أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

«بريد التبّانة» الحرب الأبديّة مع «فوق»

الثلاثاء 05 حزيران , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 9,646 زائر

«بريد التبّانة» الحرب الأبديّة مع «فوق»

لا يعلم أطفال التبانة أن الأزقة الممزقة التي يلهون فيها تشتعل كل فترة بسبب عاصفة سياسية تهبّ من منطقة جغرافية لم يتخيلوا يوماً أن تطأها أقدامهم. اختزلهم النظام اللبناني، ومعه سياسيو طرابلس، إلى أرقام من حقها أن تنمو وتتطور بيولوجياً ... فقط. كائنات بشرية نمت في محيط لم يخلع رداءه منذ أكثر من ثلاثين عاماً. في جيب الرداء ورقة قديمة ــــ جديدة فيها عبارة واحدة: النظام السوري عدوّنا. في رأس هؤلاء مشهد يومي يبثّ من تصدّع مساكنهم، هذه الفجوات سببها «فوق»، حفظوا عن أهلهم.

هزات سياسية وأمنية عصفت بلبنان منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كفلت لشباب التبانة تراكم الحقد على النظام الشامي، حتى بعد انسحاب قبضته العسكرية من طرابلس. حضور جبل محسن، بما يمثّل من نقيض سياسي ومذهبي، وافتخاره باندماجه مع سياسة حكام سوريا حتى التماثل، جعل مهمشي التبانة بلا خيارات جديدة. لا يرى جيل المقاتلين الحالي أي اختلاف جوهري بين سبب دخولهم في المعارك عن الجيل السابق على أساس أن «العدو واحد». لم يمنحهم خروج القوات السورية عام 2005 أي فرصة للبحث عميقاً في أسباب قتال رفاق أبو عربي (خليل عكاوي) العقائدية للجنود السوريين.

قرب مسجد الرشواني، في سوق الخضر، يسكن خالد الأحمد (اسم مستعار) مع والدته وأشقائه الأربعة. ابن الـ27 عاماً لم يعرف مصدر رزق ثابتاً من سنين. «سنة شغل بالسيارات، جربنا ورش الموبيليا، وصلت معي على سهل عكار بموسم قلع البطاطا». سيرة مهنية تشي بعدم استقرار يعيشه الشاب الذي فقد والده في مجزرة التبانة عام 1986. يرجع الأحمد سبب تقلبه المهني إلى المعارك التي دارت مع جيرانه في جبل محسن، «كنت أسمع من الشباب أن الوضع متوتر وقابل للانفجار، فأترك عملي لأحرس معهم الأحياء الداخلية لأيام متتالية». يعلم صاحب البشرة السمراء أن ما يقوم به لن يُعيد أبو خضر (والده)، لا بل لن يشبع عنده غريزة الانتقام. خالد مشوّش. يتوتّر عندما يسمع وصف «عبثي» لما يشترك فيه. «لا يهم... ثوار سوريا يتكفلون بالباقي»، جواب يريح كثراً هنا.

في الحيّ نفسه، قلّ ظهور طارق، صديق خالد ورفيقه. انسحب طارق من المعركة. «أصلاً لم تكن معركة»، يقول. بدأ الشاب رحلته النضالية على «الأجهزة». «كنا ننسق بين شبابنا في الأحياء الداخلية والمتمركزين في شارع سوريا. صارت شغلتنا وعملتنا بالحرب والسلم، صار عنا رفاق فوق، أبو حيدر وعلي أبو خضر... منسبّ، منهدّد منمزح، شي غريب»، يروي مبتسماً.

طارق، المعيل الوحيد لعائلته في ظلّ إصابة أبيه في الحرب الأهلية سلّم أمره «لرب العالمين» بعدما استسلم لدورة الحياة الطبيعية. يتشاءم عند سماعه رشقات رصاص. يريد الانتقال إلى منطقة باب الرمل بأمان ليجنيَ قوت عائلته في محلّ ميكانيك السيارات. «يقولون لي بيت عيد عم يهدّدوا، أقول لهم في الله، يضيفون: شبابهم مستنفرون بحارة الجديدة، بجاوب عندنا أفضل قطع غيار بالمحل، حوّلوا!».

«القسم الأكبر ورث سياسة النظام السوري الظالم بحق التبانة عن أهله»، يروي بلال مطر، أحد أبرز الإسلاميين المخضرمين في طرابلس والشمال. يضيف مطر سببين «لتخريج» التبانة جيلاً شاباً من المقاتلين في زمن «الاستقرار»، وهما أن الدولة لم تعرف طريقها إلى التبانة إلا عبر العقل الأمني والمؤسسة العسكرية، والسبب الآخر طريقة السياسي الطرابلسي التقليدي، الذي يعمل وفق معادلة «أخلق لك العدو (جبل محسن) لكي أتحكم فيك». في محله لبيع التبغ، يطلق محمود الأسود كلاماً واضحاً: «نحن جماعة أكلنا قتل من الدولة»، فعل القتل عند القائد العسكري «السابق» يعني التهميش والبطالة، اللذين أُغرقت بهما منطقته من قبل «دولة الإعمار والعدالة الاجتماعية». لا يلوم أبو عبد الله بعض الشباب لحملهم السلاح، لاعتقادهم الفطري بأنهم يدافعون عن أهلهم وبيوتهم، بل يرى في فقرهم واستغلالهم من جانب النواب والأمنيين الدافع إلى استنفارهم الدائم.

في اعتقاده «ليس لدينا مشروع سياسي نقاتل من أجله»، رابطاً بين حمله السلاح إبان الحرب الأهلية ورؤية شاملة يتمحور حولها هدف البندقية «حيث كان للنضال معنى». يستذكر الأسود تظاهرات السكر والخبز وأيام جمع التبرعات لشراء ذخيرة «عكس أيامنا، حيث يقدم النافذ بندقية بدل الوظيفة».

رُبِطَت أزمة أهالي التبانة المعيشية بولي نعمتهم الجديد، الذي يكابر قبل تقديمه صندوق إعاشة أو مساعدة مرضية. فالضغط اليومي والشحن المستمرّ حوّلا حملة السلاح إلى طالبي حرب، عندها تفتح صالونات النواب وهواتفهم. «يخدم» ممثلو طرابلس القادة الميدانيين أيام المعارك، لعلهم يتحكمون في توقيت وقف إطلاق النار أو استكماله. لا فرق. المهم إصدار قرار من أحد منازل شارع المعرض الفخم لينفذه المسلحون. في كل حارة، يتربّع «قبضاي» أثبت وجوده خلال المعارك، تتحرك خلفه مجموعة من الشبّان غير المنظمين يمسك بعضهم قطعة السلاح للمرة الأولى. من بعل الدراويش، السنترال، البيكاديللي، الأهرام، الدقور والساحة، حيث المحاور الرئيسية للقتال مع جبل محسن، فرضت أسماء وجودها في الصفوف الأمامية بفعل شجاعتها أو لعلاقتها القوية بنافذين محليّين يغدقون عليهم السلاح ليوزعوها بدورهم على «شبابهم». يصف عالمون بأوضاع التبانة قسماً من هذه الأسماء بـ «عدة شغل السياسيين»، إذ يلزمهم «قوّيصة» إلى جانب «المدنيين» والدبلوماسيين أصحاب ربطات العنق. في التبانة، أصبحت البندقية تمثّل وجود «أمراء الحارات» وأعوانهم في منطقة لم تقدم إليهم الشعور بالأمان والاستقرار في ظل ضغط معيشي يومي يرافقه الشحن والتوتر.

يصوّر ابن التبانة، الشيخ نبيل رحيم، استهداف جبل محسن، في رأي المسلحّين، كمن يساعد الثورة السورية. يتفق رحيم مع بلال مطر على اختلاف الهدف من حمل السلاح بين جيلَيْ الحرب والسلم. «أطراف جديدة دخلت على الساحة، وهي المشايخ»، يخبرنا الشيخ السلفي أيمن خرمة. يعمل خرمة على تهدئة الأجواء المتوترة في منطقته، «لا نريد معركة مع الجيش اللبناني أو الجبل». ينتقل الشيخ، الداعم للحراك السوري، بسيارته من حيّ إلى آخر لترطيب «النفوس المحتقنة». ويشارك في اجتماعات فعاليات التبانة للحؤول دون «تهورّ مجموعة من الشباب».

نعود إلى خالد وأقرانه الكثر. يريد مقاتلو اليوم استعادة التاريخ رغم أنهم لم يعايشوا تجربة «القدامى». تراكَمَ حقدهم على النظام السوري منذ انطلاق رواية متناقلة مطلعها «بدأ العقاب ينزل على التبانة عام 1976» (سنة دخول القوات السورية إلى لبنان). حُشِر هؤلاء في خانة ضيقة اضطرتهم إلى نبش الصفحات السوداء من التاريخ. ظروفهم الذاتية منعتهم من الخروج من صراع الأزقة إلى رحاب القضايا الوطنية. في الدوامة التي لا مخرج منها، ألصقت بالمنطقة صفة «صندوق البريد» و«البؤرة الأمنية».

لم يعد شارع سوريا بمتفرعاته محطة الوافدين من الأرياف. ضاقت المنطقة بأهلها. من غرفهم الضيقة قذفوا أولادهم إلى الشوارع ليسترزقوا عبر عربة خضر أو أي عمل مياوم آخر. في حيّ بعل الدراويش، المتفرع من شارع سوريا، تشبه كآبة الجدران المتآكلة بفعل آثار الرصاص، وجوه الناس المروّضة بفعل معمودية المرور بين أزقة تجترّ يومياً معالم شظف العيش بكل أشكاله. عربات الخضر المتناثرة على جانبيّ الطريق تأمل مرور زبون ليس من أهل المنطقة، لعلّه يشتري ما يفيض عن حاجة يوم. أبو أحمد يغمور، صاحب إحدى تلك العربات يذكر تشابه الثمانينيات بأيامه الحالية «ما زلنا نعيش كل يوم بيومه، لكن الشعور بالرضى عن تأمين الرغيف من عرق الجبين في زمن الحرب، أصبح اليوم بطعم الذلّ»، يروي متحسّراً.

 

«طيطا» مع التهدئة... و«الثورة»

 

داخل منزله في شارع سوريا، يصل علي طيطا نهاره بليله، محاولاً ترميم منزله «المخردق» بعشرات الرصاصات إثر المعارك الأخيرة. جولة سريعة في الطابقين اللذين يملكهما تظهر حجم الدمار اللاحق بالأثاث والجدران. «استهدفوني جماعة (رفعت) عيد وبلّغوا الجيش أنني مشارك في المعركة، وأنا مش بهالجو كلّو»، يجزم طيطا.

على الشرفة، يقف عامل طلاء ومعه مساعد من جبل محسن. يصرّ «طيطا»، المسؤول العسكري السابق في لجان الأحياء والمساجد على «أن يظهر أن مشكلته «هي مع زمرة تابعة لآل عيد لا مع كل العلويين». يقول أبو رامي: «قبل عام 2005 كنت أركّب المكيفات في الجبل، كان الناس قد بدأوا ينسون». يحمّل الرجل المصاب عام 1984 النظام السوري مسؤولية الصراع بين الجارين. على الأرض، يلفت إلى ضرورة ردع المسلحين القادمين من الأحياء الداخلية باتجاه شارع سوريا. يرى أن أكثريتهم من خارج المنطقة، ويتحمّل سكان خطّ التماس نتيجة طيشهم واندفاعهم. «أنا مع التهدئة، أرفض الفتنة وأدعم الثورة السورية»، يختصر طيطا رأيه في الأحداث.


Script executed in 0.18851518630981