أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

بعلبك: يتقاسمون رغيف الخبز وفرشة الإسفنج مع أقاربهم

الإثنين 02 نيسان , 2012 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 3,050 زائر

بعلبك: يتقاسمون رغيف الخبز وفرشة الإسفنج مع أقاربهم

حال النزوح، ولو أن الوافدين السوريين يرفضون التسمية، استدعت عشرات الشباب إلى التطوّع لإصلاح بعض المنازل غير المعدة للسكن لإيواء عائلات سورية. وفتحت الجمعيات الخيرية الإسلامية وبعض المنظمات الدولية و«دار الفتوى» في البقاع مكاتبها لاستقبال التبرعات والهبات لتوزيعها على العائلات السورية. فيما حوّل واحد من تجّار المدينة متجره إلى مكتب لتنظيم التبرعات والمساعدات الصحّية، ومعالجة المشاكل التي تأخذ طابعاً أمنياً. 

وحال النزوح أيضاً سيّلت لعاب بعض المشرفين على عمليات التبرّع فسرقوا أموالاً ومساعدات عينية، وفق ما أشار عدد من الجمعيات الخيرية. 

أما مؤسسات الدولة وأجهزتها فغائبة حتى تاريخه، باستثناء الجهود المبذولة في بعض الأبحاث الأمنية. 

لكن واقع العائلات السورية الوافدة إلى لبنان يتخطى مسألة المساعدات إلى معاناة فعلية للوافدين إلى المنطقة، كما للعائلات التي تستقبلهم. 

فمعظم العائلات التي وفدت إلى بعلبك من منطقتي الزبداني وحمص استقرّت لدى أقارب لها، مما خفف حجم معاناة التهجير من جهة، وزاد حجم المصاريف لدى العائلات المضيفة. خصوصاً أن المواطن البعلبكي يعاني أزمات اقتصادية واجتماعية، وارتفاعاً في نسب البطالة. فكيف إذا اضطر إلى استقبال عائلات يزيد عدد أفرادها على عدد أفراد أسرته. 

لا تتذمّر الأسر اللبنانية من استضافة السوريين، لاسيما بعد لجوئهم إلى البلد الجار أيام حرب تموز 2006. ولا يخفي بعضهم عتباً أو تذمراً من اسر رفضت إيواء أسر سورية، «حتى أن بلدية بعلبك تملك ثلاثاً وعشرين وحدة سكنية جاهزة للسكن في قرية النصر رفضت تقديمها للأسر النازحة»، وفق أكثر من شخص. 

وتشير إحصاءات الجمعيات الخيرية في المنطقة، إلى وفود حوالي 230 اسرة مع تفاقم الأزمة السورية واشتداد التوتر واتساع دائرة المعارك العسكرية في حمص والزبداني. مما يعني أن بعلبك تستقبل أكثر من ألف شخص، وهو رقم يتفاوت وفق التطورات الأمنية. 

 

قصص عدة والمأساة واحدة 

 

تضيق الغرف بأكثر من خمسة عشر شخصاً، ولكن «رُبّ ضارة نافعة»، لأن في ذلك تخفيفاً من شدّة البرد ومصروف المازوت الذي لا يمكن أن تتحمله غالبية الاسر البعلبكية. 

وإذا كان السكن مؤمّناً لبعض الحالات فإن قليلاً من الوافدين وجدوا عملاً، ولو أنهم يرضون بالمتوفّر. فأحد المحامين الوافدين يعمل عندما تسمح ظروف الطقس في مجال بناء الحجر. بينما تستمر النساء والأطفال في البحث عن فرص تقيهم من العوز، لربما طالت إقامتهم في لبنان. 

ولأن اللبناني يعرف من أين تؤكل الكتف، طرأت زيادات كبيرة على إيجارات المنازل، فتضاعفت حتى فاق إيجار الشقة ثلاثمئة دولار. من هنا، يصعب على معظم الأسر الوافدة اللجوء إلى هذا الخيار، لاسيما أن الجهات المتبرعة لم «تفتح عليها هذا الباب». لكن بعضها لجأ إلى الاستئجار مرغماً، حتى أن واحدة منها عمدت إلى بيع مساعدة من مادة المازوت لدفع بدل الإيجار، وأبقت أطفالها من دون تدفئة. 

اضطر م.ش. وشقيقه إلى استقبال خمس أسر في شقتيهما في حي البساتين. عدد أفرادها الواحد والثلاثين أضيف إلى عدد أفراد أسرتيهما المؤلفتين من خمسة عشر شخصاً. هكذا، يعيش في شقتين ستة وأربعون شخصاً، تحدثت باسم الوافدين منهم أم علي، فروت: «طلعنا من منازلنا بدون شحاطات وبالثياب التي علينا، رجالنا بقوا هناك لا نعرف عنهم شيئاً، ولم نتمكن من الاتصال بهم، «يكتّر خير ابوعلي صاحب المنزل الذي آوانا في منزله وننام راس وكعب في غرفة واحدة. ونحتاج مع أسرة ابوعلي يومياً إلى اكثر من عشرين ربطة خبز». ويكون نصيب طفل صغير منهم حين يصرخ، رغيف خبز وماء وسكر. 

حلّ أبوأياد من مدينة حمص ضيفاً على ابنة شقيقته. وهو يقطن في غرفة واحدة مع زوجته وأولاده السبعة منذ خمسة عشر يوماً. وبقي ابن له في سوريا مجنداً في الجيش. أصيب منزل أبوأياد بقذيفة، وهو يحتاج إلى عملية جراحية في كتفه المكسورة، ولكن «لا إمكانات». ولا إمكانات لديه لاستئجار منزل، وحاله المادية أجبرته على التوقّف عن التدخين. يعتبر أن اللبنانيين لم يبادلوا السوريين بالمثل حين استقبلهم الآخرون في منازلهم أيام حرب تموز. لا يهمّ ذلك أم أياد، فبالها مشغول في مصير ابنها، لاسيما في ظلّ الحديث عن انشقاقات في صفوف الجيش السوري. 

غادر أيمن أبومحمود مدينته حماه أواسط كانون الأول الماضي، لأسباب أمنية. ووفد إلى لبنان مع زوجته وأولاده الثلاثة. وحرص على متابعة تعليم أحد أبنائه، فأدخل إحدى المدارس بتوصية من أحد رجال الدين، الذي تكفل بمصروفه. كان يعمل أبو محمود في الدهان. لكنّه مازال يبحث عن عمل في لبنان. عمل لفترة عتالاً في أحد محال السمانة، فكان دخله أقل من قيمة ايجار البيت. يقتات مما توفرّه له المساعدات و«أحياناً نصوم قسراً». يعمل أكبر أبنائه (15 عاما) في متجر مقابل خمسة عشر ألف ليرة يومياً. 

يفكر أبو محمود في العودة إلى الديار كلما اشتدت حاله سوءاً هنا، لكن زوجته تنهاه حتى عن التفكير في الأمر. 

أم حسن نموذج مختلف ومشابه في الوقت نفسه. قلبها في سوريا وعقلها في لبنان. فهنا تعيش في منزل قُدّم لها ولابنتيها. أما منزلها في سوريا فدمّر ومات زوجها. ولها ابنان يتقاتلان على المحاور، فالأول انضم إلى صفوف «الجيش الحرّ»، بينما يقاتل الثاني ضمن الجيش النظامي، وحتى الساعة لا تعرف عنهما خبراً. 

بعيداً من المشاكل اليومية، يضطر السوريون إلى العودة بسياراتهم إلى الأراضي السورية كل خمسة عشر يوماً من تاريخ إدخــالها إلى لبنان. مما يرتب على الأســر مصــاريف إضافــة تنــاهز المئــة ألف ليرة.


Script executed in 0.19182300567627