أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

دليلك الى أطباء دون الحدود

الإثنين 02 نيسان , 2012 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,416 زائر

دليلك الى أطباء دون الحدود

القصص كثيرة، تفوق قدرة الإنسان على التصديق، الذي يستسلم أحياناً إلى «سذاجة» في الربط بين الطبيب والإنسانية كصفة إجبارية. حكايا لا يرويها المواطنون وحدهم، بل أيضاً طبيبة مراقبة في إحدى شركات التأمين رفضت الكشف عن اسمها، كانت تجول يومياً على المستشفيات المتعاقدة مع شركتها قبل أن تستقيل (لأسباب شخصية). تصطدم مع الأطباء، تُعرقل عملهم، وتُسجّل التجاوزات. فالمريض، بحسب تجربتها، تحول إلى مادة دسمة أمام الطبيب للاحتيال عليه من خلال شركات التأمين، من دون أن تكون الأخيرة بريئة تماماً.

لم يعد المريض يثق بـ«الطبيب الشاطر» إطلاقاً. بات يفضل استشارة كثر حتى في الأمور البسيطة، وخصوصاً أنه يشعر أحياناً باستسهال التشخيص، وإصرار البعض على اقناعه بوجوب إجراء عملية غير لازمة، رغم أن نقيب الأطباء شرف أبو شرف يعزو الأمر إلى اختلاف المدارس الطبية. حتى أن طاقم احد المستشفيات المعروفة في لبنان لا يمل من تناقل حكايا طبيب يكثر من إجراء العمليات ليغرق زوجته بالهدايا!

لدى المراقبة الكثير لتقوله. تشرح العلاقة التجارية القائمة بين بعض شركات التأمين والأطباء، المتمثلة بمنح الأولى نسبة مالية للأطباء لدى استقبالهم عدداً متفقاً عليه من المرضى. مثالٌ يفسر مصلحة مشتركة «شرعية» بين الجانبين. لكن بعض الأطباء يلجأون إلى أساليب أخرى لزيادة مداخيلهم، مثل خدمة تغطية الفحوص السريرية «out». فإذا كان الطبيب على معرفة بالمريض، تقول المراقبة، فقد يطلب منه بوليصة تأمينه لتمريرها على الجهاز الخاص بالشركة لتسجيل معاينة لم تحصل. تشكّ شركات التأمين أحياناً بالطبيب، وخصوصاً حين تُمرّر بوليصة مريض واحد مرتين أو أكثر في الشهر، فتوافق على تغطية الزيارة الأولى فقط. لكن رغم خسارتها المادية، يبدو أن الشركات تقسّم الأطباء إلى فئات؛ فذوو الدرجة الأولى أو الأكثر شهرة لا يشملهم هذا الالغاء!

تحتل هذه الاحتيالات المرتبة الأسخف، بحسب المراقبة. فالآتي أعظم. تتذكر مريضاً صادفته خلال تجوالها على المستشفيات كان يعاني التهاباً في الأمعاء ويحتاج إلى أدوية رخيصة، فرفع الطبيب تقريره إلى شركة التأمين، مبدلاً تشخيصه بالتهاب في «الزائدة» لأن كلفة علاج الأخيرة مرتفعة.

وتشير المراقبة إلى أن المواطنين الذين يتمتعون بتأمين الدرجة الأولى بمأمن عن التجاوزات، وذلك بسبب المبلغ الكبير الذي يجب عليهم دفعه سنوياً (حوالي ستة آلاف دولار). طبقة الدخل المرتفع لا تمسّ إذاً، بل يستفرد الأطباء بمواطني الدرجتين الثانية B والثالثة C. يختلف الأمر بين الدرجات أو الطبقات الثلاث من خلال نوعية المواد التي تستخدم في حال وجود كسور في الجسد أو أثناء العمليات الجراحية. تلفت إلى أنه في السابق، كان يتم استخدام معدات مستعملة أثناء العمليات. أما اليوم، فقد وجد بعض الأطباء طريقة جديدة للاحتيال. مثلاً، يسجل طبيب استخدامه النوع الأفضل والأغلى من الفولاذ المقاوم للصدأ، بينما يستخدم في الواقع النوع الأرخص. احتيالٌ دفع بالمراقِبة مرات عدة إلى عدم الموافقة على إجراء عملية معينة إلى حين استبدال المواد الرخيصة بتلك المسجّل وجوب استخدامها.

وتتجلى «السمسرة» في سماح جميع المستشفيات للمراقبين لدى شركات التأمين بدخول غرف العمليات للمراقبة باستثناء مستشفى واحد، يبدو أنه يتمتع بامتيازات خاصة لا تتوقف عند هذا الحد؛ فشركات التأمين لا تشترط عليه الحصول على موافقة مسبقة. تستذكر المراقبة قصة مريض كانت تتابع حالته. تقول: «قصد احد المستشفيات شاكياً من وجع في معدته. أجريت له فحوص عدة من دون اكتشاف علته، فأدخل غرفة العمليات واستؤصلت الزائدة التي كانت سليمة. لم يشف من وجعه، ودخل مستشفى آخر سارع العاملون فيه إلى ادخاله غرفة العمليات لاستئصال الزائدة! وكانت النتيجة وفاة المريض».

التلاعب بعلاج المريض يتبعه إهمال وتقاعس في أمور أخرى، تقول المراقِبة، وخصوصاً لناحية النظافة المطلوبة. أمور لا تتطلب ربما البحث كثيراً في الأسباب، التي يمكن حصرها في غياب الرقابة. تشرح أن أهم المستشفيات في لبنان تفتقد للشروط الصحية المطلوبة في غرف العمليات بسبب الضغط الشديد عليها، موضحة أنه بعد كل عملية، يجب تعقيم الغرفة وعدم إدخال أي مريض جديد إلّا بعد مرور 48 ساعة، فيما تدخل المستشفيات المرضى تباعاً بسبب الضغط.

هذه التجاوزات ليست أمراً شائعاً بحسب نقيب أصحاب المستشفيات في لبنان سليمان هارون، الذي يلفت إلى أن قرار الطبيب إجراء عملية لمريض خاضع لاختلاف وجهات النظر. يعلق على نظافة غرف العمليات، مؤكداً أن معلومة الـ48 ساعة غير صحيحة على الاطلاق، وخصوصاً أن المستشفيات تعتمد منهجاً للتنظيف وتعقيم الغرف بُعيد كل عملية، عدا اعدادها برنامجاً يومياً للعمليات، وتقسيم الغرف بحسب الأمراض. وفي ما يتعلق بدرجات التأمين، يرى أن السؤال في الأساس غير منطقي وأشبه بثرثرة النساء، مؤكداً عدم صحة الأمر.

بدوره، يرى أبو شرف أن هذه التجاوزات تندرج في إطار التهويل وخصوصاً أنه «لم تردنا أي شكاوى»، موضحاً أن المراقبين «يؤدون عملهم على أكمل وجه». يؤكد أن «الثرثرة تطغى على الواقع. وحين يشك المريض بطبيب معين، غالباً ما يلجأ إلى آخر، ويستطيع ببساطة التقدم بشكوى إلى نقابة الأطباء التي تعاقب الطبيب المعني في حال ثبت خطؤه!».

للحظة، تخال نفسك في سويسرا قبل أن تعود إلى الأرض مقارناً بين كم الشكاوى وكلام النقيب. اللافت أن شركة تأمين «نكست كاير» مثلاً لا تنفي حصول تجاوزات، لكن ليس إلى درجة كبيرة. ويقول مساعد المدير أندريه نادر إن المندوبين يطلعون على الملف الطبي للمريض، ويشترطون إجراء عدد من الفحوص قبل تحديد أي عملية. وفي حال كان هناك شك، يُحال الملف وتشخيص الطبيب المعالج إلى الطبيب الخاص بشركة التأمين، ثم إلى طبيب من خارج الشركة، قبل منح الموافقة.

تلفت المراقبة إلى حرص هؤلاء الأطباء على التقرب من المراقبين لضمان عدم عرقلة «احتيالاتهم». تقرّب يتم غالباً من خلال اشراكهم في حلقة الاحتيال، ورشوتهم (نحو ألف دولار أو أكثر على الحالة). هذا ما يُشاع أيضاً. لكن حقيقة التجاوزات تبقى ضائعة بين حكايا المواطنين ونفي المسؤولين، وإن كان لا وجود لدخان من دون نار.

 

«توقف في القلب»

 

تلفت الطبيبة المراقبة في إحدى شركات التأمين إلى التعتيم على حالات الوفاة التي تحصل نتيجة أخطاء طبية. وبحسب تجربتها، غالباً ما يكتب الأطباء في تقاريرهم لتفسير الوفاة: «توقف في القلب». وتشير إلى لجوء بعض الأطباء أحياناً إلى «قتل المريض عمداً»، بعد وفاته دماغياً، للاستفادة من أعضائه التي يكون قد قرر وهبها، أو يقنع هؤلاء الأطباء الأهل بوهب الأعضاء، فيشترونها بمبالغ زهيدة ويتاجرون بها. لكن لم نسمع ورود شكاوى حول حدوث أمور مماثلة.


Script executed in 0.2185389995575