أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

وجهة نظر بين الفصاحة والجعجعة.. عفّة

الأربعاء 15 شباط , 2012 08:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,118 زائر

وجهة نظر بين الفصاحة والجعجعة.. عفّة

ولعلّ المؤامرة الصهيو ـ أميركية التي تتعرض لها المنطقة والعالم العربي منذ سنوات، منذ استصدار القرار 1559، واغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، ومخطط الشرق الأوسط الجديد، وصولاً إلى ما أسموه بـ«الربيع العربي»، شكّلت بيئةً خصبةً لجعجع كي «ينطّ» في كل مرّة عبر الشاشات، ويطلق في وجهنا المواعظ والحِكَم في احترام حقوق الإنسان، ونبذ العنف، والمطالبة باحترام «الآخر».


أما أمس، فلم يختلف جعجع الحاضر، عن الآخر الماضي، فالشعر كان حاضراً في مطلع كلمته، عفواً، الشعر الذي لا يمتّ إلى العربية بصلة، ولو قيّض للفراهيدي أن يُبعث حيّاً أمس، لحتماً طلب العودة إلى قبره، بعد أن يستقيل من وضع العروض وعلمها.


هذا في الشكل، أما في المضمون، فأي تاريخٍ وأي جغرافيا كان يتحدّث عنهما نزيل معراب؟ فهل يدرك جعجع ما اكتنزه تاريخ البلاد قبل أن يتحدث عنه، وهل يعرف في الجغرافيا ما تعرفه جذور الأشجار، وأعماق الأودية، والينابيع الجوفية؟


أما في الوضع السوري، فبالله عليكم، متى كان يهتم جعجع بالمواطنين السوريين، وليذكرنا أي كبيرٍ أو كهلٍ عايش الأحداث في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، أوليس جعجع نفسه كان ينكّل بالسوريين أينما عثر عليهم وطاولتهم بنادقه «الإسرائيلية»؟


أوليس جعجع ذاته، هو من نكّل بالبيروتيين، وقتلهم، وشرّدهم، ومثّل بجثثهم؟ أليست «قواته نفسها» من ارتكبت المجازر بحق الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين «السنّة»؟ مَن مِن أهالي بيروت لا يذكر كيف كان يعامل عناصر جعجع الفتيات لدى أسرِهن، حتى القلم يأبى أن يصف بشاعة ما كان يجري.


ولكن، بين الكلمات التي «كرجها» سريعاً أمس، مقطعٌ واحدٌ كان جعجع محقاً فيه حتى لو لم يقصد ذلك، حين قال: «إنني اليوم، وباسمكم جميعاً، باسم شعب تعذّب واضطهد، ولوحق، وسجن واستشهد، أدعو العالم بأجمعه، خصوصاً دول المنطقة، إلى بذل كل الجهود، وفعل كل ما يلزم لوقف القصف والقتل وإراقة الدماء في سورية، وترك شعبها يقرّر مصيره بنفسه، بكلّ حرية وكرامة».


نعم، فليترك جعجع وغيره من «العربان» و«الديمقراطيين الأجانب» الغيارى الطارئين على مصلحة الشعب السوري وحقه في تقرير مصيره، أن يقرّر هو بحرّية وكرامة مصيره في بلاده، خصوصاً الملايين الذين ينزلون يومياً إلى شوارع المدن السورية وساحاتها للمطالبة بعدم التدخّل الأجنبي، ولتأييد الإصلاحات التي يجريها الرئيس الأسد. ولتحقيق ذلك، كان على جعجع أن يذيّل هذا المقطع تحديداً، (لو افترضنا أنه طالب حقّ) بمطالبة بعض دول المنطقة والعالم بوقف تزويد المجموعات الإرهابية بالسلاح والمال، وبوقف الفبركات الإعلامية المضلّلة التي تفعل فعلها في تحريك الرأي العام الدولي أنّى وجد، وأن يطلب من «رفيقه وصديقه» سعد الحريري (كما أسماه في الخطاب) بأن يكفّ عن تمويل تلك المجموعات، وأن يقف أمام المرآة ويطلب من نفسه أن يتوقف عن غيرته المزيّفة المكشوفة.


ثم أن فصاحته لم تعف الجيش اللبناني من سهامها، موجّهاً إليه اتهامات سبقه إليها فصحاء غيره زملاء له في الجوقة، مفادها أن الجيش اللبناني يأتمر بأوامر سوريّة. عجبي، ألا يكفي جعجع وغيره ما ورد على لسان قيادة الجيش منذ أيام بأن عملياته تخضع لقراراتها هي وبناءً على معلوماتٍ أمنية تصلها وتستقيها هي؟ أم هي حملة مقصودة تبتغي تقويض ثقة المواطنين بجيشهم؟


ما هي غاية جعجع حين قال: «والأدهى من هذا كله أنه، وفي الوقت الذي يرفض ضباط وعناصر من الجيش السوري نفسه تنفيذ أوامر نظامهم، نجد بعض من في هذه الحكومة وبعض إداراتها يتسابقون إلى تلبية رغبات النظام وطلباته، ولو وصلت إلى حد مطاردة الأبرياء واللاجئين والنازحين والمشرّدين الهاربين من جحيم الأحداث في سورية». فأي أبرياء يتحدّث عنهم؟ هل من بينهم مرافق النائب خالد ضاهر المتورّط في عمليات عسكرية في الداخل السوري؟


حاول سمير جعجع أمس أن يمرّر رسائله بفصاحة بانت متعثّرة لغوياً في الشكل، لكنها كانت غنيّة بـ«جعجعةٍ» تضجّ بالمؤامرات في المضمون، وما بين الفصاحة والجعجعة، عفّة أين منها ابن معراب؟!


البناء


Script executed in 0.17751884460449