أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

فايـز كـرم خـارج السـجن مثـل الأسـير المحـرر: كــل عميــل وأنتــم بخــير..

الأربعاء 04 نيسان , 2012 12:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 13,028 زائر

فايـز كـرم خـارج السـجن مثـل الأسـير المحـرر: كــل عميــل وأنتــم بخــير..

لكن، لمّا سُئل رئيس «تكتل التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون، عن زيارة كرم، القيادي في «التيار الوطني الحرّ»، إلى منزله فور خروجه من السجن أمس، قال: «خرج فايز كرم من السجن بعدما نفذ عقوبته. لقد مرّ من هنا، وقلنا له الحمد لله على السلامة. ثم غادر إلى منزله».

لم يتحدث عون عن مؤامرة سياسية أدت إلى القبض على كرم، كما كان يردّد منذ توقيف «شعبة المعلومات» كرم في آب 2010، فيما بدا كرم غارقاً في نظرية المؤامرة أمس، يجهّز الردود على تهمة أثبتها القضاء العسكري، وليس «شعبة المعلومات».

كرم، الذي كان رئيساً لفرع مكافحة التجسس في مخابرات الجيش بين عامي 1988 و1990، يدرك أن الغطاء السياسي الذي واكبه منذ توقيفه حتى أمس، لم تقتصر مفاعليه على تخفيف حكمه إلى عامين فحسب، بل إنه غطاء سيعينه في الدفاع عن عمالته، بتبجّح.

وبما أن «شعبة المعلومات» محسوبة سياسياً على «تيار المستقبل»، فإن الدوامة التي ينتظر كرم اقتحامها بهدوء، قابلة للمضي قدماً في الدفاع والتبرير، وسط الحماية السياسية لرجل اعترف بأنه عميلٌ إسرائيلي.

اعترف بعمالته، في أثناء التحقيقات الأولية، مستفيضاً في شرح التفاصيل، منذ تعارفه على الضابط الإسرائيلي موسى في العام 1982، إلى آخر اتصال جرى مع مشغله في العام 2009. غير أن عمالته، وفق المتابعين المناصرين للتيار العوني، «خفيفة، يعني الزلمي ما زوّد الإسـرائيلي بمعلومات خطيرة. كلها معلومات عادية».

ومثلما استفاد كرم من خفض السنة السجنية إلى تسعة أشهر، فإن طرق الاستفادة من لوثة السياسة في لبنان تنتظره، ولن تكون عصيّة على شخص خان وطنه. بداية الطريق بدأت من إعادة التشكيك في صواب التهمة، ثم قوله أمس: «سأحارب العدوّ الإسرائيلي في حال وقوع أي هجوم على لبنان». 

هو، ربما نسي أن الكلام ذاته قاله في أكثر من مقابلة تلفزيونية، قبل توقيفه، فضلاً عن هجومه على عملاء إسرائيل. وتران سيعزف عليهما كرم: السياسة والعسكر، من خلال تغليف التهمة في قالب سياسي بحت، ثم التذكير بأنه كان عميداً «مناضلاً» في الجيش اللبناني. 

غير أن الاعترافات التي أدلى بها كرم، في التحقيقات مع «شعبة المعلومات»، يصعب تغييرها، بما تحمله من وقائع في نسق قصصي «مشوّق»، مقنع، يعترف فيها «الضحية» كيف أصاب ومتى خاب: «فعلاً، كان يتوجب عليّ إخبار الجهات الأمنية أني التقيت بأشخاص إسرائيليين». 

ومهما حاول إعلامياً، هو النجم الصاعد والمحامون كافة في العالم، أن يغيّروا في اعترافاته التي أدت إلى نطق الحكم العسكري، فثمة نتيجة واحدة: عميل برتبة عميد، زوّد العدوّ بمعلومات، وتزوّد منه بالمال، والعار. فايز كرم عميل. 

والعميل، في الأوطان كافة، يخرج من السجن (في حال استبعد من عقوبة الإعدام) منحني الرأس، مقطّب الجبين، بلا أي ضوضاء تزيده عاراً. يخرج متوجساً من نظرات أبناء وطنه الذين خانهم، باحثاً عن منزل يؤويه، بعد براءة العائلة من اسمه. يخرج مجرّداً من حقوقه المدنية، كحد أدنى للعقاب.

العمالة مع العدو، في الأوطان كلها، لا دين ولا رتبة ولا عرق لها، ولا مظلة تحميها. لكن في لبنان، تغدو العمالة مع العدوّ جنحة بسيطة، «عادية»، طالما أن «بطلها» مدعوم سياسياً من جهات نافذة، حاكمة، ولو أنها تعترف بعدائها مع «إسرائيل». 

كالأسير المحرر من سجون الأعداء، خرج كرم أمس من مركز التوقيف في «الريحانية»، مســتقلاً ســيارة فارهــة يرافقها موكب مهيب، متـوجهاً إلى منزل عون في الرابية، كي «يؤكــد التزامه الســياسي» وفق ما قال، بعيـداً من كاميرات وســائل الإعلام.

ثم انطلق الموكب المهيب بكرم، إلى منزله في الكسليك، حيث كانت العائلة في انتظاره مجتمعة مع الأصدقاء والأقرباء، وكان كرم سعيداً مزهواً يوزّع الابتسامات هنا وهناك، يعانق هذا وذاك، ويتلقى الاتصالات الهاتفية المهنّئة.

وعند الخامسة عصراً، وفيما كان أنصار «الوطني الحر» في زغرتا يستقبلونه على وقع الطبول، والتصفيق والتقبيل، كان الأسيران المحرران نبيه عواضة وأنور ياسين، وناشطون لبنانيون، يرفعون لافتات تندد بإطلاق سراح كرم، في اعتصام عفوي نفذوه قرب المحكمة العسكرية.

كانوا يرفعون لافتة: «العميل.. عميل شو ما كان لونه»، ويقولون إن «العمالة ليست وجهة نظر»، فيما كان عواضة يقول: «في العام 2000، كنا نطالب المحكمة العسكرية في تشـديد محاكمات العملاء، كي تشـكّل رادعاً للعملاء الجـدد، إلا أن الأحـكام المخفـفــة أدت إلى ما أدت إليه في حرب تموز، وها هو المشهد يتكرر اليوم».

وفي النسق ذاته للإدانة، اعتبر ياسين أن «إطلاق سراح كرم تشجيع على العمالة»، محملاً «القوى السياسية الحاضنة لكرم، المسؤولية إزاء الاعتبارات السياسية التي أدت إلى إطلاق سراح عميل إسرائيلي». مرّت دقائق، وغادر الأسيران والمعتصمون الباحة الصغيرة، بينما كان كرم يحتفي في خروجه، كأنه أسير محرّر. 

بذلك، يثبت السياسيون، من فريقي 8 و14 آذار، أن لبنان تحكمه طبقة واحدة، تختلف مكوّناتها في الشكل، وتتفق في المضمون: فساد أخلاقي، اقتصادي، اجتماعي، طائفي، قضائي، ووطني..

كل عميل وأنتم بخير.


Script executed in 0.17389798164368