أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

جبل محسن: حالة حصار غير معلنة

السبت 16 حزيران , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 4,691 زائر

جبل محسن: حالة حصار غير معلنة

المدينة التي تدعو زائرها إلى الانتعاش، بالموج والأفق، باتت اليوم بحاجة إلى من ينعشها. عند مدخل طرابلس، من جهة الميناء، يمكن، بنظرة سريعة، ملاحظة «الركود» الملقي بظلاله على المدينة. المنطقة البحرية، التي كانت تعج بالزوّار مع كل صيف، أصبح يندر مشهد السائح الأجنبي فيها، بل حتى المواطن اللبناني من غير المقيمين. بائع بطيخ «الوزاني» هناك، الجالس إلى جانب عربته، يبدو كتائه في منطقة جرداء. يشكو من قلة بيع الفاكهة الصيفية، رغم السعر الزهيد والبيع «برسمالها»... فالظاهر أن الناس «ما عاد إلها نفس حتى على البطيخ».

 

هذا المشهد نتيجة «طبيعية» لمعارك شهدتها المدينة أخيراً، اتسعت رقعتها، على غير المعتاد، خارج نطاق التبانة ـــــ جبل محسن. فشوارع طرابلس الرئيسية، فضلاً عن الزواريب، شهدت موجة إحراق لمحال تجارية على خلفية مذهبية. صحيح أن أصحاب تلك المحال هم من الطائفة العلوية، لكن الفاعل، عن غباوة أو علم، أصاب المدينة بشلل اقتصادي وقلق أمني، وأضر بعاصمة الشمال بمختلف طوائفها وانتماءاتها.

المقيمون في طرابلس يعرفون مقهى «البعيتي» جيداً. كثيرون منهم لم يكونوا يعرفون أن صاحبه من أبناء الطائفة العلوية، إلى أن جرى إحراق مقهاه. كل نار لحقت بمحل هناك، خلال الأيام الماضية، كانت بمثابة كشف اللثام عن طائفة المالك. مقهى «البعيتي» يقع في شارع عزمي، وهو من أرقى شوارع طرابلس. لا شيء في ذاك الشارع يشبه مظاهر الفقر والحرمان التي في التبانة. اللافت أن أبناء جبل محسن كانوا أقل أهل المدينة ارتياداً للمقهى، إذ يرتاده عادة السيّاح والزوّار من الخارج، إضافة إلى «المرتاحين على وضعهم مادياً من أهل طرابلس». هذا ما يقوله أحد أبناء المدينة، الذي لا ينفك يؤكّد «سنيّته» باستمرار، مستنكراً ما شهدته المدينة من إحراق لـ«المحال العلوية». ما يثير الاستغراب أن أغلب تلك المحال التي أحرقت، وجميعها عائدة إلى أشخاص من الطائفة العلوية، كان أبناء الطوائف الأخرى هم الأكثر ارتياداً لها، مثل غاليري «رويال»، وأفران الحموي في الميناء. بعض أصحاب هذه المحال لا يعيشون في جبل محسن، إذ ينتشرون في سائر أحياء طرابلس، ومعظمهم جزء من نسيج المدينة التاريخي. يوسف الشيخ أحد هؤلاء. صاحب «سيتي بارك» للألعاب، مدينة الملاهي التي أُحرقت في شارع المئتين، لا يُعرف عنه تحزّب أو تعصب مذهبي. يقول: «أنا مع راسي، لم أكن أتدخل في خلاف يحصل، ومع ذلك طاولني الأذى وأحرق محلي، واليوم بت أخاف العودة إلى هناك». يأسف الشيخ لأن يكون سبب ما حصل معه هو الهوية المذهبية. فبعدما عاش عمره بين أبناء الطوائف في طرابلس، ها هو يمرّ اليوم «خلسة» في شوارع المدينة، من دون أن يترجل من سيارته، خوفاً من التعرّض له. قبل أيام مرّ من أمام محله المحترق، وراح يسترق النظر إلى داخله، ليجد أن آثار الحرق والتخريب ما زالت على ما هي عليه. هدأت الآن موجة إحراق المحال في المدينة، لكن مع ذلك لم يتلقّ الشيخ أي اتصال، من أي مسؤول في الدولة، يعده بتعويض أو بتسهيل العودة لمزاولة العمل. بعض المتابعين يرون أن عمليات الإحراق لم تكن على خلفية طائفية دائماً، إذ تبيّن «حصول عمليات سرقة قبل الإحراق، ما يشير إلى إمكان أن يكون الفاعلون من الذين يمتهنون السرقة ويتعاطون المخدرات، وقد وجدوا في حالة الشحن المذهبي فرصة ذهبية لهم».

أحد أبناء جبل محسن، يلفت إلى أن أبناء المنطقة «اعتادوا إطلاق الإنيرغا والرصاص عليهم، بسبب أو من دون سبب، لكن أن يصل الأمر إلى حد قطع الأرزاق وإحراق المحال، فهذا أمر لا يمكن أن يُطاق، علماً أن كل موجات العنف التي عصفت بالمنطقة سابقاً، لم تشهد ظاهرة إحراق المحال على هذا النحو». يرفض الشاب ذكر اسمه، نظراً لأن «باب رزقي في المدينة، ويمكن المعتدين أن يرصدوني لاحقاً». في رأيه أن سبب إحراق محله، الكائن في سوق القمح، هو سماحه للجيش سابقاً بالاستفادة منه كنقطة للتمركز.

حصار الجبل

يعيش أبناء جبل محسن، منذ نحو أسبوعين، حصاراً شبه علني. هدأت المعارك على محور الجبل ـــــ التبانة، نسبياً، لتبدأ معارك من نوع آخر. بات على كل علوي يريد الخروج من الجبل، لأي سبب كان، أن يتجنب الوقوع تحت نظر «الآخرين» في طرابلس. الجبل ليس سوى حي صغير في المدينة، والمقيمون فيه، بأغلبهم، يعملون كموظفين أو أصحاب محال خارجه. عموم أبناء المدينة لا يحتاجون إلى شيء من داخل الجبل، بينما أبناء الجبل مضطرون إلى النزول إلى المدينة. بالنسبة إلى عبد اللطيف صالح، المسؤول في الحزب العربي الديموقراطي، فإن «الحصار المفروض تحت طائلة الخطف والتعذيب، وبالتالي المنع من العمل، هو بمثابة حرب نفسية واقتصادية واجتماعية، ربما تفوق في ضررها الحرب العسكرية». قبل أيام، خُطف الشاب محمد رستم، وهو من أبناء الجبل، على يد شبّان من التبانة، أثناء عودته من عمله. يجلس الشاب في مقهى أبو عمران، داخل الجبل، ومن حوله رفاق له، ليسرد ما حصل معه. يتحدث عن زملاء له في العمل، كان على ود معهم لسنوات، كشفوا أخيراً لمسلحين في التبانة عن كونه من أبناء الجبل. بناءً على هذه «الدزّة» جرت عملية خطفه. نقله المسلحون في صندوق سيارة إلى مبنى في التبانة، وهناك «راحوا يعذبونني ويضربونني بأرجلهم على رأسي، كما أطفأوا السجائر المشتعلة بجسمي، ووضعوا خنجراً على رقبتي وقالوا إنهم يريدون ذبحي». يضيف الشاب: «صوروني بواسطة هاتف خلوي، فيما كنت أشتم سوريا وجبل محسن، رغماً عني، فيما كانت البنادق موجهة نحو رأسي». من يستمع إلى رستم متحدثاً، ومن حوله عشرات الشبّان العاطلين من العمل، فلن يجد صعوبة في تخيّل موقع الشاب في أيّ معركة تحصل قريباً بين الجبل والتبانة. المسؤولون في الجبل يقولون إنهم أوعزوا إلى الجميع بالخروج من الجبل، لمتابعة حياتهم على نحو طبيعي، إذ إننا «لن نسمح لأحد بأن يجعلنا غرباء عن طرابلس، فنحن من أهل المدينة مثلهم وربما قبلهم».

لكل شاب يجلس في ذاك المقهى الشعبي، داخل الجبل، قصة مع البطالة و«فن» ابتداع الطرق للخروج من المنطقة والعودة اليها. في نهاية المطاف هؤلاء لا يأكلون «حماسة» ولا يشربون «عنفواناً». هؤلاء شبّان بسطاء، لا يريدون أكثر من لقمة العيش، مع «الحفاظ على كرامتنا». لا يمكن تخيّل أن تستمر الحال على ما هي عليه لفترة طويلة، وإلا فإن «انفجاراً» اجتماعياً سيحصل بشكل أو بآخر. «الزعيم» رفعت عيد يرعى أهالي الجبل حالياً، قدر المستطاع، إذ يتم «توزيع نحو 2500 ربطة خبز يومياً على الذين تعطلت أعمالهم، علماً أن هذه من مهمات الدولة، التي يئسنا من التفاتها نحونا اجتماعياً ومعيشياً». هذا ما يقوله «أبو الكفاح»، السبعيني المتسمر في ذلك المقهى، الذي ما زال يتقد حماسة للدفاع عن «جماعته». العجوز «المشبشب» لا يستثني أحداً في لومه، سواء «جماعته» أو الذين «يكرهوننا». أكثر الحاضرين في المقهى يشاركون «أبو الكفاح» لومه، ما ينذر بحالة من «التفلت» التي قد يشهدها الجبل في أي جولة عنف لاحقة. السبعيني يُذكّر «الطرف الآخر» بتاريخ جماعته، الذين «طاردهم ذات يوم السلطان العثماني، ففروا إلى الجبال، وهناك أخرجوا الوحوش من الجحور والمغاور ليسكنوها. إن أرادوا التعايش فنحن أهل، وإلّا فليسألوا وحوش الجبّال عنّا». كلمات «أبو الكفاح» أصابت الحاضرين بنشوة أمجاد التاريخ، فصفقوا وهتفوا... ثم عادوا للعب الورق.

 

الحوار مع رفعت عيد

 

في باب التبانة، لم تهدأ النفوس بعد. جولات العنف الأخيرة تركت عدداً كبيراً من القتلى برصاص القنص. الجرح لا يزال نازفاً. مسؤولو المجموعات المسلحة يكررون لازمة واحدة: مشكلتنا ليست مع أبناء جبل محسن، بل مع رفعت عيد. يتهمون الأخير بالمسؤولية عن رصاص القنص الذي قتل عدداً من أبناء طربلس.

معظم قادة المجموعات المسلحة يتلقون تمويلاً من السياسيين. صحيح أن السلفيين حجزوا لهم مكاناً لا بأس به بين مسلحي طرابلس، لكن الأكثرية لا تزال تابعة للسياسيين التقليديين. الأجهزة الأمنية (مديرية استخبارات الجيش وفرع المعلومات خاصة) أجرت مسحاً للمجموعات المسلحة، موثقة معلومات تفصيلية عن مموليها. والنتيجة صادمة: سياسيو طرابلس المعروفون يموّلون الجزء الأكبر من هذه المجموعات. وبعض هؤلاء السياسيين موجودون في السلطة اليوم. أما الجزء الآخر، فيحصل على التمويل إما من السلفيين، أو من طرفي النزاع السياسي اللبناني، لكن من خارج طرابلس.

ميدانياً، لا يزال التوتر سيد الموقف. المسلحون منتشرون، لكن من دون أن يظهروا علناً. ينظّمون مناوبات للحراسة الليلية، خشية انفلات الوضع في أي لحظة. وعلى طرفي خطوط التماس، يهدد كل طرف بعنف لا حدود له في الجولة المقبلة.

المؤسسة العسكرية في موقف لا تُحسد عليه. حركتها بحاجة إلى غطاء سياسي. هذه المرة، تتوعد بالرد على مصادر النيران، لكن هذا الوعيد لا يمثل ضمانة لعدم تصاعد النزاع مستقبلاً، بحسب أمنيين وسياسيين مطلعين عن كثب على ما يجري في عاصمة الشمال. ومعظم متابعي الحدث الطرابلسي يتحدثون عن الحاجة إلى نوع آخر من المبادرة السياسية. يقولون إن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بات ملزماً بإطلاق حوار سياسي جدي، بالتنسيق مع جميع القوى في المدينة، سعياً إلى الحفاظ على الحد الأدنى من الهدوء في الشمال. مغزى كلامهم أن الصورة التي ظهرت من بعبدا بحاجة إلى إسقاط على الواقع الطرابلسي. وما يقصدونه في حديثهم هو الحاجة إلى الحوار الجاد مع الحزب العربي الديموقراطي، ممثلاً برفعت عيد. فالأخير، يمثل الغالبية العظمى من أبناء جبل محسن. حتى بعض السياسيين البعيدين نسبياً عن الشأن الطرابلسي يشددون على هذا الأمر. النائب وليد جنبلاط مثلاً، طالب في جلسة الحوار الأخيرة في بعبدا بضرورة التحاور مع «رفعت عيد. هو يمثل العلويين. فلماذا نتجاهله؟ هل تريدون التحاور مع النواب العلويين؟ ماذا يمثلون؟».


Script executed in 0.19603991508484