فوق صوته كي تصرعه هي أولاً». هكذا لم تسمح لأي صوت سلبي أن ينشأ من حولها، وأخبرتهم بأنها لا تحتاج إلى الدموع بل الصلوات.. حتى انتصرت.

هلا، أمين ومريم، ضحكوا من الخوف حتى أبعدوه وأثبتوا أنّ قصّة كل مريض سرطان لا تنتهي بالموت، بل إنّه لا تصلنا للأسف، سوى أصداء الراحلين.


القوة لا تكفي


القوة في مواجهة المرض ضروريّة لكنها ليست وحدها خلف اجتياز المرضى المرحلة. تقول الإحصاءات إنّه بين العام 1950 والعام 2000 كانت نسبة الشفاء من أمراض السرطان تراوح بين 40 و50 في المئة، بينما من العام 2000 حتى اليوم ارتفعت النسبة إلى 60 أو 65%. ويضيف أخصائي في الدم والأورام أنّ الطب لا يمكنه أن يحدّد بعد أسباب الإصابة بالمرض لكنّ التدخين والتلوّث كما الدهون في الطعام تحفّز المرض. ويضيف أنّ الفقير حظوظه في تخطّي المرض أقلّ، بما أنّ كلفة العلاج مرتفعة والتأخّر في تأمين الأدوية يساهم في تردّي حالة المريض.


Script executed in 0.17943716049194