أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الجيش يعتقل خليّة سلفيّة خططت لتفجيرٍ في ثكنه

الإثنين 12 آذار , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,711 زائر

الجيش يعتقل خليّة سلفيّة خططت لتفجيرٍ في ثكنه

وزّعت قيادة الجيش، الجمعة، نشرة توجيهية رقمها واحد لهذه السنة، موجّهة إلى العسكريين. إلا أن قائد الجيش العماد جان قهوجي حرص على تعميم مضمونها على وسائل الإعلام. إلى تأكيدها بضعة مواقف للجيش من الأوضاع الأخيرة ودوره في السهر على الأمن والاستقرار ومنع الفتن، تحدثت النشرة التوجيهية عن أن الجيش «لن يتراجع قيد أنملة عن مسلّماته الوطنية ودوره الجامع، وأنه سيقوم بالخطوات الاستباقية كلّها، وسيضرب بيد من حديد أي محاولة لاختراقه أو النيل من تماسك جنوده وولائهم، وسيتابع بحزم وقوة ملاحقة العابثين بالأمن وبصيغة العيش المشترك بين اللبنانيين أينما وجدوا، وإلى أي جهة انتموا (...)».

أخفت هذه العبارة الملتبسة المحوطة بتساؤلات، والمتضمّنة أكثر من رسالة في أكثر من اتجاه، حدثاً مهماً حرص الجيش على كتمانه، كان يجري داخله، هو اكتشاف مديرية المخابرات خلية سلفية، في صفوفها عسكريان كانا يشتركان في التخطيط لتفجيرات داخل قطع وثكن عسكرية باسم الجهاد. ضمّت الخلية سبعة أعضاء. إلى العسكريين ـــ وهما رتيبان ـــ أربعة أشخاص لبنانيين ينتمون إلى كتائب عبد الله عزّام الموالية لتنظيم «القاعدة»، يديرها سابعهم، وهو فلسطيني فار ومطلوب للعدالة، يقيم في مخيّم عين الحلوة يُدعى أبو محمد توفيق طه. وهو المسؤول عن هذه الكتائب في المخيّم.
بعد جمعها المعلومات، دهمت قوة من مديرية المخابرات، مطلع آذار، أماكن سكن الأعضاء الستة واعتقلتهم في أوقات متقاربة لم تفصل بينها سوى ساعات. أوقف العسكريان بالاستدراج بعدما استبعدا أي احتمال لاكتشاف عضويتهما في الخلية السلفية، بينما أوقف الأربعة الباقون في عكار وطرابلس. في التحقيق معهم في مديرية المخابرات اعترف الستة بتورّطهم وتخطيطهم لتفجيرات داخل بعض ثكن الجيش. كان العسكريان يستغلان مأذونياتهما كي يجتمعا بالوسيط الرئيسي في الخلية مساعد أبو محمد توفيق طه، وهو «ر. ط.».
أوردت اعترافات الرتيبين أن تجنيدهما بهدف التخطيط للتفجيرات لم يستغرق وقتاً طويلاً بسبب معرفة مسبقة تجمعهما بالخلية، وأن هذا الضلوع لم يتوخّ الربح المالي، بل عزياه إلى مذهب ديني عقائدي هو تطلعهما السلفي والجهادي، وأنهما نظرا إلى الجيش اللبناني على أنه «كافر». اعترفا بعلاقتهما بكتائب عبد الله عزّام، وأفصح أحدهما عن أنه كان يترقب ثغرة في الإجراءات الأمنية في ثكنته من أجل تهريب متفجرات إلى داخلها وتفجيرها.
استمر التحقيق في مديرية المخابرات عشرة أيام، أحيل الموقوفون الستة على الأثر إلى المحكمة العسكرية قبل أربعة أيام، وأصدر مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر للفور مذكرة توقيف وجاهية في حقهم، في ضوء اعترافاتهم ونتائج التحقيقات التي استندت إلى أدلة تقنية، بتهمة «التخطيط لأعمال تستهدف المؤسسة العسكرية».
وكان مدير المخابرات العميد الركن إدمون فاضل أطلع رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي على اكتشاف الخلية السلفية.
وعندما أُخطر قائد الجيش باكتشاف الخلية المؤلفة من سبعة أعضاء ـــ وهي في تقويم مديرية المخابرات شبكة كبيرة وخصوصاً محاولة اختراقها الجيش بعسكريين ـــ أمر بنشرة توجيهية تتضمّن تلميحاً غامضاً إلى ما حدث، إلا أنها تنطوي على تحذيرات صارمة حيال نتائجه، وإصرار الجيش على جبهها. وهو بذلك وجّه إلى العسكريين أولاً، وإلى الرأي العام اللبناني ثانياً، أكثر من رسالة:
أولاها، إلى العسكريين لتحذيرهم من الوقوع في فخّ تأثير الفكر المتطرّف والسلفي، والتأكيد أن مَن يقع في هذا الفخّ يقع وحده، ولا يسقط الجيش. تالياً لن تتهاون قيادة الجيش حيال أي محاولة لاختراقها.
ثانيتها، إلى الجهة أو الجهات التي تنظر إلى الجيش كهدف محتمل، أو سهل، لاختراقه بغية إرباكه والتأثير في تماسكه وانضباطه ووحدته، وإدخال الفكر السلفي والتطرّف إلى صفوفه وتغلغل المذهبية فيه. ومن ثم التأثير في معنويات العسكريين.
ثالثتها، أن واقع بنية الجيش وتنوّعه الطائفي وتوزّع الوظائف لا توفر للفكر المتطرّف والسلفي بيئة آمنة ومألوفة، وحاضنة لأي تحرّك إرهابي سرّي في صفوفه تمكّنه من تحقيق أهدافه في العنف والقتل والتدمير.

التحقيق مع الخلية

أبرَزَ التحقيق مع الأعضاء الستة في الخلية المعطيات الآتية:
1 ـــ تتألف الخلية من سبعة أعضاء يرأسها طه الذي جنّد للعمل لديه «ع. ع. ك.» و«ر. ط.». الأول مساعده الرئيسي المرتبط مباشرة بالخلية وصلة الوصل بينها وبين طه، والثاني طالب في العشرين من عمره في السنة الثانية في الهندسة في جامعة LIU ، وتولى بدوره تجنيد «م. خ. ع.» و«أ. ر.»، وهم جميعاً مدنيون. وتولى ر. ط. تجنيد العسكريين «ص. ق.» و«ع. ن.».
2 ـــ يرتبط «ع. ع. ك.» بطه من خلال المطلوب الفار من وجه العدالة علي رشيد حسين، واسمه معمّم على الحواجز العسكرية. وذكرت معلومات أنه دخل الأراضي السورية وقتل لاحقاً. لكن هذه المعلومات غير مؤكدة.
3 ـــ تعرّف «ر. ط.» على طه من خلال دخوله على مواقع جهادية على الإنترنت، وتطورت العلاقة بينهما حتى أصبح «ر. ط.» مجنّداً موثوقاً به يعمل لدى طه، ثم عمل لاحقاً على تجنيد «م. خ. ع.» و«أ. ر.».
4 ـــ دخل «ر. ط.» و«م. خ. ع.» و«أ. ر.» إلى مخيّم عين الحلوة والتقوا طه، وتلقوا تدريبات على كيفية تصنيع العبوات الناسفة، واتفقوا على أن يتولى «أ. ر.» شخصياً عملية التدريب، نظراً إلى كفايته العلمية، وبدلاً من الدخول في كل مرة إلى المخيّم.
5 ـــ ربطت «ر. ط.» علاقة بـ«ص. ق.» منذ أن كانا معاً في السنة الأولى في كلية الهندسة في طرابلس عام 2009. خلال تلك الفترة أقنع «ر. ط.» صديقه «ص. ق.» بالجهاد في أفغانستان، ووافق الأخير على ذلك حينذاك.
6 ـــ بعد دخول «ص. ق.» الجيش انقطعت العلاقة بينه وبين «ر. ط.» لفترة من الزمن، ثم تجدّدت وتوطّدت وحصلت بينهما لقاءات تناول البحث فيها موضوع الجهاد في سوريا وأفغانستان. إبّان هذه اللقاءات كان «ص. ق.» يخبر «ر. ط.» بأنه نادم على دخوله الجيش لأنه يتعارض مع مبادئه، كما أخبره بأن الإجراءات الأمنية خلال أيام محدّدة في قطعته ضعيفة ومراكز الحراسة لا تقوم بواجباتها كما يقتضي.
7 ـــ استجمع «ر. ط.» هذه المعلومات، وأطلع طه عليها، وأخبره بأنه تمّ تجنيد أحد العسكريين في إحدى المنشآت التدريبية، ومن الممكن تنفيذ عمل أمني فيها على أن يقوم هذا العسكري بالتنفيذ.
8 ـــ ربطت «ر. ط.» علاقة صداقة قديمة بالجندي «ع. ن.» بحكم تجاورهما في السكن مدة طويلة. وعندما قرّر «ع. ن.» دخول الجيش، حرّضه «ر. ط.» على عدم الإقدام على ذلك بحجّة أن الجيش كافر. مع ذلك تطوّع «ع. ن.» في الجيش واستمرت العلاقة بينهما، وكذلك الحديث على الجهاد. وكان «ع. ن.» يطلع «ر. ط.» على الدورات التدريبية التي تحصل في قطعته. ثم أعلمه بأنه ندم على دخوله الجيش، وقال له: إذا فرط الجيش يوماً ما، فسآخذ سلاحي وأقاتل به في مكان آخر.
9 ـــ اتصل «ر. ط.» بطه وأبلغه بتجنيد «ع. ن.»، وبأنه يمكن الاعتماد عليه في عملية أمنية تستهدف قطعته، كما أوحى «ر. ط.» لطه بأنه جنّد شخصين آخرين أثبتت التحقيقات معهما أنهما لم يتجنّدا لمصلحة كتائب عبد الله عزّام.
10 ـــ استغرقت اجتماعات الخلية ومشاركة العسكريين فيها قرابة ثلاثة أشهر. ولم يشر التحقيق إلى خلفية سياسية للخلية، ولا إلى علاقة تجمعها بتنظيم أو حزب لبناني في تكوينها أو رعايتها، ولم تختلف دوافعها وأهدافها عن تلك التي تتّسم بها الشبكات والخلايا والمجموعات السلفية والمتطرّفة التي تستقل في الغالب بخططها وتنفرد بقراراتها، وتعوّل على العنف والقتل والتدمير.
11 ـــ بيّن التحقيق أن دور العسكريين كان تنفيذياً فقط، وهو جمع المعلومات عن ثكنتيهما وإجراءات الحراسة فيهما وإدخال المتفجرات إليهما وسبل تنفيذ تفجيرهما، وأن التنفيذ سيكون فورياً بعد إنجاز كل عناصر التخطيط تفادياً لإهدار الوقت وافتضاح الخطة، أو حصول خلل في التوقيت.


Script executed in 0.17823481559753