أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

التنصت على اللبنانيين يحتاج إلى مليونين وسبعمئة ألف موظف:

الإثنين 05 آذار , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,234 زائر

التنصت على اللبنانيين يحتاج إلى مليونين وسبعمئة ألف موظف:

في بادئ الأمر، تجاهل المسؤول الموضوع، مصنفاً الحادثة في خانة الصدفة. إلا أن تكرار الاتصال، ثم إقفال الخط مراراً، حتّم على المسؤول المذكور الشكّ في حيثيات الاتصال المجهول المصدر.

بغية كشف المجهول، طلب المسؤول الحكومي، من الجهة الأمنية المعنية، إخضاع هاتف منزله للتنصّت. هكذا كان: مرّت الأيام وهاتف المسؤول مراقب، ينتظر المعنيّون اتصال المجهول لمعرفة هويته.

بعد مرور ثلاثة أيام من مراقبة الهاتف، في يوم كان فيه المسؤول غائباً عن المنزل، اتصل المجهول. ردّت عليه زوجة المسؤول، ونهرته قبل السلام: «ألم أخبرك ألا تتصل عندما يكون الحمار (زوجها) هنا؟ ربما بدأ يشك في الموضوع، بسبب إقفالك الخط بوجهه أكثر من مرة! لذلك، التزم بالأوقات التي أخبرتك أن تتصل فيها فقط!».

سجّل العنصر المراقب للاتصال تفاصيل المكالمة، وأرفقها بالمكالمات اللاحقة، ثم عرضها على المسؤول المعني. وتفادياً لوقوع إشكال بين المسؤول والمجهول المعلوم، اكتفى المعنيون في الاتصال بالزوجة وتحذيرها، من دون إخبار المسؤول بخيانة زوجته له.

 

شيفرة

 

يروي المعنيون في الملف أن مصطلح «التنصت» يبعث على الخوف عند المواطن، ولذلك فإنهم يفضّلون استخدام عبارة «اعتراض المخابرات الهاتفية». يقولون، بحزم، إن قصة المسؤول أعلاه ما كانت لتتكشف، لولا طلب الرجل بإخضاع هاتفه للاعتراض، أي للتنصت.

لكن، على الرغم من تأكيد أكثر من مصدر أمني معني أن التنصت السرّي على خصوصيات المواطنين ما هو إلا قصة خيالية، نسجت في الخيال ونمت مع مرور الأعوام، إلا أن اللبنانيين، بغالبيتهم، يعمدون إلى التشفير في مكالماتهم.

يتخيل المواطن، تبعاً لأسلوب مجمل محادثاته الهاتفية المشفرّة، أن ثمة شخصاً، أو مجموعة أشخاص، يجلسون خلف جهاز غامض في الشكل، يستمعون بذهول للأحاديث الحميمة، أو المهنية، وغيرها من الخصوصيات.

يحاول المتصل خصوصاً، والمستمع عموماً، عدم الاستفاضة في تفاصيل المكالمة، فيتكوّن عند حامل الهاتف الخلوي قاموس خاص، تتفرّع منه فصول عدة: فصل يشمل الأحاديث السياسية، وآخر معني بالأسرار العاطفية، وفصل يضمّ عبارات مشفّرة عن مشاريع خاصة، وغيرها من الفصول الخاصة.

حذر وفوضى

في لبنان نحو مليونين وسبعمئة ألف شخص يحملون هواتف خلوية. ومن بين هؤلاء، ثمة كثيرون يستندون، في مكالماتهم الهاتفية، إلى قواميسهم الخاصة. ومن أبرز عباراتهم: «ما فينا نحكي ع التلفون»، «شو صار معك بهيداك الموضوع؟»، «حكيتو للزلمي؟»، «حبيبتي، بدّك نروح بكرا ع هيداك المحلّ؟»، وعبارات أخرى كثيرة تجهّل الفعل والفاعل، وحتى المفعول به.

لكن حذر هؤلاء لن يتغير، ولو عرفوا بالدليل القاطع، أن كل عملية تنصت لمكالمة واحدة، تحتاج إلى موظف واحد (للمكالمة الواحدة فقط)، وبالتالي فإن التنصت على حاملي الهواتف الخلوية كافة ضرب من المعجزات.

مردّ الحذر في المكالمات الهاتفية، لا يعود إلى شحّ المعلومات (عن كيفية التنصت) عند حامل الهاتف فحسب، بل يكمن بفيض من المعلومات عنده، يتجلّى في علمه بالفوضى المستعرّة في لبنان بشتى القطاعات، ومن بينها ما يُعرف بقطاع التنصّت.

إذ إن عملية التنصت ليست محصورة بجهاز أمني رسمي، بل تشمل أحزاباً وتيارات سياسية أيضاً، إضافة إلى سفارات دول أجنبية، وأجهزة استخبارات عالمية.

وللحدّ من فوضى التنـــصت السائدة، خصوصاً في ما يتعلّق بتنصت كل جهـــاز أمني على حدة، قررت الحكومة اللبنانية، عام 2005، تأليف «جهـــاز المراقبة والتحكم الخــاص لاعتراض المخابرات الهاتفية». إلا أن الحوادث السياسية التي شهدها لبنان آنذاك، أرجأت تأليف الجهاز إلى عام 2008، ثم أبصر النور في أواخر العام الماضي.

 

مسرحية؟

 

ما إن أعلن الانتهاء من اللمسات الأخيرة لإنشاء المركز، في مبنى وزارة الاتصالات في منطقة العدلية، حتى هلّل المسؤولون في الدولة لـ«الإنجاز الكبير»، معتبرين أن المركز سينظم عملية التنصت، ويلجم فوضى تنصت الأجهزة الأمنية، من خلال توحيدها في المركز.

في المقابل، ثمة ضباط يعملون في حقل التنصت، يصرّون على القول إن «إنشاء المركز ما هو إلا مسرحية، هدفها الإعلان للبنانيين أن الأجهزة الأمنية للدولة تتنصت بالقانون. لكن السياسيين يعرفون أن فوضى التنصت ستبقى قائمة، مع المركز أو بدونه»، وفق ضابط مخضرم في عالم التنصت.

يستغرب العقيد غسان شمس الدين، وهو مندوب وزارة الداخلية في المركز الجديد، تشبيه المصدر لعمل المركز بالـ«مسرحية». يقول إن مهمة المركز تكمن في تنظيم اعتراض (التنصت) المخابرات الأمنية، وثمة هيئة مستقلة تشرف على مراقبة شرعية عمل فريق المركز، تتألف من ثلاثة قضاة مخضرمين.

يضم فريق عمل الجهاز نحو خمسين فرداً، بين ضباط وعناصر تقنيين من الأجهزة الأمنية الثلاثة: قوى الأمن الداخلي، الجيش اللبناني، الأمن العام. ويُبحث حالياً في تمثيل جهاز أمن الدولة بمندوب عنه، كسائر الأجهزة المتمثلة.

يقع المركز في الطبقتين السابعة والثامنة في مبنى وزارة الاتصالات في منطقة العدلية، محتضناً أجهزة ومعدات تقنية حديثة، تخوّل الفريق التنصت يومياً على عشرات المخابرات الهاتفية الخلوية، والأرضية الثابتة، والفاكس، والانترنت.

تكلّفت الدولة نحو عشرين مليون دولار لإنشاء المركز، الذي يلزمه نحو خمسة أسابيع للبدء فعلياً بالتنصت من دون أي عوائق لوجستية، وذلك بعد انتهاء شركة «MTC» من تحديث شبكتها الخلوية.

يجزم شمس الدين بأن «الدولة» تعمل على منع إجراء أي عملية تنصت خارج المركز. «لولا ذلك، لما كانت الدولة تكلّفت في إنشاء الجهاز». لكن الضابط المتحمّس لعمله، والمتكتم على بعض أسراره، يقول في الوقت ذاته إنه غير معني بتأكيد أن الأجهزة الأمنية ستنكفئ عن التنصت على حسابها. «مهمتنا العمل في هذا المركز»، يقول.

 

ملاحقون دوماً

 

كيف تُنجز عملية التنصت، ومن يقرر أن فلاناً يجب إخضاع هاتفه للتنصت؟

ثمة قرار قضائي، يتخذه قاضي التحقيق الأول في المحافظة، وفق المادة الثانية من القانون الرقم 140 الذي يصون الحق بسرّية التخابر.

ووفق المادة الثالثة من القانون ذاته، يحدد القاضي وسيلة الاعتراض (التنصت)، سواء كانت خلوية أم ثابتة أم الكترونية، معللاً الجرم الذي بناء عليه يتوجب اعتراض مخابرات الشخص، والمدة التي تتم خلالها عملية الاعتراض، على أن لا تتجاوز هذه المدة شهرين.

وغالباً ما تستهدف عمليات الاعتراض الإرهابيين «الملاحقين دوماً» وفق وصف شمس الدين، ومعهم «المتهمون بالتعامل مع إسرائيل». ويطاول التنصت أيضاً أشخاصاً ارتبكوا جنايات وتواروا عن الأنظار، كعمليات سرقة أو اختطاف أو جرائم قتل.

وثمة قرار إداري، يحق لكل من وزيري الداخلية والدفاع إصداره، بموجب قرار خطّي معلّل وبعد موافقة رئيس الحكومة، على أن تكون دواعي القرار ترمي إلى مكافحة الإرهاب والجرائم المنظمة.

بعد صدور القرار رسمياً، ومروره بالمراحل القانونية، يُرسل رقم الهاتف إلى المركز، من دون اسم صاحبه. يتولى المسؤولون في الجهاز توزيع الأرقام على العناصر، الذين «خضعوا لكل أنواع التجارب»، وفق شمس الدين، ثم يُصار إلى تسجيل المكالمة صوتياً.

بعد التسجيل، يتم تحليل المخابرة وتفريغها على الورق، ثم تغليفها وختمها، فإرسالها للجهة المعنية. ويُعاقب أي شخص من الجهاز، إذا حاول التنصت من تلقاء نفسه، بالسجن من سنة إلى ثلاث سنوات، وتغريمه من خمسين إلى مئة مليون ليرة.


Script executed in 0.1858229637146