أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

فلسطينيّون يعاندون قدرهم بتواضع: يقتربون من الأرض.. البعيدة

السبت 31 آذار , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,490 زائر

فلسطينيّون يعاندون قدرهم بتواضع: يقتربون من الأرض.. البعيدة

لم تتسلل علامات الزهو التي طغت على وجوههم، في ذكرى نكبتهم الثالثة والستين في العام الماضي، إلى الوجوه أمس. الإسراع في الوصول إلى مارون الراس، بلهفة غمرت قلوب آلاف الفلسطينيين، سيراً على الأقدام من بنت جبيل، لم يشبه الدخول الخجول إلى الباحة المحاذية لقلعة «الشقيف»، صباح أمس.

مارون الراس تطلّ برأسها على فلسطين المحتلة. آنذاك، راقهم مجرّد الوقوف، بأيادٍ متشابكة، وعيون ترنو إلى الأرض المسلوبة. استفزهم السياج الشائك في أسفل الوادي، يحمي المغتصب المسلّح بالبندقية، فهبطوا إلى حتفهم، مسلّحين بشارات النصر، والدموع.

قلعة الشقيف رابضة في أعلى التلّ، شامخة لا تنسى أيام احتضانها المقاومة الفلسطينية في العام 1982. لكن القلعة بعيدة من الأرض، من فلسطين. في العام الماضي، من مارون الراس، قالوا: «لقاؤنا لن يكون في مارون الراس بعد الآن. لقد وعدنا الأبناء والأحفاد أننا سنكون في القدس، في العام المقبل».

بدا حنينهم إلى الأرض، يوم أمس، مذعناً لقدرهم: «مارون الراس قريبة إلى فلسطين، خذونا إليها. الأطفال يريدون رؤيتها». ذكرى «يوم الأرض» تذكروها، أمس، بعيداً من أرضهم، في احتفال رمزي فقد بريق الذكرى التي أرادوها.

 

«نحن في لبنان»

 

عريف الحفل غاضب، ينهر الشبان بصوتٍ عال: «هاي مش فلسطين، إحنا في النبطية. إحنا في لبنان!». كانت الساعة الحادية عشرة والنصف. السياج الشائك، في باحة الاحتفال الصغيرة، يفصل الحشود عن نهر الليطاني، وثمة من اخترقه مسرعاً النزول إلى النهر.

إلا أن نداء العريف لفت انتباه الغافلين عن السياج. «أستحلفكم بدماء الشهداء، عودوا إلى الباحة»، كان يردد بنبرة خطابية درامية، حفّزت الشبان على اقتحام السياج، الذي بدا أشبه بمغناطيس يستقطب الباحثين إلى أي منفذ يحملهم إلى فلسطين.

لمّا ضاق السياج بالحشود، تاركين الباحة المقابلة للمنصة، توالت النداءات من مكبّرات الصوت: «نطلب من القوى الأمنية التدخل فوراً. ممنوع على أحد اختراق السياج، نرجو منكم التدخل». وفيما كانت القوى الأمنية والحزبية تعمل على رصّ صفوفها، كان المتجمهرون يصرخون: «عودوا إلى هنا، فلسطين بعيدة والأرض في الأسفل ملغومة».

عاد منهم من عاد، بينما كانت الحشود تنتظر «شاباً يعاني من اضطرابات نفسية، رفض الرجوع. قال لنا إن فلسطين أتته في المنام، ووعدها بأنه سيلقاها اليوم»، أوضح شاب كان يتخطى السياج لاهثاً. 

يستند محمد عبد الله شحرور إلى عكاز خشبي، متأملاً الوفود بعينين ذابلتين. السبعيني وُلد في بلدة علما الفلسطينية (قضاء صفد)، قبل التهجير القسري إلى لبنان في العام 1948. يعيش الرجل حالياً في مخيم «الرشيدية». بالأمس، ارتاح ضمير العمّ السبعيني.

يقول إن حاسة النظر أقوى من حاسة اللمس. «أنا لم أر فلسطين اليوم. في مارون الراس تأملتها حتى غفوت بالقرب منها. إنني أتلمس هواءها اليوم، ومع ذلك أنا مرتاح. أي شيء من فلسطين نعمة». 

العمّ وُلد في فلسطين، فيما الأجيال التي تلت ولادته أبصرت النور في لبنان، في مخيمات البؤس. سناء طفلة لم تبلغ عامها العاشر بعد. يرفع والدها إحدى يديه عالياً، مشيراً بإحدى أصابعه إلى مستعمرة «مسكاف عام» المحاذية لبلدة كفركلا اللبنانية. يقول الأب لابنته: «ذات يوم سنعود إلى فلسطين». تبتسم.

 

مخيم متحرّك

 

عاد الصوت الغاضب من مكبّرات الصوت يصدح بقوة: «نطلب من المصوّرين مغادرة ساحة الشخصيات. نطلب من الجمهور إخلاء ساحة الشخصيات»، كان يصدح الصوت الأنثوي، بعدما فرغ الشيخ من خطبته الدينية.

تعلو أصوات الأناشيد الوطنية، على إيقاع دبكة خفيفة وأياد مرفوعة تضرب كفاً بكف، فيما كان الملل يتسلل إلى نفوس غالبية الحشود شيئاً فشيئاً. غير أن إيقاع الدبكة ارتفع فجأة، ودوّت أصوات التصفيق: «نرحّب بالوفد الدولي الذي وصل للمشاركة معنا. ترحيب!».

في تلك اللحظة بالذات، بدا كأنهم مجتمعون في مخيم واحد، متحرر من بيوت البؤس، مفتوح على سماء زرقاء، يستقبلون فيه حشوداً دولية بالتصفيق والرقص، كما كانوا يستقبلونهم في مخيمات فقرهم.

دنا الوفد الأجنبي من الجهة الخلفية للباحة، محاطاً بالقوى الأمنية، إلى أن استقروا قبالة السياج الشائك. توالت الزغاريد وعلت أصوات التصفيق: «الرجاء من الأجانب الجلوس في المنصة، حفاظاً على سلامتكم»، قال النداء الأنثوي.

جلس الناشطون الداعمون للقضية الفلسطينية، بالقرب من «الشخصيات»، يتقدمهم الحاخامات اليهود الأعضاء في «حركة ناطوري كارتا الدولية»، المعادية للصهيونية. وفيما كانت الكلمات السياسية تُلقى تباعاً، كانت الحشود الفلسطينية تتفرّق بالقرب من الباحة. 

في مخيمهم المتحرّك ليوم واحد، أمس، كانوا يعاندون قدرهم بتواضع، بأمل. حملوا أطفالهم وأحفادهم إلى أرض بعيدة من أرضهم. تلمّسوا هواء فلسطين. قالوا للأطفال، همساً: «هناك، خلف تلك التلال، تقع فلسطين». ذكّروا الأحفاد: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». هم، ربما، يدركون أن طريقهم طويل.


Script executed in 0.18064212799072