أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

هذه حسابات السنيورة

الإثنين 05 آذار , 2012 03:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,146 زائر

هذه حسابات السنيورة

 

في إحدى المناسبات في السرايا، جلس ميشال عون وفؤاد السنيورة جنباً إلى جنب على مقعدين متلاصقين. لم تكن قد مضت ساعات على وصف الأول للنهج المالي السابق بأنه نهج السرقة والفساد و«الحراميي». وكأن السنيورة أراد إظهار جرأة البريء، أو التودد، أو الرهان، ربما، على خجل، أو فرض مجاملة اجتماعية لدى جاره ومحاوره ومتهمه، فالتفت إلى عون وسأله مباشرة: «أنا حرامي يا جنرال؟». غير أن الجواب لم يكن أقل صراحة ومباشرة: «لا أنا ولا أنت نستطيع الإجابة عن هذا السؤال. فلنذهب إلى القضاء المختص ولندعه يقرر إذا كنت حرامياً أو لا». قد تصلح الواقعة للإجابة عن التطورات الراهنة حيال قضية الإنفاق المالي العام، وخصوصاً بعد المؤتمر الصحافي الأخير للسنيورة وفريقه في مجلس النواب قبل أيام، وعشية الجلسة التشريعية اليوم. وبين الحدثين يظل القضاء المرجعية الوحيدة الصالحة لإعطاء الجواب. وهو في هذا المجال يحمل عنواناً واضحاً، هو ديوان المحاسبة. بين نيابته المالية ومطالعاته وتقاريره وقراراته. فماذا تقول تلك عن مالية السنيورة؟


بالعودة إلى ما صدر عن الديوان بشأن القضية، يظهر بوضوح أن القضاء المالي أصدر ما يُعَدّ أحكاماً واضحة برفض كل ما جاء في حسابات السنيورة منذ عام 1993. وبالتفصيل، يؤكد الديوان ما يأتي:

أولاً، لجهة حساب المهمة، يؤكد القضاء المالي أن مالية السنيورة لم تقم بإعداد حسابات المهمة عن عام 1992 والأعوام التي سبقته، ولم ترسل بيانات عن عمليات حصلت خلال عامي 91 ــــ 92 إلى ديوان المحاسبة. علماً بأن الديوان يرفض الذريعة التي قال بها السنيورة لجهة ضياع المستندات، وحجة «احتراق المستندات» في وزارة المال على النهر؛ إذ يجزم الديوان بأن هناك «تقريراً يؤكد وجود المستندات».

لكن المشكلة لم تقتصر على الأعوام السابقة لعهود مالية السنيورة، بل تشمل كل أعوامه وأعوام ماليته. فعن حسابات المهمة عن الأعوام 1993 إلى 1996، يؤكد الديوان أنها «غير مكتملة وتفتقر إلى وجود ميزان دخول»، وهي «غير مرفقة بجردات إجمالية وتفصيلية بأرصدة الحسابات خارج الموازنة، من أمانات وتأمينات وسلفات وقروض»، «بالإضافة إلى مآخذ مهمّة منسوبة إلى هذه الحسابات».

وفيما حساب مهمة عام 1997 مرسل بصيغة «حسابات مؤقتة قيد التسوية، لا تزال عالقة»، كما يؤكد الديوان، يضيف أن «حسابات المهمة للأعوام 98، 99، 2000 التي وردت إلى الديوان في 16 حزيران 2005، كانت غير مكتملة، وغير مقترنة ببيانات المطابقة لكل من حسابات الأمانات، التأمينات، الكفالات والمحجوزات».

ويلاحظ الديوان أن «حسابات المهمة المرسلة إلى ديوان المحاسبة (من حساب مهمة عام 1993 إلى حساب مهمة عام 2000) مخالفة لأحكام المادة 12 من المرسوم رقم 3373/65، لعدم اقترانها بعبارة صريحة تؤكد قيام مديرية المحاسبة العامة بتدقيقها على مسؤوليتها». إضافة إلى «عدم إرفاق حسابات المهمة هذه بلوائح اسمية بالبقايا المدوّرة وأرصدة حسابات خارج الموازنة خلافاً لأحكام المرسوم 3489/65».

ثانياً، ولناحية قطع الحسابات، يؤكد الديوان أن «قطع الحساب عن الأعوام بين 1993 و 2004، مخالف لأحكام المادة 13 من قانون المحاسبة العمومية، نظراً إلى عدم إرفاقها ببيانات تفصيلية بسلفات الخزينة تشمل أرصدة بداية السنة المالية». لكن المفارقة الأجمل وجود ما يشبه «الدفترين» في حسابات السنيورة؛ إذ يؤكد الديوان «إرسال قطع الحساب عن الأعوام 2005، 2006، 2007، بصيغتين، مع وجود فروقات بينهما، وفي الصيغتين مخالفات لأحكام المرسوم 3373/65». مع طلب مديرية المحاسبة العامة «إجراء التعديلات المناسبة» عليها، وهو ما يصفه بأنه «أمر مخالف لأحكام القوانين والأنظمة والمعايير الدولية»، إضافة إلى أخطاء في «تحديد قيمة المبالغ المحققة من الضرائب غير المباشرة والرسوم، على أساس ما هو محصّل منها لدى المحتسبين وليس انطلاقاً من مستندات التحقق، خلافاً لأحكام المرسوم 3373/65»، إضافة إلى «إرسال قطع الحساب خارج المهل القانونية»، و«تأخر عدد من الإدارات في إيداع مديرية المحاسبة العامة البيانات المطلوبة منها، وفقاً لأحكام المرسوم 3373/65». واللافت في هذا المجال تأكيد الديوان أنه «سبق أن وجه إلى عدد من الإدارات مذكرات طلب بموجبها إيداع مديرية المحاسبة العامة البيانات المطلوبة، تحت طائلة الملاحقة القضائية، سنداً لأحكام المادة 60 من قانون تنظيمه»، من دون جدوى.

وخلافاً لمطولات السنيورة، يؤكد ديوان المحاسبة أنه «تعذر البت في قطع الحساب بصورة نهائية، لارتباط أرقامه بأرقام حساب المهمة، الذي لم ينجز عن أية سنة بنحو يجعله قابلاً للتدقيق بصورة نهائية». أما كيف ظلت تعمل دولة السنيورة خلافاً للدستور في هذا المجال، فيذكر الديوان أن «السلطة التنفيذية، ملزمة بعرض مشروع قانون قطع الحساب عن السنة السابقة على المجلس النيابي قبل مناقشة مشروع موازنة السنة التالية، وفقاً لما نصت عليه المادة 87 من الدستور». لكن بحسب الفتوى التي اعتمدت طوال أعوام مالية السنيورة، كان المجلس يصدّق هذه المشاريع مقرونةً بعبارة «مع الاحتفاظ بما قد يبديه ديوان المحاسبة لاحقاً من ملاحظات»، وذلك من موازنة عام 1993 إلى موازنة عام 2005، ما يعني أن مخالفات عدة حصلت، استناداً إلى المفعول الرجعي لهذا التدقيق.

ثالثاً، في حساب الصندوق، تبرز قضية أخرى؛ إذ يؤكد الديوان أنه في 1/1/1997 أجرت وزارة المالية قيد تسوية بقيمة 675 853 356 ل.ل على حساب الصندوق، لكن الديوان عدّها غير صحيحة.

رابعاً، لجهة حساب المصرف، يدين الديوان مالية السنيورة أيضاً بأنها «أجرت تعديلاً على رصيد المصرف في 31/12/1996(...) أسفرت عن فرق تم تنظيم قيد تسوية به بقيمة:410 001 783 12 ل.ل». ويؤكد أنه «وجه إلى وزارة المالية مذكرتين طلب بموجبهما من وزارة المالية إعادة النظر في المطابقات التي أجريت لرصيد المصرف»، من دون جدوى أيضاً.

خامساً، حول الحسابات خارج الموازنة، والتي تشمل حسابات السلفات والأمانات والقروض وحسابات الغير... يؤكد الديوان أيضاً أنها «غير صحيحة». وأشار في قراراته القضائية إلى «المآخذ التي تشوب هذه الحسابات».

وفي إشارة تذكّر بوصف عون لمالية السنيورة بأنها أدنى من مواصفات حساب «الدكنجي»، يذكّر الديوان مالية السنيورة بأمور بديهية مثل «إعداد الوضعية الأسبوعية للخزينة والصندوق»، و«المطابقة الأسبوعية للقيود»، و«إعداد ومتابعة وضعية ملكية الدولة وما تتضمنه من عناصر الموجودات المادية والمالية للدولة»، و«إعداد بيانات محاسبية دورية عن وضع الخزينة، وعن العمليات المالية التي تتعلق بتنفيذ الموازنة العامة»، وصولاً إلى «إقفال الصندوق يومياً، وعدّ موجوداته، والتأكد من مطابقة موجودات الصندوق مع قيوده».

واللافت أنه قبل فترة طويلة على صدور تقريري البنك الدولي وشركة «أوراكل» عن كارثية النظام المعلوماتي لمالية السنيورة، كان ديوان المحاسبة نفسه قد أكد منذ عام 2004، أن «الأنظمة المعلوماتية المعتمدة لا تسمح باستخراج البيانات والمعلومات المطلوبة وفقاً لأحكام قانون المحاسبة العمومية ونظام إرسال الحسابات، ولا سيما اللوائح التفصيلية بالبقايا المدوّرة، كذلك فإنها لا تستجيب لمقتضيات الرقابة لناحية إجراء المطابقات المطلوبة».

أما عن النتائج الناجمة عن هذه المخالفات، فيشير الديوان مثلاً إلى «أن العجز الفعلي المتراكم بنتيجة قطع حساب الموازنة العامة، لا يعبّر عن الواقع الحقيقي»، لأسباب شتى، منها «عدم تحديد العجز الفعلي المتراكم للسنوات 1980 ـــــ 1992 بسبب التوقف عن إعداد قطع حساب الموازنة العامة»، وجود «سلفات خزينة لا ترد، مثل السلفات إلى كهرباء لبنان، والهيئة العليا للإغاثة وغيرهما، ومساهمات الدولة والاشتراكات في صناديق وهيئات دولية، لا تزال ظاهرة في قيود محتسب المالية المركزي، ومن شأن تسديد هذه السلفات، بفتح اعتمادات لها في الموازنة وتحويلها إلى العجز الفعلي المتراكم، زيادة قيمته»، «ظهور قيود تسوية وقيود مؤقتة للواردات، والنفقات في حسابات محتسب المالية المركزي من شأن تصفيتها تعديل قيمة العجز الفعلي المتراكم».

ويتوقف الديوان عند مغارة مجلس الإنماء والإعمار، ليخلص إلى التأكيد «أن ديوان المحاسبة لا يستطيع والحال هذه ممارسة الرقابة المناطة به بمقتضى قوانين الموازنة العامة، على عمل ذلك المجلس».

أما مذكرات الديوان فتعرض بوضوح عدداً من أبرز مشاكل مالية السنيورة، يمكن سرد أمثلة منها كالآتي:

المذكرة رقم 156/1660، (20/11/ 2008) بشأن ضرورة «توفير الضوابط الفنية والقانونية اللازمة في البرامج المعلوماتية المعتمدة في مديرية الخزينة والدين العام». وتؤكد أن «البرنامج المعدّ من قبل المركز الآلي والمعتمد من قبل الخزينة لإثبات ومعالجة عمليات القبض والدفع والتحويلات بين الحسابات... التي تقوم بها الخزينة يسمح، خلافاً لأبسط قواعد الضبط والأصول المحاسبية المقررة في التصميم المحاسبي العام وغيره من النصوص القانونية، بإضافة أو إلغاء قيود سبق تدوينها، الأمر الذي يتيح إخفاء انحرافات أو أخطاء أو مخالفات يمكن أن تستدعي الملاحقة»، مع الجزم بأنه «لا يجوز الاستمرار باعتماد هذا البرنامج المفتقر إلى أهم الضوابط، والمخالف لأبسط القواعد والأصول».

المطالعة رقم (120/2416، 8/7/2010) بشأن «مخالفات مالية ناجمة عن استيراد كمية من بطاقات أوراق اليانصيب الفوري Tico - Tac إضافة إلى تلك المصرح بها رسمياً وبيعها في لبنان»، فضلاً عن تسعة قرارات قضائية أصدرها الديوان في موضوع الحسابات، وأربعة قرارات قضائية على موظفين في مالية السنيورة. علماً بأن الوقائع الواردة في تلك المطالعة وفي كل ملحقاتها تكذِّب كل ردود فريق السنيورة، وتجزم بأن المخالفات المالية واقعة، وتستحق الملاحقة القضائية.

لكن الأكثر طرافة الأمثلة المستقاة من قرارات الديوان عن مخالفات مالية السنيورة، ومنها:

ـــــ عدم صحة رصيد الصندوق في حسابات عام 1993؛ إذ يتبين من مراجعة الحساب رقم 200 «النقود الموجودة لدى المحتسبين المركزيين» أن ما خرج من الصندوق أكثر مما دخل إليه بفارق أكثر من ثمانية مليارات ليرة، وهو ما يعلق عليه الديوان قائلاً: «من المسلّم به في علم المحاسبة أن رصيد الصندوق لا يمكن أن يكون دائناً، باعتبار أن ذلك يعني أن الأموال التي خرجت من الصندوق خلال عام 1993 أكثر من موجوداته وهو أمر غير معقول».

ـــــ عدم صحة رصيد الحساب الجاري مع مصرف لبنان، الذي جعلته مالية السنيورة صفراً مطلع 1993، فيلاحظ الديوان «أنه لا يعقل أن يكون رصيد حساب الخزينة في مصرف لبنان في أول عام 1993 «لا شيء» باعتبار أنه يخالف الواقع بصورة لا تقبل الجدل».


كذلك يمسح ديوان المحاسبة أخطاءً حسابية في عمليات الجمع لا يمكن تفسيرها، علماً بأنها لا تحصى:

ــــ في الحساب رقم 321، فرق بأكثر من 175 مليون ليرة.

ــــ في الحساب رقم 328 فرق بأكثر من 525 مليون ليرة.

ــــ في الحساب رقم 330 فرق 350 مليون ليرة.

ــــ في أحد حسابات الضرائب المباشرة فرق بأكثر من 11 مليار ليرة.

ــــ تقييد حساب الواردات الاستثنائية والقروض في قطع حساب عام 1993 بلا شيء، فيما يلاحظ الديوان عدم منطقية ذلك، نظراً إلى «أهمية المبالغ المحققة والظاهرة في قطع حساب عام 1993».

ــــ أكثر من خمسة مليارات ليرة الفرق في أحد حسابات المهمة.

ــــ 27 مليون ليرة الفرق بين قرار إعطاء إحدى السلف وقرار تسجيلها.

ــــ إحدى سلفات وزارة الدفاع الوطني بقيمة 18 مليون ليرة سجلت في القيود 11 مليوناً.

ــــ دفع مبلغ بقيمة 4,343,925,000 ل.ل. سنة 1996، لمصلحة كهرباء لبنان، من دون مستند يبرر تسجيله.

ــــ سلفة خزينة معطاة إلى بلدية جونية سنة 1994 بقيمة 500 مليون ليرة، مسجلة على أساس 50 مليوناً.

ــــ دفع حوالات مالية رغم مرور الزمن عليها.

ــــ غموض كامل حول كيفية تسديد سلفات عدة أبرزها لمكتب الحبوب والشمندر السكري بمئات المليارات من الليرات.

إضافة إلى آلاف الأمثلة المشابهة على مدى أعوام مالية السنيورة. حتى إن الخبراء يتحفظون عن ذكر أي رقم تقديري، والذي لا يستبعد أن يكون فعلاً بآلاف مليارات الليرات اللبنانية.

عن كل ذلك، لا يطلب السنيورة براءة ذمة. ولا يحق لأحد بالتالي منحها له. وحده القضاء قادر على لفظ الحكم، علماً بأن آلاف صفحاته المكتوبة بحبر القضاء المالي تؤكد أن الحكم قد صدر فعلاً، وهو صدر بنحو متمادٍ طوال أعوام، لكن لا من يخضع له، ولا من ينفذه.


 

Script executed in 0.19655895233154