أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

التعاونيّات النسائيّة في بنت جبيل تستغيث: سـاعـة العمـل بأقـلّ مـن ألـف ليـرة

السبت 07 نيسان , 2012 01:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 5,619 زائر

التعاونيّات النسائيّة في بنت جبيل تستغيث: سـاعـة العمـل بأقـلّ مـن ألـف ليـرة

ويعتمدن على تربة سخيّة بعشرات النباتات الطبيعيّة الغنيّة بموادها الغذائيّة والطبّية وبيئة مناسبة للحفاظ على الزراعات البعليّة الموجودة وإدخال غيرها من الزراعات القابلة للحياة والإثمار بتكلفة متدنية. وتتباهى اعضاء الجمعيات تلك بأن معظم موادها الأوليّة هي من نباتات المنطقة، وبأنها خطت خطوات أساسيّة على طريق تفعيل العمل التعاوني النسائي. 

تجتهد في مركز «الجمعية التعاونية للتصنيع الزراعي في قضاء بنت جبيل» نبيهة درويش للقبض على السمسم في «الصينيّة»، قبل خلطه مع الصعتر وتوضيبه تمهيداً لعرضه للبيع. ولا يحول ذلك دون إسهابها في شرح أدق تفاصيل أنشطة زميلاتها ومحتويات عشرات أصناف المواد الغذائية التي تصنّعها من مزروعات المنطقة وأعشابها، ومنها البريّة، بما في ذلك شرح فوائدها الصحيّة والطبيّة ونوعيّة الأزهار والأعشاب والأوراق الصالحة لمشروب «الزهورات»، التي تقطفها اعضاء الجمعية من حقول البلدة والجوار. ولا يفوتها التذكير باستبعاد أزهار الورد من الزهورات لأنها «تسبب زيادة في دقات القلب». 

تفخر رئيسة «الجمعية الزراعية التعاونية للانتاج والتصنيع الغذائي ـ عين إبل»، تمام مارون، بـ«التعاونية النسائية الوحيدة في لبنان التي تعصر وتصنّع دبس الخرّوب الخالي من السكّر والمواد الحافظة»، إضافة الى صناعات غذائيّة متنوّعة. وتضيء على الصعوبات الجسدية التي تضع هذه الصناعة في خانة «الأعمال الرجاليّة»، منوّهة باضطرار «السّتّات إلى رفع أكياس بو حزّ أحمر»، مع التذكير بجودة منتجاتها والالحاح على تذوّق قطع «المعكرونة بدبس الخروب». 

وفي بلدة عيتا الشعب، لا يقلّ فخر الحاجة سارة مرتضى، رئيسة «جمعيّة غار عيتا الشعب»، بنوعيّة «صابون الغار مئة في المئة». وتستطرد مواطنتها خديجة منصور، عضو الهيئة الإداريّة في»الجمعية التعاونيّة الزراعية لتنمية قدرات المرأة في قضاء بنت جبيل»، في الحديث عن الجهود المتفانية التي تبذلها اعضاء جمعيّتها من أجل إنتاج أفضل شتول الخضار الموسميّة لمزارعي المنطقة. وتضمّ الجمعية نساء من بلدات عيتا الشعب بيت ليف، دبل، راميا ورميش. وفي بلدة حاريص تشيد نوال جواد، رئيسة «الجمعيّة التعاونيّة للغذاء الرّيفي في حاريص» (العماد) بجهود اعضاء جمعيتها من أجل تصنيع المقطرات والمخللات والمربيات وجميع أنواع المؤونة من مصادرها المحليّة في البلدة والمنطقة. 

لكنّ أحاديث هؤلاء النساء الحافرات بأناملهنّ الناعمة تراب المنطقة واستخراج أفضل المنتجات الغذائية بشق النفس، لا تخلو من الألم والمرارة بسبب ظروف الانتاج القاسية والغياب الكامل لأيّ دعم أو مساعدة من مؤسسات الدولة وشروط التجّار الكبار القاسية لشراء المنتجات. وتظهر الحسابات الأوّليّة المستندة إلى إفادات الجمعيّات النسائيّة أنّ معدّل دخل هذه الجمعيات أقلّ من ألف ليرة عن عمل المرأة الواحدة في الساعة، وأنّ أفضل ما حققته بعض الجمعيّات حتى الآن هو عدم الخسارة، بعد احتساب النفقات بما فيها تكلفة النقل والوقود والايجارات، في حين أنّ الخارج من صناديق بعضها الآخر يفوق الداخل، علماً بأن العديدات يغطين مصاريف أساسيّة كمصاريف النقل والهاتف من جيوبهنّ الخاصّة. 

تنتقد سلوى بزّي، رئيسة «الجمعية التعاونية للتصنيع الزراعي في قضاء بنت جبيل»، الغياب التام لمؤسسات الدولة والمسؤولين وانعدام أيّ دعم رسميّ عينيّ أو ماليّ وحتى إرشاديّ. وتشير إلى الدعم «الخجول» من البلديّة «بسبب عجزها، كما يقولون»، وإلى اقتصار دعم وزارة الزراعة «على الوعود لا أكثر».

وتذكّر تمام مارون بأنه «لا يكفي المسؤوليات المنزليّة الضاغطة على المرأة، لكننا نعمل أحياناً في التعاونية من السابعة صباحاً حتى الحادية عشرة ليلاً. مع ذلك نضطر إلى تغطية نفقات البنزين والهاتف من جيوبنا».

وتروي سارة مرتضى رحلة العذاب مع صناعة «صابون الغار»، بدءا بقطاف ثمار الغار، فاستخراج زيته «خلال مرحلتين من التسخين تستمران أربعاً وعشرين ساعة، على وقود لا يخلو من النفايات البلاستيكيّة، فالاضطرار إلى بيعه بنصف السعر الذي يعتمده التجار الكبار». وتلفت إلى سرقة «اسم المُنتِج الذي هو جمعيتنا واستبداله بأسمائهم التسويقيّة، من دون رقيب أو حسيب». وتعرض خديجة منصور أسعاراً خياليّة لتكلفة البذور التي يحتاج إليها مشتل تعاونيتها التي تعادل أحياناً أسعار بيع الشتول المنتَجة، «بينما وزارة الزراعة غائبة كلياً عن المشهد، بما في ذلك تقديم البذور وخبرات مهندس زراعيّ نحن في أمس الحاجة إليها».

وتعبّر نوال جواد عن غضبها قائلة: «تدفع جمعيتنا أقساطها للاتحاد التعاوني كما لو كانت ضريبة. ومجبرة على دفع فاتورة الكهرباء، وقيمتها 82 ألف ليرة شهرياً، على الرغم من حيازتنا مرسوم إعفاء من الفاتورة». وتذكر أنها خلال زيارتها إيطاليا بناء على دعوة من منظمة غير حكوميّة: «كنت أشعر بالخجل أينما حللت، ليس عندما أُسأل عن إنجازات جمعيتنا، بل عندما يسألونني عن المساعدات التي تقدمها دولتنا». وتناشد: «يا ريت الدولة بتزورنا وبتشوف مين اعضاء جمعيتنا وكيف بيعملوا». إلاّ أنّ حسرة نائبة رئيسة «الجمعيّة التعاونية للتصنيع الزراعي ـ دبل» هناء يونس، تفوق كلّ الحسرات: «القليل من المعدّات التي تملكها جمعيتنا مقفل عليها. ونحن مستعدات للعمل لكن عملنا متوقف نهائياً. لا مال لتجهيز مركز. ولا مساعدة من الدولة أو البلدية. كان عندنا أمل بعدين راح». 

لا تنكر مسؤولات الجمعيات التعاونيّة النسائية في قضاء بنت جبيل حصول جمعياتهن على مساعدات محدودة من منظمات غير حكوميّة، مثل تقديم المعدّات أو تنظيم دورات تدريب أو مساعدات تسويقية. ومن تلك المؤسسات «الأمم المتحدة» عبر برنامجها الإنمائي، «مؤسسة جهاد البناء»، «مؤسسات الإمام الصدر»، «جمعية الشبان المسيحيين»، «مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي الكندية»، «جمعية التجارة العادلة في لبنان». وتطرح بإلحاح مطالب تعديل النظام الأساسي الحالي للتعاونيّات «الذي يستنزف طاقات ومداخيل مسؤولي التعاونيات وأعضائها، وبالتالي الحدّ من قدراتهم على العطاء». وتطالب بتحفيز العمل التعاوني وتعزيز الثقافة التعاونية، ودعم تأمين مراكز ثابتة للتعاونيّات، وضم أعضاء التعاونيات الزراعيّة إلى الضمان الصحي، وتقديم المساعدات المالية والعينيّة والارشاديّة، وحماية منتجات التعاونيات من جشع التجار وتأمين الأسواق المحليّة والخارجيّة. 

عندما تذرف سارة مرتضى الدموع تعبيراً عن معاناة المرأة الجنوبيّة، لا تجد ابنتها، المدرّسة الثانويّة نجيبة منصور، ما تعزي به والدتها سوى بضع كلمات: «هل من يكافئ هؤلاء الأبيّات؟».

Script executed in 0.19162797927856