أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

الأمومة ... خوفٌ لا بدّ منه

الأربعاء 21 آذار , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 1,257 زائر

الأمومة ... خوفٌ لا بدّ منه

تُحاط الأمومة بكمّ من المصطلحات الإيجابية تقترب من القداسة، حتى تكاد تنحني أمام الأمومة قبل الأم نفسها. يحتل هذا الشعور أولويات عدد كبير من النساء. تريد المرأة أن تصبح أماً يوماً ما، ربما كي تكتمل أنوثتها كما يقول الشاعر أنسي الحاج. تسيطر على مخيّلتها صور الأطفال الرضّع، ضحكاتهم، أناملهم. تبدو الأم في الصورة مبتسمة دائماً، تحضن طفلها كأنها تمتلك العالم. لا تُبالغ الصورة في وصف الشعور. لكن ثمة أمراً آخر يصاب به عدد لا بأس به من الأمهات، يختلف عن الصورة الجميلة، وربما يكملها. إنه الخوف من الأمومة.

يولا تخاف ببساطة. تخنقها التفاصيل. يوازي استمتاعها بالأمومة خوفها منها. كثيراً ما ينتصر الإحساس الثاني على الأول. كأنها في عالم خاص تكتسحه السلبيات.


بدأ هذا الشعور بملازمتها خلال الفترة الأخيرة لحملها. «ماذا لو بكى كثيراً؟ ماذا لو اختنق خلال الليل؟ ماذا لو ارتفعت حرارته ولم أنتبه؟». أسئلة تكاد تدفعها إلى الجنون، وأحياناً إلى النفور من التجربة، قبل أن تلجأ إلى أصدقائها بحثاً عن الطمأنينة. يزيد من اضطرابها التفكير في المستقبل الأبعد. هل ستكون قادرة على تأمين احتياجاته وتحقيق رغباته؟ تحيطها الأسئلة كمرض خبيث يرفض إلا أن ينتشر في جسدها. تعترف أنها تستسلم لأفكارها هذه في الكثير من الأحيان، حتى تكاد تنسى الاستمتاع بالأمومة. لم تتوقف مخاوفها بعد ولادة ابنها. على العكس، تفاقمت بعدما صار مولودها أمراً واقعاً. تحاول كبت هذه المخاوف حتى لا تنتقل إليه، إلا أنها لا تنجح دائماً.

يبدو الخوف أحياناً جزءاً من الأمومة، أو يمكن تبريره، حين تصبح الأم فجأة مسؤولة عن إنسان يحتاج إلى رعايتها الكاملة. لا تخاف سلام من الأمومة، بل عليها. تخشى ألا تعطيها حقها. لا يقتصر الأمر على تأمين احتياجات الطفل. تقول: «قد لا أكون في مزاج جيد يمكنّني من احتضان أطفالي والتحدث إليهم. إلا أن الطفل في حاجة دائمة إلى الاهتمام وإظهار العاطفة». لم يبدأ خوفها منذ لحظة الإنجاب، بل انتظر بعض الوقت. ربما تأثرت بكلام طبيب أطفالها الذي قال لها يوماً إن «الطفل يريد منك فقط إبقاءه حياً حتى عمر الثلاث سنوات، وبعدها يبدأ العمل». بدأ خوفها حين انتقلت إلى مرحلة التربية الحقيقية وبناء الشخصية. برأيها، «ليس سهلاً على الإنسان أن يكون مسؤولاً عن تكوين شخصية إنسان آخر يعتمد عليه. هذا ما يخيفني، وخصوصاً أنني لا أريد أن يكون أطفالي مثلي».

لا يمكن الاستهانة بمقارنة الأم الدائمة بينها وبين أطفالها. فالصورة التي ترسمها لهم، والمبنية على تجاوز أخطاء والديها لا تنجح دائماً، ما قد يزيد من اضطرابها. في المقابل، لم تكتفِ نادين بالخوف من وطأة المسؤولية الجديدة التي تفندها على طريقتها، بل خشيت أيضاً فقدان الذات. تقول: «لم أعد قادرة على الاسترخاء. بات عليّ أن أكون متيقظة دائماً تحسباً لأي طارئ». وتشرح أن اختبار شعور الأمومة للمرة الأولى جعلها ترتبك. «تغيرت حياتي، حتى في أدق التفاصيل كدخولي الحمام مثلاً. لا تستطيعين أخذ قسط من الراحة». عرّاها الانتقال من شخصيتها الحقيقية، فسكتت في الأشهر الثلاثة الأولى بعد الإنجاب. «لم أعرف من يجب أن أكون».

تخاف نادين من أن تكون قد خسرت نفسها إلى الأبد. تقول: «حين أتذكر حياتي قبل ابنتي، أشعر بأنني كنت أنتمي إلى عالم آخر». تعاني خوف التأقلم مع هوية جديدة بعدما أصبحت «شخصاً آخر». وتلفت إلى «مزايدات الأهل والأقارب في كيفية التربية، التي تزيد من إرباك الأم التي تختبر هذه التجربة للمرة الأولى».

لم تعد نادين شخصاً حراً. باتت «حدا مع حدا». لكنها لا تنفي أن جمال التجربة يساعد على تهدئة البال في أحيان كثيرة. من جهة أخرى، كان لِيمنى خوف فريد. تسيطر عليها في لحظات فكرة كونها مجرد امرأة أنانية، اتخذت قرار الإنجاب لإرضاء غريزتها، فيما قد يكون طفلها غير راغب في المجيء إلى الدنيا. يعذبها شعورها أحياناً، قبل أن تستسلم إلى طغيان الطبيعة.

الخوف مبرر. هذا ما تقوله المعالجة النفسية ناي سويدي، التي تعتبر «التجربة شبيهة بأي تجربة جديدة في الحياة، أو تغير في موقف معين»، مشيرة إلى أن «فترة الحمل والإنجاب تنقل المرأة إلى موقع الأم، ويؤدي هذا الانتقال بحد ذاته إلى طرح الكثير من الأسئلة». وتلفت إلى أن هذه الفترة «تحرك السيرة الذاتية للمرأة، فتتذكر تعاطي والدتها معها ومحيطها، وأقوال المجتمع الشرقي المبنية على تمنيات الزواج والإنجاب. وتسأل نفسها في نهاية المطاف إن كانت ستكون قادرة على تربية طفلها كما تريد».

الخوف الذي يعتري الأم يبدأ خلال فترة حملها، بحسب سويدي، إذ تتركز مخاوفها حول النمو السليم للجنين. ومنذ لحظة الإنجاب، لا تفارق الأسئلة الأهل، وتتحول إلى سياق متواصل يستمر مدى الحياة. وتضيف: «غالباً ما تسأل الأم إن كانت صالحة، علماً بأنه ما من أم مثالية شرط أن يعمد الأهل إلى تقويم أدائهم مع أطفالهم باستمرار».

هل يمكن أن يكون الخوف غير مبرر؟ ترفض سويدي الإجابة عن السؤال لأن الأمر مرتبط بكل حالة على حدة، ولا يمكن التعميم. لكنها تلفت إلى القرار الجريء الذي تتخذه نساء يدركن عدم قدرتهن على تحمل المسؤولية، فيخترن عدم الإنجاب بكامل وعيهنّ». لا تخلو الأمومة إذاً من خوف مبرّر، يجعل التجربة متكاملة.


Script executed in 0.19402599334717