أنت تتصفح أرشيف موقع بنت جبيل

فرادة تجربة «وعد»: إيديولوجية تشكيل المجتمع المقاوم

السبت 14 تموز , 2012 02:00 بتوقيت مدينة بيروت - شاهده 2,832 زائر

فرادة تجربة «وعد»: إيديولوجية تشكيل المجتمع المقاوم

أزيل معظم الركام بسرعة، وامتلأت الأمكنة المحروقة بالوافدين زوارا ومتابعين وعائدين، خاصة إلى منازلهم، يصعدون الأدراج، يفتحون الأبواب، يتلمسون الجدران، ينظرون إلى الصور المعلقة، والأثاث الذي بقي في مكانه، غير مصدقين، أو العائدين إلى ركام منازلهم يفتشون عن رسم أو صورة أو ذكرى.. أعيد الاعمار وعاد الناس إلى الأماكن. عد إلى كرسيك الأحمر في شارع الشورى، وانظر إلى الواجهات أمامك والدكاكين الصغيرة والفيترينات الزجاجية.. هنا كما في شوارع الحمرا وفردان ومار الياس والمصيطبة والطريق الجديدة، ترى المظاهر الرئيسية للانتماء العام.

ذلك مقتطف صغير من وصف رئيس الهيئة الاستشارية لمشروع «وعد» المهندس رهيف فياض، للأمكنة التي دمرتها إسرائيل في الضاحية الجنوبية، في تموز العام 2006، وانتهى إعمارها في أيار العام 2012.

وقد أجمع المعماريون في نقاش استمر يومين في «فندق غاليريا»، على ثلاثة أمور رئيسية، أوصلت إلى اختلاف «وعد» عن غيرها من مشاريع إعمار ما بعد الحروب في لبنان. وهي: مشاركة الناس في وضع تصاميم منازلهم، وقيام جمعية أهلية تنتمي إلى حزب سياسي بالإعمار هي «جهاد البناء»، وإنجاز الإعمار في فترة قياسية. 

وخرجت من النقاش معادلة مفادها أن «حزب الله» تصرف بعكس إسرائيل كليا: كان يريد عودة الناس الذين اقتلعوا من أرضهم بأقصى سرعة ممكنة، بينما إسرائيل تقتلع الناس من أرضهم، وتقيم فيها المستوطنات، لإسكان أناس آخرين. وأكمل الحزب في عملية الإعمار مواجهة العام 2006، لأن إسرائيل كانت تريد من الدمار خلق مشكلة بينه وبين السكان، وتحميله مسؤولية هدم منازلهم ومحالهم، وموارد رزقهم.

وجرت مقارنة بين إعمار الضاحية وإعمار وسط بيروت. وخارج لبنان، عرضت تجارب عن بناء مدينة بام الإيرانية التي دمرها الزلزال، وسراييفو وجوهانسبورغ في جنوب أفريقيا، وفرصوفيا في بولندا.

افتتح الجلسات النقيب عاصم سلام معلنا تخلف الدولة عن القيام بأبسط واجباتها لرعاية الأهالي، مما أصابهم نتيجة العدوان الإسرائيلي. فلم يكن اهتمام بالعائلات التي فقدت أفرادها، ولا بمن تهدم بيته وتأمين إيواء له، ولا متابعة لحاجات أهالي الجنوب والضاحية، الطبية والتربوية، أو فرص العمل التي نفدت. واقتصر تدخل الدولة بدفع حفنة من الدولارات لكل متضرر، ما يؤدي إلى بقاء الوضع المأساوي على ما هو عليه. لكن الفكر المقاوم، تابع سلام، كان له امتداد في إنشاء مؤسسة «وعد»، فأقدم على ذلك العمل، مع معرفته التامة بمخاطر الفشل، والموقف السلبي للسلطة القائمة منها وعرقلة مسارها. ولم يتحقق المشروع لولا وجود ضمانة المقاومة له، والثقة الكاملة لدى الأهالي بقيادات المقاومة وقدراتها، والكفاءة في إدارة المؤسسة، وتأمين حقوق الأهالي، والتعاطي معهم بما يستحقون من كرامة ورعاية. وقال إن «وعد» أمنت للمرة الأولى في لبنان مشاركة أصحاب الحقوق، بطريقة فاعلة في إعادة إعمار منازلهم. بدءا من وضع التصاميم إلى مرحلة التنفيذ. وأقامت هيئة استشارية جامعة لجميع الفئات اللبنانية، مؤلفة من معماريين هم الأكثر كفاءة، لمتابعة العمل، واستعانت بمكاتب استشارية لوضع التصاميم اللازمة، من جميع المذاهب والطوائف من دون حرج، وبشركات تعهدات للتنفيذ أيضا من جميع المذاهب والطوائف. والأهم من كل ذلك أن إعادة الإعمار كانت للوطن والناس، وليست عملية عقارية، تهدف إلى المتاجرة والربح والتهجير، وتفكيك المجتمع. 

 

سقف الشروط

 

أدار الجلسة الأولى الوزير محمد فنيش، فأوضح أن التفكير الذي كان يشغل قيادة المقاومة، حتى في لحظات المواجهة في تموز، هو كيفية بناء ما هدمه العدو. وقال إن النجاح على العدو أصبح مكتملا بعد مشروع إعادة البناء. وعلى الرغم من المشكلات التي يمر بها الوطن والاحباطات التي نواجهها، علينا الوثوق بقدراتنا وبأنفسنا، والوطن الذي بذلت من أجله التضحيات، يجب الوثوق به.

وأعلن مدير المشروع المهندس حسن الجشي، أنه لم يكن هناك شيء إسمه «وعد»، وقد بدأت تنمو، بشكل متواز مع نمو حجم أعمالها. وتم التعاقد مع 51 مكتباً للدروس باشرت الدراسات اللازمة، وذلك بعد تزويدها بالمعطيات عن الواقع السابق وبالمواصفات المطلوب اعتمادها. كما تم التعاقد مع سبع شركات للإشراف على تنفيذ الأعمال. وكان يوجد مئة واثنان وتسعون مبنى تحتاج إلى تدعيم لأن معظم المباني المهدمة تجاور أو تلاصق أبنية لازالت قائمة، وعليه لابد من اتخاذ إجراءات الحماية والوقاية للحفاظ على السلامة العامة لحفر 192 عقارا يحتوي كل منها على بناء أو أكثر. وأوضح أن الإدارة وضعت في المرحلة الأولى مجموعة شروط لتصنيف شركات المقاولات، تمهيدا للتلزيم، ورفعت سقف الشروط لحصر المقاولات بالشركات الكبرى والعالمية بهدف تسريع الأعمال، ولكن لدى طرح المناقصات وفي لحظة سياسية محددة، انسحبت جميع الشركات الكبرى لأسباب عدة، بينها رفض إعطاء كفالات مصرفية للمشروع. عندها تم اللجوء إلى الشركات المحلية، والتعاقد مع 32 شركة مقاولات، تحملت أكثر من إمكاناتها. «وخيرا فعلنا» ، بينما بلغ إجمالي عدد القوى العاملة في المشروع في فترة الذروة 3813 عاملاً، إلى جانبهم مهندسون ومشغلو معدات. 

 

تجربة بام الإيرانية

 

عرض وزير الإسكان الإيراني سابقا محمد سعيد كيا تجربة إعمار مدينة بام الإيرانية التي دمرها الزلزال. موضحا أن إيران تقع على خطوط زلازل متعددة، ومدينة بام تقع جنوب شرق إيران، ويسكنها أكثر من مئة وأربعين ألف شخص، وقد بلغ عدد القتلى فيها أكثر من عدد الجرحى، فيما دمر تسعون في المئة منها، ضمنها أكثر من خمسين ألف وحدة سكنية. واضاف أنه خلال ثلاثة أيام تم رفع جميع القتلى والجرحى من المنطقة، وجرى إيجاد تجمعات للسكن المؤقت داخل منازل صغيرة. وكانت هناك فكرة لنقل المدينة من مكانها أو البناء في المكان نفسه، أو توسعة المدينة، ثم طرح السؤال: من سيبني بام من جديد؟ الحكومة أم الناس؟ أم بالمشاركة بين الجانبين؟. وبعد نقاش كبير اتخذ القرار ببناء المنازل في الأماكن نفسها لأن الأهالي بنوا منازلهم داخل الحدائق، حتى أن المدينة تسمى بالبستان، وبالتالي فإن وجودها أمر مهم لهم. وعليه كلفت لجنة من عشرة أشخاص برئاسته أعطيت الصلاحيات كاملة، بينما أقرت الحكومة ثلاثة وثلاثين قانونا للمساعدة في إعادة بناء بام، ووفرت قروضا ومواد أساسية وخدمات فنية. وتركت الحرية للناس في اختيار أشكال منازلهم، فاستقرت في المدينة ثلاثون شركة استشارات هندسية، وقسمت المدينة إلى عشر مناطق، وتم بناء نماذج منازل مقاومة للزلازل للاختيار منها. وكان الأهالي يوقعون الاتفاقات المباشرة مع المقاولين. وبالإضافة إلى المنازل والمؤسسات أعادت الحكومة بناء مواقع ومقابر الأولياء، واستحدثت ملعبا ومكتبة.

لم يكن هناك مكان لشركات عقارية وضم وفرز في «وعد»، ولا نزع للملكيات، ولا تغيير في النسيج العقاري للمنطقة. أكد على ذلك رئيس القسم المعماري في المؤسسة المهندس برهان قطايا، وتحدث عن عملية تواصل طويلة مع أصحاب الحقوق، بدأت من إحصاء المباني والأقسام المدمرة، وتحديد مالكيها، وتلقي مراجعاتهم وشكاواهم طيلة فترة العمل بالمشروع، وحتى بعد إنجاز العمل في أي عقار. وقد تم تلقي المستندات وطلبات التوكيل من المالكين، وتحويلها إلى قسم الشؤون القانونية لاستكمالها، وعند بلوغ التوكيلات في أي عقار النسبة القانونية المطلوبة، يحال الملف إلى القسم المعماري، للبدء بوضع الدروس للعقار، تمهيدا لمرحلة التنفيذ لاحقا. كما جرى جمع المعلومات من المالكين عن الواقع السابق لأقسامهم والتحقق من الأعمال والمواصفات التي كانت موجودة لديهم، ومساعدتهم على تأسيس لجان قانونية لكل مبنى تتولى متابعة شؤونه لاحقا لدى «وعد»، ومساعدة المالكين في إتمام ملفاتهم لدى الجهات الموكل إليها أمر دفع التعويضات، وهي البلديات ووزارة المهجرين وصندوق المهجرين.

وتمت مساعدة بعض المالكين في رفع حجوزات البنوك عن عقاراتهم أو أقسامهم عبر إقراضهم مبلغا من المال لسداد ما يتوجب عليهم بالتفاهم مع المصرف، ورفع أحكام التفليسة عن مبنى كامل يضم ستة وعشرين قسما هي عبارة عن عشرين شقة وخمس محلات ومستودع، بعد التفاوض مع محكمة الإفلاس ووكيل التفليسة.

يضاف إلى ذلك، مساعدة أصحاب الحقوق في العقارات غير المفرزة بوضع إشارات على الصحائف العقارية لحفظ حقوقهم، وتسجيل عقودهم التي مر عليها أكثر من عشر سنوات وإقراضهم المبلغ المتوجب دفعه كرسوم تسجيل، والتدخل لحل النزاعات بين المالكين وبين المستأجرين القدامى.

 

الشعب أو المستثمرون؟

 

في الجلسة الثانية، ذكر وزير المهجرين علاء الدين ترو بأن اجتماعات مكثفة عقدت بعد انتهاء الحرب في السرايا الحكومية وفي «مجلس الإنماء والإعمار»، ضمت رؤساء بلديات و«نقابة المهندسين» و«التنظيم المدني» ووزارة المهجرين و«الصندوق المركزي للمهجرين»، وتم خلالها إقرار آلية لتحديد ودفع المساعدة عن الأضرار اللاحقة بالوحدات السكنية وغير السكنية في جميع المناطق خارج الضاحية الجنوبية، وآلية ثانية لتحديد المساعدات ودفعها في الضاحية. وتألفت لجنة لدرس واقتراح مشروع القانون الذي يجيز إعادة إعمار المباني، كما كانت عليه قبل العدوان الإسرائيلي، وإدخال بعض التعديلات الجزئية عليها. لكن القانون لم يقر حتى اليوم. 

وطرح المهندس في «المجلس الوطني للبحوث العلمية» في فرنسا اريك فرداي أسئلة عدة عن مفاهيم مشاريع الإعمار والجهات التي يجب أن تخدمها، وأبرزها الشعب أم المستثمرون؟ وقال إن مشروع إعادة إعمار وسط بيروت كان في العام 1982ـ1986 بداية مشروع نيوليبرالي، وثمرة تعاون بين كل من الرئيس أمين الجميل والرئيس الراحل رفيق الحريري. وفي العام 1990 شكل المشروع استمراراً لجهود العام 1982، وقام على إيديولوجية ليبرالية، تريد لبيروت إثبات نفسها أمام الدول العربية، بينما الشعب المستهدف كان المهجرين الذين لم يعد لديهم مكان في وسط المدينة. وعلى مستوى التمويل تمكنت «سوليدير» وهي شركة عقارية خاصة من الاستفادة من مساحات بالغة الأهمية.

وفي «وعد» اعتمد المشروع على إيديولوجية مهمة جدا وهي إعادة تشكيل المجتمع المقاوم المضاد للإمبريالية. ومعظم المشاركين فيه هم من المناصرين لـ«حزب الله»، فجرى الإعمار في وقت مقتضب جدا ومفاجئ جداً، والذاكرة لاتزال جديدة، ولم يتمكن الأشخاص من إعادة تكوين حياتهم في مناطق أخرى، ولم يكن هناك أصلا مشاريع للمنطقة منذ الستينات. وقد لعب ذلك دوراً مهما جدا في إرادة الإعمار. ورأى أن المشروع يدخل ضمن المنطق البلدي الذي يركز على حاجات السكان، ويمكن مقارنته بما قام به «الحزب الشيوعي الفرنسي» في ضواحي باريس، لتلبية حاجات شعبه، ولكن عبر الاستمرار في الحصول على الشرعية السياسية، وفي لبنان ذلك فريد جداً.


Script executed in 0.19565916061401